الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



نقاط و حروف

أدونيس/المشروع والرّهانات الفكرية والأدبية


بقلم :كمال الشيحاوي

ويتميّز «أدونيس» بكونه من أكثر الشعراء العرب المعاصرين إن لم نقل الوحيد من بين الرّواد، من شدّد بوضوح على ربط التحديث الشعري والفكري بتجاوز نقدي للبنية السلفية للتفكير الدّيني في الثقافة العربية الإسلامية، ما جعله في أعلى قائمة الملعونين والمكفّرين والمحرومين من الجنّة في مختلف القائمات السوداء التي نشرها الأصوليون منذ ثمانينات القرن الماضي. مع قصائده ومجاميعه الأولى وتحمّسه لقصيدة النثر التي يعدّ رائدا لها توصّل في أطروحته الجامعية لنيل شهادة الدكتوراه والتي نشرت تحت عنوان «الثابت والمتحوّل بحث في جدلية الإبداع والإتباع في الثقافة العربية» إلى أن المنحى «الثبوتي» في الشعر راجع إلى ارتباط الذهنية التي سادت وحكمت الماضي بالدّين في وجهه التاريخي، والذي قدّم باعتباره خاتمة المعرفة ونهاية الكمال، الأمس والآن والغد لا يكشف عمّا يتجاوز الوحي، بل إنّه على العكس يشهد له، الآن لحظة تذكير وكذلك الغد وليس المستقبل بعد اكتشاف بل بعد حفظ واستعادة.( الدّين لم يعد أصلا لمعرفة الغيب فحسب، بل هو كذلك أصل لمعرفة العالم . )

ويشرح من خلال قراءاته المختلفة لمدوّنة الأدب العربي كيف تسرّبت الخلفية الدينية للنقد و للشعر أيضا. فطلب اليقينية في الشعر ورفض الاحتمالية تأكيدا على أن النظرة النقدية كما اكتملت في القرن الثالث حول «أبي تمّام» هي نفس النظرة الفقهية للنصّ الديني، التي شكّلت ذوقا تقليديا «يميل إلى تجريد اللّغة وقتل الإيحاء والتوكيد على أن المفردة وحدة لغوية ثابتة المعنى ويضيف في هذا السياق « ولعلّ هذا مرتبط بالنظرة النفعية للشعر، لأنّ الشعر في التقليد العربي إنما هو للتهذيب والإمتاع ومن هنا الإلحاح على المألوف ومطابقة الكلام لمقتضى الحال».

يؤسّس «أدونيس» في ضوء هذه الرؤية النقدية مشروعه التحديثي على اعتباره امتدادا شرعيا لرموز وحركات التحديث، كفكر المعتزلة «العقلاني» ورموز الثورة في تاريخنا مثل «ابن الرّوندي» و«ابن المقفع» و«الرازي» و«جابر بن حيان» وحركات الرّفض والتمرّد من قبيل ثورة الزنج والقرامطة فضلا عن رموز الحداثة الشعرية «أبو نواس»، و«أبو تمام» و«جميل بثينة» وغيرهم دون أن ينسى التجارب الصوفية التي غيّرت جوهر العلاقة الرّوحية، الإيمانية وصولا إلى «جبران خليل جبران» الذي يعتبره بحقّ رائد الحداثة الشعرية والأدبية المعاصرة. ويضع أدونيس في نفس الإطار منطلقات فلسفية للحداثة الشعرية، استولدها من قراءة الشعر الجاهلي ومن عناصرها كما هي مبثوثة في كتبه

أوّلا – «إن الإنسان هو مقياس الأشياء وليس اللّه، لأن بناء عالم جديد يقتضي قتل مبدأ العالم القديم حتّى تتحقّق للإنسان الحرية الحقيقية التي تجعل من وجوده سابقا لماهيته، ويتحوّل مستقبله إلى مشروع يتحقّق، شيئا فشيئا،(). وقد حقّق الصوفية هذا الانجاز داخل الفضاء الدّيني عندما حوّلوا اللّه من نقطة ثابتة متعالية منفصلة عن الإنسان إلى حركة في النفس، في أغوارها. فزال الحاجز بينه و بين الإنسان، وبهذا المعنى قتلوه وأعطوا الإنسان طاقاته. () ثانيا «الطبيعة ليست موضوع تعاطف كوني وتغنّ رومنطيقي، وليست ملجأ أو تعويضا إنما هي واقع» (). ينطلق «أدونيس» في هذه الرؤى من تصوّر حداثي، تمكّن خلال مسار تاريخي طويل من الانتقال بالفن من تصوير الطبيعة على أنّها مجرّد شاهد على خالقها لتصير ببساطة العالم الوحيد المتاح لحياة البشر، وليعيد الناس إلى هويتهم البشرية التي أضاعوها في تهويمات الأديان والأساطير.

ثالثا -الدين جواب والإيديولوجيا جواب أما الشعر فلا يقدّم جوابا إنه سؤال استبصار، أو هو كشف متسائل. هكذا يتعارض الشعر مع كلّ نظام معرفي ثبوتي.

رابعا -هدم النظام الثقافي السائد ووعد بثقافة جديدة تخرج عن قيم الأمر والنهي وتتيح حياة فيها تآلف بين إيقاع الجسد والواقع في موسيقى الحرية» () خامسا-«الرؤيا الدينية الإسلامية كأي رؤيا دينية نقيض الشعر من حيث الهدف أيضا كما هي نقيض من حيث اللّغة والنوع الكلامي وكذلك على مستويين: الأول هو أن الشعر تغير، رؤى وأشكالا، ممّا يجعله في تعارض مع النشور أو الغيب، فهذا ممّا وراء التاريخ أمّا الشعر فيعيش في ديمومة التاريخ مع اللاّمنتهي واللاّ محدود حتى في تغيره». الثاني هو أن صورة العالم الأرضي في الرؤيا الدينية زائلة أي فانية ولذلك لا يجوز خلق الآلهة الأرضية أو الوقوع في وهم الجنة الأرضية و هو يخلقه بامتياز الشعر.

ومع أنّ هذه الرؤى الفكرية والشعرية دّالة بوضوح على تمشّي «أدونيس» الفكري في مناقضة الرؤية الدّينية إلاّ أنّ ذلك لم يمنع عددا من المفكّرين من الكشف عمّا اعتبروه رؤية دينية في تفكير «أدونيس» كانت نتيجة للمنهج البنيوي الذي تحكّم بقراءته للثقافة العربية. وهي قراءة ترى أن العقل العربي تشكّل واكتمل في زمن معين، عصر التدوين، وظلّ يعيد إنتاج نفسه تاريخيا. هذا التصوّر في نظر «مهدي عامل» في مؤلّفه «نقد الفكر اليومي» يلغي التاريخ ولا يتبيّن الاختلاف بين بنية العقل العربي كما تشكّلت في الماضي والتي كانت نتيجة بنى إنتاجية مختلفة عن بنى الإنتاج الحديثة التي تتميّز منذ منتصف القرن 16 عشر بتاريخ بداية الاستعمار والارتباط بالامبريالية.