الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



في مكتبة الصحافة اليوم :

«الشباب التونسي والتدّين في الحياة اليومية» للباحثة آمال موسى


 

مع أنّها تلح دائما على صفتها كشاعرة وقد نشرت ما يثبت ذلك في دواوين حازت الاهتمام ونالت التتويج وطنيا وعربيا ودوليا أيضا إلا أنّ السيدة «آمال موسى» باحثة متميّزة في مجال علم الاجتماع، ذكية في اختيارها لمباحث وقضايا شائكة ما تزال مادّة لسجالات فكرية وإيديولوجية لم تنقطع حتّى الآن. ولا شكّ أنّ عملها بالاعلام قد ساعدها علي اختيار موضوعات شائكة ومغرية. فبعد نشرها لمؤلّفات بحثية حول علاقة الزعيم الرّاحل بالإسلام ومستقبل حركة النهضة بين الإخوان وما اصطلحت عليه بـ «التونسة» أصدرت لها مؤسسة «مؤمنون بلا حدود» أطروحتها التي أشرف عليها الدكتور «المنصف وناس» وقدّم لها تحت عنوان «الشباب التونسي والتدّين في الحياة اليومية».

يمسح الكتاب حوالي خسمائة صفحة ويشتمل على إطار نظري ومنهجي عام و باب أوّل عن محدّدات السلوك التدّيني في المعيش اليومي عامة والشباب التونسي خاصّة وباب ثان عن موقع الدّين في المعيش التونسي عامة ومعيش الشباب خاصّة وخاتمة عامة مع الإشارة إلى أنّ كلّ باب يشتمل على ثلاثة فصول.

غاية الكتاب وأطروحته وأسئلته

ويهتم هذا الكتاب، الذي يعتمد على مقاربة كميّة ونوعيّة، بموقع الدين في المعيش التونسي اليومي، وذلك من خلال محاولة الحفر في السلوك الديني الشبابي من جوانب متعددة ومختلفة قصد الإحاطة بالدينامية الداخلية للتدين الشبابي ومحدّداته. وهو يندرج ضمن علم اجتماع الدين وعلم اجتماع الشباب، حيث ركزت «آمال موسى» على فئة الشباب تحديداً بسبب الأهمية الديمغرافية للفئة الشبابية في المجتمع التونسي إذ تمثل قرابة الثلث علاوة على كونها فيما يبدو من أكثر الفئات الديمغرافية والاجتماعية امتلاكاً للأجوبة التي تبحث عنها إشكالية الكتاب وفرضياته. فهي فئة رئيسة في أي عملية من عمليات التغيير الاجتماعي، وتمثل مرحلة الشباب الإطار الأمثل للبناء الرمزي للهوية الذاتية والاجتماعية والثقافية ما يعني أنها مرحلة عمرية ذات ديناميكية قابلة للملاحظة والقياس بحكم انشغال هذه الفئة أكثر من غيرها بسؤال الهوية وأكثر تفاعلية وتأثراً بمكوناتها. .

وفي ضوء هذه الاعتبارات اهتم البحث بتحليل محدّدات علاقة الشباب التونسي بالدين؛ أي ما الذي يُحدد طبيعة ممارسة الشباب التونسي للدين في المعيش اليومي؟ وما هو تأثير الأطر الاجتماعية ودور مرجعيات الإسلام العائلي والشعبي والعالم والرسمي في تشكيل السلوك الديني للشباب التونسي؟ وإلى أي حد يمكن أن تستبطن الممارسة اليومية للدين مضامين احتجاجية بالمعنى السياسي، أو أنها تعبر عن دوافع متصلة بالإكراهات التي تثقل الواقع الاقتصادي للشباب التونسي؟

و لم تغفل الباحثة عن تناول مسألة الطقوسية وتمظهرات الديني في التعبيرات الجسدية.

وتقول المؤلّفة: « إن طموح كتابها الذي أنجزت دراسته الميدانية الخاصة به قبيل تاريخ الثورة التونسيّة، هو إدراك طبيعة الدوافع الذاتيّة التي تجعل الشباب، بوصفهم فاعلين اجتماعيين حاملين لطاقة مهمّة للتغيير، ينتصرون لعلاقة معيّنة مع الدين دون سواها؛ ذلك أنّ الذاتية تساعد في فهم الحقيقة الاجتماعية، لما تتّصف به لا فقط من قدرة على فعل الحراك وإنما لكفاءة البعد الذاتي في منح الواقع الاجتماعي معنى جديدا، وفي كشف مقاصد الفرد والأسباب المحدّدة لأهدافه وكيفية تفاعله في المحيط الاجتماعي».

