الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة


في مكتبة الصحافة:
«منابع الذات، تكوّن الهوية الحديثة لـ «تشارلز تايلور» مترجما إلى العربية:

أو كيف تشكّلت «الذات» في الثقافة المعاصرة؟


ما هي الذات؟ وهل هي مفهوم حديث؟ وكيف تشكّلت مكوّناتها تاريخيا في الثقافة الغربية؟ وهل كان للفنانين والأدباء دور مميز في تكوينها وما صلتها بالمدرسة الرومنطيقية؟ هذه من بين الأسئلة التي يسعى المفكّر والفيلسوف الكندي «تشارلز تايلور» في مؤلّفه «منابع الذات، تكوّن الهوية الحديثة» إلى تقديم عناصر إجابة عنها وقد صدر الكتاب معرّبا من قبل «رجمة حيدر حاج إسماعيل»، عن المنظمة العربية للترجمة.

يناقش الكتاب ثلاث مسائل أساسية : الأولى ما يسميه «تايلور» الجوهر الداخلي الحديث، وهو الشعور بأننا «ذوات» وكائنات لها أعماق داخلية. والثانية التأكيد على «الحياة العادية». والثالثة الفكرة التعبيرية عن الطبيعة بوصفها مصدراً أخلاقياً. ويؤكّد «تايلور» في مدخل كتابه بأنّ الإنسان ما قبل الحديث لم يفهم من كلمة «ذات» ما نفهمه الآن منها، بل هي نِتاج تراكمات طويلة وكثيرة.

 

خلفيات الميول المعاصرة

 

يشرع المؤلف أولاً بالحديث عن الصور والخلفيات المضمرة التي تقبع خلف الميول الأخلاقية المعاصرة، وهي ميول لا تظهر إلا نادراً، سواء لدى المتدينين أو العلمانيين، ويشير إلى الطمس أو التجاوز المتعمد للأنطولوجيا الأخلاقية أو الأسس الوجودية الجوهرية للنزعات والعقائد الأخلاقية في المجتمعات الحديثة، وهو يعيد ذلك جزئياً إلى الطبيعة التعددية للمجتمع الحديث التي سهّلت العيش بتلك الطريقة، وأيضاً بسبب الوزن العظيم للأبستمولوجيا أو نظرية وفلسفة المعرفة الحديثة، التي ترى أن هذه التأسيسات الوجودية للأخلاق مجرد خرافة. وقد جعل ذلك القيام بمهمة الكشف عن أسس تشكلات الهوية الحديثة وانعكاساتها على البنى النظرية للأخلاقيات الحديثة أمراً مشروعاً، وأحد أهداف الكتاب الأساسية.ويتحدث المؤلف أيضاً عن الفهم الحديث للاحترام الموجه للبشر والذي ينطلق من ربط احترام الحياة والكرامة البشرية بفكرة الاستقلال الذاتي، واحترام استقلالية الشخص الأخلاقية. ومع تطور فكرة الفروق الفردية في الحقبة المابعد رومنطيقية توسع ذلك الاحترام إلى طلب توفير الحرية للناس في تطوير شخصياتهم بطرقهم الخاصة مهما بدت بغيضة لنا ولحسنا الأخلاقي. كما يشير أيضاً الىسمة أساسية في هذا السياق، وهي عن الأهمية الخاصة التي تضعها الثقافة الأخلاقية الحديثة لمسألة تجنب الآلام. ويرى «تايلور» أن أربع مفردات تحليلية يمكن من خلالها تقريب الرصد التحليلي للهوية الحديثة، وهي (1) التصورات عن الخير والفضيلة، (2) الفهم الشخصي للذات، (3) القصص أو السرديات التي تضفي المعنى على الحياة، (4) المفاهيم عن المجتمع، أي المفاهيم التي تتعلق بما تعنيه الكينونة فاعلاً إنسانياً بين فاعلين من البشر.

 

أقسام الكتاب وأطروحته

 

توزَّعت محتويات الكتاب على خمسة أقسام كبرى: استهلَّ القسم الأول منه بوضع «الأطر المرجعية» الأربعة الملازمة لطريقة تمثلنا لأنفسنا، وهي: لحظة الوجود البدئي مع العالم (المستوى الأنطولوجي للهويَّة)، إلى لحظة الوجود في العالم (المستوى الظاهراتي)، ومن ثمَّة إلى لحظة الوعي بالذات (المستوى التأويلي)، وصولاً إلى مرحلة تشكُّل المعاني المشتركة والتقويمات القويَّة (مستوى التواصل والتداول).

ويمضي في القسم الثاني إلى رصد الصيرورات الطويلة لما يُسمِّيه بـ «تبطين» الروافد والمرجعيات التي نهلت منها الذاتية الحديثة، ويُحدِّدها في ثلاث مرجعيات كبرى: التأليهيَّة والعقلانيَّة والرومنطيقيَّة. ويعزو تايلور ما يُسمِّيه بـ «قلق الحداثة» إلى الصراع المستمر بين هذه الروافد وعدم توافقها حول رؤية موحدة للإنسان والقيم، وهو ما يفتىء في تمزيق وحدة الذات والمجتمعات الحديثة.

في القسمين الرابع والخامس من هذا الأثر تهدأ نسبياً حدَّة التوترات الناجمة عن النزاع المتواصل بين المصادر النقلية والمصادر العقلية، حيث سيُخفِّف الإصلاح الديني اللوثري 1517 من حدَّة التنافر القائم بين الديني والدنيوي، وسيقترب الإلاه المتعالي من شؤون عباده وحياتهم اليومية، وهو ما جسَّده البراديغم الطهري والبروتستانتي لاحقاً. وسيجد هذا «الانفراج» دعامة قويَّة من لدن بعض الفلاسفة المؤثِّرين، من أمثال بيكون ولوك وهردر وروسو، وتكمن قيمة هؤلاء في قدرتهم على أنسنة التعبيرات الدينية وإحالتها إلى القدرات التمثلية للذَّات المفكِّرة والحاسَّة. ويعبّر «تايلور» بمرارة في خاتمة الكتاب عن حقيقة أنّ الثقافة الأداتية هي التي ستنتصر على مجمل المرجعيَّات، وستكون لها الكلمة الفصل في تقرير مصير الحداثة الغربية.

 

 


عرض «الشيحاوي»