الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



هكذا أرى

عن «توفيق بن بريك» الذي حبسنا في سجنه


بقلم: كمال الشيحاوي

ما تزال معظم وسائل الإعلام الوطنية والدولية تستقبل الانطباعات والرّدود المستنكرة لخبر إيقاف الإعلامي والكاتب «توفيق بن بريك» والحكم عليه بسنة سجنا مع النفاذ العاجل وقد جاء الحكم على خلفية قضية في الاعتداء لفظيا على قضاة تونسيين في تدخّل مباشر على قناة نسمة زمن إيقاف نبيل القروي عندما كان مرشّحا للانتخابات الرئاسية في2019. وإذ يؤكّد معظم المتدخّلين في هذه القضية على علوية القانون ومبدإ تساوي الجميع أمام أحكامه وإمكانية أن يكون «بن بريك» قد إرتكب ما يستحقّ العقاب فعلا إلا أن التوجّه الغالب يميل إلى الحديث عن كلّ العقوبات غير السجنية من خطايا وغيرها دون العقوبة السالبة للحرية. وقد اتسعت دائرة المتعاطفين مع «توفيق بن بريك» باعتبار صفته الاعلامية والأدبية ومكانته الاعتبارية وكثير منهم اعتبر حادثة إيداعه السجن مخيّبة للآمال و فضيحة كبيرة بكلّ المقاييس والأمل قائم في أن تجد السلطات ومنها رئاسة الجمهورية مخرجا قانونيا لهذا المأزق.

 

وإن كان يقيننا كبير في أن صيغة ما سيتم اقتراحها من أجل الإفراج عن توفيق بن بريك والعفو عنه إلاّ أن الحادثة تمثّل مناسبة أخرى لاستئناف نقاش لم ينقطع في الحقيقة عن علاقة الكتاب والإعلاميين بالقوانين والسلطة بمختلف رؤوسها التشريعية والتنفيذية والقضائية ومختلف الفاعلين في الحياة السياسية ويعدّ «بن بريك» بحقّ واحدا من الأسماء والأمثلة المناسبة لهذا الجدل.

وللتذكير فقد كانت علاقة «بن بريك» بالسلطة معقّدة جدّا اذ اصطدم بها في بداياته لمّا كان محرّرا في جريدة «الصحافة» واضطرّ للاستقرار في فرنسا والعمل كاتبا ومراسلا لعناوين صحفية شهيرة وبرز مشاكسا ومنتقدا في أسلوب ساخر لبن علي ونظامه على قناة الحوار في سنة 2001 وتعرّض بسبب ذلك لمضايقات وأشكال خبيثة لتوريطه في قضايا جانبية لأجل إدخاله السجن، ثم برز اسمه لمّا تناقلت وسائل اعلام دولية خبر دخوله في اضراب جوع أيام قمة المعلومات في سنة 2005 من زمن حكم بن علي وظهر مع انطلاق الثورة في تونس مسؤولا ومحرّرا في جريدته «ضدّ السلطة» وبعد ذلك عرفه الجمهور الواسع في تدخّلاته وفي كرونيك « بن بريك مسيّب» على قناة نسمة وصدم عددا من متابعيه والمتحمّسين له باعتباره أيقونة من أيقونات النضال والثورة لمّا ظهر الى جانب رئيس حزب قلب تونس نبيل القروي متوجها في موكب يضم قيادات الحزب الى مقر الهيئة العليا المستقلة للانتخابات لتقديم ترشحه للاستحقاق الانتخابي الرئاسي. ومعلوم أن «نبيل القروي» آنذاك (وما يزال) قد تعلّقت به شبهات فساد وكان ممنوعا من السفر فضلا عن اتهامه بالتحيل الأخلاقي باستغلاله نشاط جمعية «خليل تونس» التضامني لخلق حزب سياسي نجح في أن يكون الثاني في الانتخابات التشريعية ووصل رئيسه «القروي» إلى المرحلة الأخيرة من الانتخابات الرئاسية.

وما يهمّنا أكثر من هذه الوقائع هو السجال الذي يستأنف في كلّ مرّة حول علاقة الكاتب والصحفي والأديب بالسلطة وأصحاب النفوذ المالي والإعلامي في بلادنا ؟. فهل يفترض أن تكون علاقة نقدية وحدّية وعدائية متوتّرة بحيث يكون الكاتب دائما في خلاف معها، بما يحقّق صورة الكاتب المعارض المثالي التي ترضي خيال القرّاء الحالمين؟ وإذا لم تكن كذلك في الواقع أو كانت من شبه المستحيل فكيف يضمن الكاتب المستقل والحرّ حاجته للعلاقة بالسلطة التي يتطلّبها عمله خصوصا في المجال الصحفي و شروط حفاظه على استقلاليته وحمايته من امكانيات توظيفه واستغلاله؟

ولتوفير بعض عناصر الإجابة عن هذه الأسئلة القديمة المستجدّة ينبغي أوّلا استبعاد أنموذجين من الكتّاب والصحفيين، الأنموذج الأوّل هو من اختار من البداية أن يكون دائما جزءا من آلة السلطة وهو لا يرى حرجا في استبدال من يواليه شعاره في ذلك «الله ينصر من صبح» كما يقول المثل والأنموذج الثاني وهو نادر حقّا ويمثّله من يدّعي رفضا مثاليا مطلقا لكلّ تعامل مع السلطة وضربا من الزهد الكامل فيها وكثيرا ما ينتهي هؤلاء إلى نوع من التوحد المرضي. .