وتضيف الكاتبة في خاتمة أطروحتها «سعياً إلى إبراز البعد العلائقي بين السلوك التديني والمتغيرات، نظرنا في الأثر السببي لأربعة متغيّرات هي: متغيّر مكان النشأة والجذور الاجتماعية والجغرافية، ومتغير الجنس، ومتغير المستوى التعليمي، ومتغير الخصائص الاقتصادية. وأهم ما توصلنا إليه أنّ الفوارق ذات الصلة بالمتغيّرات الأربع المشار إليها جزئية، وأرجعنا ذلك بالنسبة إلى متغيّر النشأة مثلاً إلى تسارع وتيرة التحضّر الذي نتج عنه تراجع الطابع الريفي للمجتمع التونسي، وتقلص مواطن التمايز بين الريف والمدينة. غير أنّ ظاهرة اللاتمايز النسبي لم تمنع من وجود بعض الفوارق، ولاسيما ما يتعلق بدور الأطر الاجتماعية المحددة للسلوك الديني، حيث تقول بعض الاستنتاجات: إنّ دور الأسرة والمدرسة والقراءات ووسائل الإعلام، بالنسبة إلى شباب العينة المنتمي من حيث مكان النشأة إلى المدينة، أكثر أهمية وقوة مقارنة بدور أطر التنشئة الأساسية والثانوية لدى شباب أصيل الريف. من جهة أخرى، إن كان التأثير النفسي للصلاة أكثر قوّة بالنسبة إلى الشباب ذي النشأة في المدينة؛ إذ تمنحهم الطمأنينة والقوة، فإنّ متغيّر الجذور الاجتماعية أظهر لنا كيف أنّ الإسلام الرسمي لا يمثّل المرجعيّة الأولى والمؤثرة في مواقف شباب العينة أصيل الريف، في إشارة واضحة إلى الانشقاق السياسي وضعف الاندماج الاجتماعي والتفاعلية.

من خلاصات البحث واستنتاجاته

أهم الاستنتاجات التي توصلت إليها موسى «إنّه كلّما ارتفع المستوى التعليمي لشباب العيّنة كان دور الأسرة في تحديد السلوك التديّني أكثر أهميّة، وأنّ كلاً من المدرسة والقراءات ليستا إطاراً للتنشئة الدينيّة بالنسبة إلى الشباب من المستويات التعليمية كافةً. في حين أنّه في مجال الممارسة اليومية للشعائر الدينية، لاحظت أنّ شعيرة الصلاة ترتفع نسبة ممارستها بالتوازي مع انخفاض المستوى التعليمي، على الرغم من أنّ كلّ شباب العيّنة من المستويات التعليمية المختلفة أجابوا بأنّ الصلاة تمنحهم الطمأنينة؛ فهي أداة ضبط اجتماعي بسبب ما توفّره لهؤلاء الشباب من إمكانيّة لاكتساب القدرة النفسية، وبذلك يؤكد «الأثر الفعال في نشر الأمن والطمأنينة»، الوظيفة النفسية التي يقوم بها الدين في الحياة اليومية لهؤلاء الشباب».

وتلفت موسى إلى أنّ الأسرة ذات الهيكلة الحديثة، بحكم التغيير الاجتماعي والتحولات في التركيبة الديمغرافية، تُعدّ المحدّد الأكثر قوّةً وأهمية في تشكيل علاقة شباب العيّنة بالدين؛ حيث إنها -أي: العائلة -تحظى بمخيال إيجابي لدى الشباب، وتضطلع بأدوار اجتماعية واقتصادية وتربوية مكّنتها، أكثر من مؤسسات التنشئة الأخرى، من أداء دور دينيّ في إطار تحكمه تفاعلية إيجابية. في مقابل ذلك لاحظت أنّ أثر التنشئة المدرسيّة ضعيف وأغلبية شباب العيّنة من مختلف الفئات العمرية رأت أنّ مادة التفكير الإسلامي غير مهمّة أو مادة ثانوية. والأمر نفسه تقريباً، بالنسبة إلى القراءات الدينية والأقلية التي تدين في معرفتها الدين الإسلامي إلى القراءات الدينية، تتجه في هذا النوع من الممارسة الثقافية إلى كتب الأدعية والتداوي؛ أي قراءة كتب التدين الشعبي، ما يفيد أن معرفة الشباب بالدين معرفة تقليدية، وليست وليدة النظم المعرفية الجادة والمعرفة العالمة الدقيقة.

وترى أن الإطار الذي يُضاهي، من حيث الأهمية دور العائلة، فإنّه يتمثّل في وسائل الإعلام؛ حيث أن مشاهدة القنوات الدينية تُعدُّ ممارسة ثقافية مهمّة لدى أغلبية الشباب مع تفوق نسبي للشباب الممارس لشعيرة الصلاة، كما أنها الممارسة الثقافية الأساسية لكل شابات العينة المحجبات، علماً بأنّ بعض البيانات المتصلة بمبحث وسائل الإعلام تؤكّد أنّ القنوات ذات المرجعية السلفية الوهابية أكثر جذباً للشباب من القنوات المروجة للمذهب الشيعي.

الكتاب على غاية كبيرة من الأهمية وهو بحقّ مكسب لحقل دراسات علم اجتماع الدّين والتدين في عالمنا العربي.

 

 


عرض: كمال الشيحاوي