الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



نقاط وحروف

عن الإيديولوجيات التي لا تصلح سوى وقودا للحملات الانتخابية؟


كمال الشيحاوي

مهما كانت أخطاء وسلبيات السياسيين فإن ترذيلهم وشيطنتهم لا يعني منطقيا سوى ترك الحكم للأمنيين والعسكريين ورجال الدّين والعصابات ولهذا السبب كان أفضل تعريف للدّيمقراطية أنّها النّظام الأقل سوءا بمعنى أنّ لها سلبيات كثيرة (اللوبيات، المال الفاسد،مراكز النفوذ) ولكنّها الأفضل بحساب حجم السلبيات الموجودة في الأنظمة الفاشية والدّينية الأخرى التي تنازعها السلطة. وفي بلادنا التي تخوض منذ عشر سنوات تقريبا طورا هاما من الانتقال الدّيمقراطي الصعب بكلفة اجتماعية واقتصادية وأمنية باهظة صار الوعي مشتركا بين أغلب الفاعلين السياسيين بأنّ تونس في حاجة إلى هدنة سياسية توفّر بيئة مناسبة لحكومة المشيشي لا من أجل تحقيق نسبة نمو كبيرة أو حلّ مشكل البطالة الفقر وإنما لإيقاف نزيف المالية العمومية وتحقيق الحدّ الأدنى من التوازنات الاقتصادية التي تسمح لتونس بأن تكون في مستوى تعهداتها والتزاماتها الدولية خاصّة في ما يتصل بخلاص الدّيون. وإذ يبدو هذا الرأي متشائما ومخيّبا للآمال لكن للأسف تلك هي الحقيقة المرّة التي تؤكّدها المؤشرات الاقتصادية الخطيرة.

 

 

ويجمع الملاحظون والمحلّلون للشأن العام في تونس كما عدد من السياسيين البارزين على أن هذه الأزمة التي تكاد تعصف بمنظومة الأحزاب لصالح صعود غير مسبوق لشعبوية لم تكشف عن حقيقة أهدافها وبرامجها يمكن أن تكون فرصة لحوار وطني سياسي وفكري ودستوري يتأسّس على اعتبار المرحلة حاسمة لوضع حدّ لنظام سياسي وانتخابي انتهت صلاحيته مع تحقيقه لهدفه بالقضاء على رهاب الرئاسوية والانفراد بالسلطة ووضع أسس نظام سياسي وانتخابي يسمح في شروط وبيئة انتخابية أقلّ تشنّجا وتشاؤما بميلاد قوة سياسية يكون لها من الأغلبية ما يسمح لها بالحكم بأريحية في تمرير الاصلاحات والقوانين. ومهما كانت هوية هذه القوة السياسية التي ستنتج عن انتخابات بقانون انتخابي جديد فإنّها ستكون قادرة على المضي في سياسات وإصلاحات تأخّرت كثيرا في ما يتصل بالمنوال الاقتصادي وإعادة هيكلة القطاع العام و المؤسسات العمومية حتّى تتحوّل من عبء على ميزانية الدّولة إلى أحد مصادر تمويلها الرئيسية.

وفي انتظار تحقّق ذلك فإنّه بإمكاننا مقاومة النظرة التشاؤمية والعدمية السلبية بالتذكير بأن وراء ما خسره الشعب التونسي اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا خلال هذه السنوات العشر الكثير من المكاسب التّاريخية والحضارية التي ستفاخر بها أجيال المستقبل ومنها أن تونس وإلى جانب دول عربية أخرى مثل لبنان والمغرب ومصر والكويت و(في سياقات سياسية مختلفة) قد قامت نيابة عن العالم العربي في خوض (أم المعارك) بتجربة الدّيمقراطية والتداول على السلطة بعد قرون من الاستبداد والادعاء بأنّنا «جينيا غير مؤهلين للديمقراطية» . ومع أن ّ ثقافة المواطنة لم تترسّخ بعد ولم تتضح حدودها (الحقوق والواجبات) فإنّه على سلبياتها في استضعاف الدولة عبر منع الانتاج مثلا (الذي ينبغي وضع حدّ له) فإنها قد وضعت حدّا نهائيا لكلّ أشكال التهاون في حقوق التونسي وكرامته وحريته .

