الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



حسونة المصباحي في بيت الرواية :

لم نعد نحتاج إلى البلاغة بل إلى الصورة


 

في اختتام نشاطه استقبل بيت الرواية الكاتب حسونة المصباحي للحديث عن روايته الأحدث الصادرة عن دار الآداب ببيروت صبيحة الإربعاء 22 جويلية 2020 .

في البداية قال المصباحي أنّ الرواية تتكون من عوالم وهذه العوالم لا بدّ من البحث فيها . وأول مسألة يتوجّب البحث فيها هي اللغة والإنتباه إلى مستوياتها كما انتبه لها فوكنر وجويس ، أمّا الكتّاب العرب فيرى المصباحي أنّ الطيب صالح وجماعة تحت السور مهّدوا الطريق وبدؤوا في التفكير في اللغة وفي مستوياتها : كما فعل علي الدوعاجي في القصة أو المقالة ، وكذلك البشير خريف الذي استطاع أن يخلق لغته الخاصة وأن ينتبه إلى أنّ الجريد وأهله ( الدقلة في عراجينها) له لغة تختلف عن لغة أناس المدينة العتيقة ( خليفة لقرع) .

وبخصوص روايته « لا نسبح في النهر مرتين »، يقول المصباحي أنّ العلاقات في الروايات عادة ما تجد أنّها تُبنى على الرابطة العائلية أو الإيديولوجية، ولكنّه اختار أن يبني العلاقة بين شخوص الرواية الثلاثة على الرابط الإنساني وعلى القيم والمبادئ .

وأضاف المصباحي أنّ العالم العربي اليوم يعيش فيضانات من الإيديولوجيات بدأت تتحكم في حياتنا . الرابط الإيديولوجي قاتل يدمّر الروابط الإنسانية ويمحوها ويمزّق أوصال المجتمع التونسي ويستعيد أجواء الفتن الدينية التي عرفتها تونس قديما ( مسألة تناولها في رواية «أشواك وياسمين»).

في رواية « لا نسبح في النهر مرتين» ثمة ثلاثة أشخاص لا تجمعهم العائلة والإيديولوجيا بل الرابط الانساني : عمران يعيش المغامرة الإيديولوجية قبل ان يعود إلى ذاته . وربما يكون شبيها إلى حدّ ما مع صديقي العفيف الأخضر ( زيتوني التكوين تعلمّ بجهد شخصي اللغة الفرنسية ، كان مستشارا للرئيس الجزائري بن بلة وعمل مع الفلسطينيين ثم اختلف معهم حين بدؤوا في خطف الطائرات ودعاهم إلى أن يبنوا على الفكر).

الشخصية الثانية : «سليم» وهي الشخصية التي تنهار أمام ما يحدث في تونس لأنّ الرجات الاجتماعية تحدث رجات نفسية ، وهنا يقول المصباحي أنّ الروائي باحث في علم النفس وفي علم الاجتماع وباحث عن شيء ما ولكن في لغة أدبية.

الشخصية الثالثة : « عزيز» رجل ساخر ويواجه ما يحدث بالدعابة السوداء، عاش اليتم والفقر.

وتتناول الرواية مفاصل من تاريخ تونس : الصراع اليوسفي البورقيبي وبداية ضرب المثقف الذي يصطدم بالدولة السلطة لا الدولة الحكم ( من خلال عمران) ، أيضا نتعرف على حرب بنزرت بعيون طفل عاش تراجيديا حرب الجلاء ، ثمّ سقوط بن علي وما تلاه من أحداث .

مع شخصية عمران ، يقول المصباحي ثمة هدوء ورصانة في اللغة تماما مثل رسائل مونتاني ، الذي عايش الحروب الدينية التي مزقت فرنسا،والتي تواظب شخصية عمران في عزلتها على الاستلهام منها. ويشير المصباحي الى أنّه زار القلعة التي كتب فيها مونتاني رسائله في بوردو الفرنسية ولاحظ كيف كان يكتب مراجعه على السقف في عزلته التي تؤدي إليها مدارج حلزونية .

وبالنسبة الى شخصية عزيز فتكمن أهميته في أنّه يتقبّل الأحداث دون خوف ، لأنّنا لا نسبح في نهر الحياة مرتين ، ولأننا لا نستطيع أن نجدّد حياتنا بما فيها من مرارات .

وعن تعدّد الأصوات في روايته ، يقول المصباحي أنّه اكتشف عند الألمان أشياء لا تجدها عند الفرنسيين ( الرواية السمفونية وتعدّد الأصوات والنغمات ) وأنّه يعمل في روايته الجديدة التي هو بصدد كتابتها على حلم يقوده إلى أنغام اللغة المتعدّدة انطلاقا من الفن الشعبي التونسي .

وأضاف المصباحي أنّ السياسي الآن دمّر اللغة التي يجب أن تعود إلى إنسانيتها وأن تنزع عنها أصباغها ( ما يسميه محمود درويش نزع الكولستيرول من اللغة) ، كما فعل الألمان حين طهّروا اللغة الألمانية من الدنس النازي وشحنته العنصرية .

فنحن، يختم المصباحي بالقول، لم نعد نحتاج إلى البلاغة بل إلى الصورة.

 


كمال الهلالي