إن من يثيرون السجال ويجدّدون النقاش حقّا هم عموم الكتّاب والمثقفين والإعلاميين الذين تتمّيز علاقتهم بالسلطة بكثير من التعقيد والتشابك والتفاعل. ويصدر معظم هؤلاء عن تصوّر حديث للسلطة لا يحصرها في أجهزتها التقليدية المعروفة وإنما يوسّع في رؤيته لها انطلاقا من كشوفات الفيلسوفين «ألتوسير وفوكو» ليراها في أجهزة ومؤسسات معقّدة ومتشابكة وآليات تفكير كثيرا ما تكون جزءا من تفكير الكاتب ومن طريقة نقده للسلطة ذاتها. وتأسيسا على ذلك فإن وجود كاتب أو صحفي خارج السلطة بمعناها «الفوكولتي» العام هو أمر مستحيل أصلا. فالكاتب أو الصحفي يعمل في فضائها وفي أجهزتها وآلياتها سواء في القطاع العام أو الخاص محكوم كأي مواطن باحترام قوانينها بالقدر الذي يسمح له بالدّفاع عن حقوقه وهو لا يستطيع أن ينجز عملا أو تحقيقا استقصائيا أو تقديم قراءة للأوضاع وتحليل للمواقف دون أن تكون له شبكة علاقات متطوّرة ومتنوّعة بكلّ فئات المجتمع والفاعلين فيه بمختلف حساسياتهم. ويفترض ذلك أن طبيعة عمل الكاتب الرّوائي مثلا أو الصحفي تتطلب منه معرفة دقيقة بأي مجال يريد التحقيق فيه والكتابة عنه، وهو يلتقي في طريقه بالضرورة أهل العلم والفخامة مع اللّصوص والمجرمين والخارجين عن القانون، كما يتطلب عمله أن تكون له صلات واسعة بكلّ من يمكن أن يساعده في انجاز عمله سواء كان شرطيا أو مهرّبا أو قاضيا أو مومسا، ولذلك يكون من حقّه أن يحتفظ بمصادر معلوماته ومعطياته. ويطرح الاشكال عادة خلال مسار عمل الكاتب والصحفي عندما يتعرّض إلى محاولات توظيف وشراء وتوجيه وإغراء من قبل من يرون في عمله خطرا عليهم. وتتدخّل في هذا المستوى هيئات ومنظمات ونقابات للدّفاع عنه بالإضافة إلى المؤسسة التي تشغّله وهو يعتبر مسؤولا بصورة كاملة عن كلّ ما ينتجه ومحكوما بضميره واختياراته التي من حق متابعيه وقرّائه أن يسائلوه عنها. ومع كل ذلك فإن ثمّة اشكاليات وخلافات ما تزال قائمة بين المعنيين بهذه المسألة، فتوفيق بن بريك الذي تعاون مع «القروي» في قناته مثله مثل «الصافي سعيد» الذي اعترف بتمويل «شفيق الجراية» له في صدور جريدته «عرابيا»، كلاهما يدافع عن هذا الخيار باعتبار أنّ أصحاب المال والإعلام هم الذين احتاجوا لهم وهم أي هؤلاء الكتاب والإعلاميين بصدد تنفيذ مشاريعهم وأفكارهم والتعبير عنها بحرية ولا يرون مشكلا في ذلك(فالغاية أهمّ من الوسيلة) بينما يرى غيرهم وخصومهم أن من واجب الكاتب أن يتحقّق من مصادر ثروة هذا الرجل أو ذاك ممن يتعامل معهم وأن يحمي مشروعه ويحرّره من حسابات وأهداف المموّلين «المشبوهين» خاصّة..

لا شكّ أننا نفتح ملفا ثقيلا ويصعب الإلمام به خصوصا مع تعقد العلاقات بين الصحفيين والكتّاب ومختلف الفاعلين من أهل السلطة والإعلام والمال والنفوذ في مختلف بلدان العالم حتّى في أعتى الديمقراطيات. وتقديرنا أن الهشاشة المادية للعاملين بالميدان الاعلامي والثقافي في بلادنا هي التي تجعلهم أكثر عرضة للاستقطاب وهو ما يتطلّب مضاعفة الجهد لأجل حمايتهم وتوفير صيغ عمومية لتمويلهم ومنع كلّ توظيف مشبوه لهم. ولأن النقاش ما يزال متواصلا فإن العقوبة السالبة للحرية في هكذا قضايا ينبغي إلغاؤها تماما .