وإذ تبدو معظم الأحزاب السياسية اليوم منهكة ومهدّدة في وجودها ومضطّرة بسبب مخاوف تلاشي كتلها أو حلّ البرلمان إلى تحالفات هي أقرب إلى الإكراهات والعبث والسوريالية كما توصف إلا أنّ ذلك لا ينبغي أن يؤدّي بنا إلى شيطنتها وترذيلها وتحميلها كلّ الأزمة. فهي من جهة نتاج للنظام السياسي والقانون الانتخابي الذي جعلها مشتتّة وهي تدفع من جهة أخرى ثمن الحكم في الأزمة الذي يحاول التيار الشعبوي الاستفادة من خساراتها ليحقق صعود انتخابي غير واضح الملامح والبرنامج.

لقد كشفت التحالفات المتغيّرة للأحزاب السياسية في تاريخ الانتقال الدّيمقراطي في تونس منذ الثورة إلى الآن صعوبات وسلبيات النظام شبه البرلماني وهشاشة الأحزاب التي تكوّن معظمها بعد الثورة على تغيير الكثير من الأفكار والأطروحات الكلاسيكية عن الحدود الفاصلة بين اليسار واليمين والوسط في العالم وفي تونس وفضحت الكثير من الشعارات والمقولات الإيديولوجية التي تستخدم فقط وقودا للحملات الانتخابية وأظهرت كيف يتم التخلّي عنها لتبرير التحالفات مع من كانوا خصوم الأمس (يكفي أن نتذكّر الخلاف بين «نداء تونس» و«النهضة» قبل وبعد انتخابات 2014 وبين «النهضة» و«ائتلاف الكرامة» و«قلب تونس» قبل وبعد انتخابات 2019) على سبيل المثال لا الحصر.

ولقد بات من المهمّ اليوم مواجهة الشعبوية وفضحها رغم ما تحقّقه من صعود في استطلاعات الرأي ولا تتمّ المواجهة عبر فضح الخطابات السياسية لرموزها الذين يتحوّلون من أقصى المزايدة والتطرّف إلى أقصى أشكال التنازل والبراغماتية (من ذلك المشاركة في حملات عن الثروات المنهوبة والاستعمار والسيادة والقضية الفلسطينية واستعمال شعارات التخوين والتفصّي منها بمنطق السلطة والتنكّر لها للحديث عن الحماية الفرنسية وحقّ كل دولة (مثل الإمارات) في سياستها الخارجية والعجز عن تقديم اقتراحات عملية وحلول للمتسبّبين في إيقاف الانتاج وتعويضها بالجعجعة والصراخ والكلام المنفلت وغير المسؤول عن العصابات والمؤامرات ومراكز النفوذ والفساد إلخ.

وإن من وجوه وأشكال مواجهة الشعبوية أيضا فضح الدوغمائية التي تتخفّى كذبا وراء مطلب الانسجام والنقاء والتطابق و التربية على ثقافة سياسية عصرية تنظر للعمل السياسي على أنّه في جوهره وغاياته عمل نبيل وهو فنّ إدارة الخلافات والتسويات والتحالفات والتمييز بين الاستراتيجي والتكتيكي والصراع الجزئي والشامل والخلاف الآني والآجل وأن السياسة كما كلّ الأعمال العبرة فيها بالخواتيم والنتائج.

هناك دائما ثمن يدفع للتعلّم على المستوى الفردي فما بالنا على المستوى العام. ولعلنا دفعنا ثمنا كافيا لنعرف حقيقة المتاجرين بالدّين والهوية والقومية وكيف يتظاهرون بالمعاصرة والحداثة ثمّ ينقلبون إلى رصيدهم الإخواني المحافظ خلال الحملات الانتخابية ، كما كانت فرصة أيضا لنتعلّم الفرق بين المدافعين حقاّ عن السيادة والثروات الوطنية و مقاومة الفساد وبين المتاجرين بها وما أكثرهم.

لقد دفعت كل شعوب العالم ثمنا باهظا لتصير ديمقراطيات عريقة تحقّق بواسطتها التنمية والعدالة والكرامة لمواطنيها ويدرك التونسيون ونخبهم خاصّة أنّنا في الطريق الأصعب والأكثر إيلاما والأكثر كلفة ولكنه الطريق الصحيح على المدى البعيد.