الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة





«باكوراو» وطرق الإبادة الجديدة في زمن العولمة


بقلم كمال الشيحاوي

«باكوراو» للثنائي البرازيلي «كليبير مندونسا فيلو» و«جوليانو دورنيليس»، والذي عُرض في الدورة الأخيرة من مهرجان «كان» السينمائي حيث فاز بجائزة لجنة التحكيم من الأفلام المدهشة من حيث المقاربة السينمائية التي بنيت على فكرة التحذير من الأسوإ عبر تصويره كإمكانية فيلمية.

وحتّى نشارك من لم يشاهد الفيلم متعته ونشجّعه على البحث عنه خصوصا في هذه الأيام التي عدنا فيها للحجر الصحي شبه العام فإنّ الفيلم يصوّر أحد أكثر الأشكال بشاعة في التعامل مع قضايا البشر وهي الإبادة الجماعية عبر استخدام مجموعات من المرتزقة وسائل تكنولوجية حديثة. ومع أن البشرية قد عرفت أشكالا ووسائل عديدة من الإبادة عبر الحروب المدمّرة و المجازر وإلقاء القنابل النووية واستخدام الأسلحة الكيمياوية إلاّ أن الجديد والمرعب في شريط «باكوراو» هو استخدام وسائل الاتصال الحديثة في تنفيذ عملية إبادة جماعية أريد لها أن تكون ناجعة وبلا أثر. والهدف الإيديولوجي من كلّ ذلك هو التحذير ممّا يمكن أن تتجه له حكومات يمينية متطرّفة في البرازيل وفي أي بلد من العالم في حلّ مشاكل التمرّد والاحتجاج الاجتماعي عبر إبادة قرى وربّما مدن بكاملها.

ولكن ما حكاية الفيلم؟

يصوّر الفيلم من البداية قرية برازيلية وهي بصدد ممارسة طقس جماعي في توديع سيّدة مسنّة وتبرز أجواء المأتم حجم التقدير والحب الذي يكنّه سكان القرية لتلك السيّدة وشيئا فشيئا يتضح من خلال ملامح البيوت و الشخصيات و ما يجري بينها من أحاديث أنّنا أمام سكان قرية متمسّكين بذاكرة قريتهم وأصولهم وفخورين بأجدادهم بدليل وجود متحف صغير خاصّ بالقرية، يروى فصول المقاومة للغزاة ولكل حملات الإبادة والاستعمار السابقة. وإذ يتقدّم الفيلم مصوّرا الإيقاع اليومي لهذه القرية وشبابها الذي يعاني المشاكل ذاتها التي يواجهها البرازيليون نكتشف بالتوازي مع حركة غريبة لبعض الزّوار أن القرية تتصدّى عبر شبابها المتمرّد لعملية بناء سدّ ترى أنّه سيهدّد وجودها بالكامل. ويبدو أن قرارا خطيرا تمّ اتخاذه من قبل الجهات التي تقف من أجل تنفيذ مشروع السدّ بإبادة كلّ سكان القرية على بكرة أبيهم. وتشرف على هذه العملية المرعبة مجموعة من المرتزقة المحترفين القادمين من شتى أنحاء العالم وقد خطّطوا لتنفيذ هدفهم عبر قطع الاتصال عن القرية وحذفها تماما من خارطة «غوغل» ومن برمجيات الهواتف النقالة ثمّ مهاجمة أفرادها تباعا ومن جميع الجهات.

من الواضح أنّ في السيناريو الكثير من الغرابة والمناخ القيامي(نسبة للقيامة) ولكنّها مقصودة من قبل المخرجين من أجل التحذير من الانحدار الهائل الذي تتجه له حكومات يمينية باتت شديدة القسوة والخبث، بحيث لا يستبعد أن تلجأ لوسائل غير شرعية (عبر توظيف العصابات والمافيات ) لحل مشاكل عجزت عنها بالوسائل الشرعية.

«باكوراو» فيلم شديد القسوة، وهو أكثر من دق لناقوس الخطر، إنّه أشبه بإعلان حال الطوارئ، بواسطة السينما ممّا يمكن أن تنجرف له البرازيل وأي بلد آخر يصعد إليه عبر الانتخابات اليمينيون والفاشيون والشعبويون الجدد . وهي تيارات سياسية وفكرية تستبطن إيديولوجيات التمييز والتحقير للطبقات المهمّشة والفقيرة وهي مستعدّة لكل الوسائل غير الشرعية للتخلّص منها حين تصير عائقا لمخططاتها ومشروعها، حدث هذا مع الفاشيات في منتصف القرن الماضي وها هي تعود بأشكال أخرى أكثر خطورة وتعقيدا.