الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة


ريبورتاج «الصحافة اليوم»
قاعة الأخبار بالعاصمة تفتح أبوابها من جديد لمعارض الصناعات التقليدية

عودة بخطى بطيئة مثقلة بالديون


الصحافة اليوم ـ جيهان بن عزيزة

بقاعة الأخبار المبنى المحاذي لمقر وزارة شؤون المرأة والأطفال وكبار السن بشارع الحبيب بورقيبة، الشارع النابض بالحركة وسط العاصمة أين تنشط حركة المارة والموظفين بالوزارة وبعدد من البنوك والشركات المنتصبة هناك، قبعت الحرفية ليلى الجندوبي على كرسي تراقب زوار القاعة بعينين متفائلتين تجيب على أسئلة الوافدين عن أسعار ما صنعته بأناملها واجتهدت في حياكته من «مرقوم» جميل المنظر مصنوع من الصوف بألوان زاهية وأملها يظل قائما مع كل وافد علها تنزل إحدى «قطعها» العزيزة على قلبها لتبيعها إياه وتربح بعض الأموال بعد فترة عطالة لم تتمكن خلالها من تسويق بضاعتها يدوية الصنع بسبب أزمة فيروس كورونا الذي أثر كثيرا على الحرفيين وأصحاب المهن الصغرى واقفل أبواب الرزق أمامهم وأجل العديد من التظاهرات التسويقية الكبرى على غرار معرض الكرم للصناعات التقليدية.

 

وبنسق بطيء عادت الحياة الى قاعة الأخبار بالعاصمة وفتحت أبوابها من جديد لنحو 27 حرفيا وحرفية في اختصاصات عديدة منها صناعة الحلي والحلويات التقليدية حيث افترشوا منتجاتهم حسنة المنظر ويدوية الصنع في انتظار مشتريها من المارين حذو الفضاء في تظاهرة بعنوان «تونس بلد سياحي آمن» والتي امتدت من 22 الى 27 جوان الحالي، من تنظيم المجمع الوطني للصناعات التقليدية والمهن الصغرى جاؤوا من ولايات الكاف وباجة وتونس الكبرى وسليانة وزغوان وصفاقس وقصر هلال وقفصة .

تقول ريم حرباوي، رئيسة المجمع الوطني للصناعات التقليدية والمهن الصغرى: «اليوم نحن نعود الى شارع الحبيب بورقيبة، نعود الى نشاطنا وعملنا بعد أن قمنا بحملة تعقيم كبيرة للفضاء ولكل المنتوجات المعروضة وتسلحنا بجهاز قيس حرارة وبمواد التنظيف الضرورية لضمان سلامة العارضين والزوار على حد السواء مع إجبارية ارتداء الكمامة للعارضين من أجل مساعدة الحرفيين على تجاوز أزمتهم التي تضاعفت بعد أزمة كورونا بعد أن عجز الكثيرون عن سداد أقساط ديونهم بسبب عدم تسويق منسوجاتهم وحليهم فاغلبهم يعانون من أزمة تسويق واليوم صارت أزمتهم مضاعفة على مستوى التمويل والتسويق خاصة وأن العديد من التظاهرات والمعارض ألغيت فيما كانت تشكل اكبر مصدر دخل للحرفيين بالنظر الى عدد الزوار لمثل تلك المعارض».

وكغيره من القطاعات التجارية والاقتصادية تضرر حرفيو الصناعات التقليدية من تداعيات جائحة «كورونا» ويحاول مهنيوه أن ينطلقوا انطلاقة جديدة للنهوض مجددا على الرغم من القيود التي تكبلهم من أقساط قروض مستوجبة وأداءات جبائية غير مستخلصة وأقساط الضمان الاجتماعي. ويحاول المجمع أن يساعد الحرفيين على العودة الى النشاط عن طريق تشجيعهم على المشاركة بهذه التظاهرة في انتظار تظاهرات أخرى قادمة تنتظر التراخيص الضرورية.

 

قطاع هشّ

 

في زاوية من فناء قاعة الأخبار انهمكت سيدة بن حريز (وقد ارتدت كمامتها الشخصية التي خاطتها بنفسها) في جمع حبات زاهية الألوان لتصنع منها عقدا جميلا تتجمل به النساء في المناسبات السعيدة وفي الأفراح. خمس وعشرون سنة قضتها «سيدة» في مجال الصناعات التقليدية لم تتذمر ولم تمل من تكوين العشرات من الفتيات في فن الرسم وفي صناعة الإكسسوارات بما أوتيت من حب وعشق لهذا القطاع فنحو 65 فتاة تكوّن على يديها وصرن صاحبات مشاريع مصغرة تقول «سيدة»: «عدنا الى العمل لأننا نحب هذا الاختصاص وقد أضرت جائحة كورونا بعديد الحرفيين ونعلم جميعا أن هذا الوباء سيعيش فترة زمنية معنا ولا يجب أن نتوقف عن العمل ولكن يجب أن نخرج ونعمل لكي نعيش ونؤمن استمرارية التكوين في الصناعات التقليدية متسلحين بوسائل الوقاية الضرورية من باب الحيطة والسلامة على اعتبار أن الحرفي والحرفية في احتكاك دائم بحرفائهما فمن الضروري أن يقي الحرفي نفسه ويحمي زبائنه مع تواتر غسل اليدين باستمرار حتى يزول هذا الوباء لنتمكن من العيش بسلام».

يقر الحرفيون الذين التقت بهم «الصحافة اليوم» بفضاء قاعة الأخبار بصعوبة أوضاعهم وهشاشة القطاع الذي ينشطون فيه على الرغم من اعتزازهم به وإيمانهم أن الصناعات التقليدية تعتبر العمود الفقري للاقتصاد الوطني كغيره من القطاعات الحيوية غير أن قلة التشجيع والمنح المرصودة للحرفيين وانعدامها في هذا الظرف أدت الى عزوف الشباب مما يهدد العديد من الحرف بالاندثار.

ليلى الجندوبي الحرفية المنتصبة بالقرية الحرفية بولاية الكاف تشتغل بالنسيج اليدوي بالصوف لما يناهز خمسا وعشرين سنة لم تتوارث «الصنعة» من الأجداد وإنما درستها وحذقت كل تفاصيلها تتحدث عن القطاع وتقول: «في الحقيقة يواجه قطاع الصناعات التقليدية مشاكل جمة منذ الثورة كادت أن تعصف به ويندثر وتندثر معه المئات من «صنعات الجدود» وزادت جائحة كورونا الأوضاع تعقيدا في ظل تقلص الامتيازات والمنح المرصودة للحرفيين الذين وجدوا أنفسهم محاطين بقيود الديون والأداءات المتخلدة بذممهم وعجزهم عن سداد أقساط القروض البنكية بسبب عدم توفر المداخيل كنتيجة حتمية لصعوبة ترويج المنتوجات فالقطع التي يحيكها الحرفي تمثل رأس ماله الأساسي ومن مداخيل بيعها يتمكن من توفير قوت يومه ويتمكن من سداد ديونه».

تتذكر ليلى السنوات التي سبقت الثورة حين كان يعتبر القطاع طفلا مدللا وكان يشارك الحرفيون بصفة مجانية في المعارض والصالونات المتخصصة في الصناعات التقليدية ويقع التكفل بنقلهم وإقامتهم مجانا الى أماكن تلك المعارض والتظاهرات علاوة على حصولهم على الدعم المالي الذي يمكنهم من الاستمرارية في النشاط. اليوم لا يجد الحرفيون المردود المالي الذي يمكنهم من سداد معاليم الكراء للفضاء الذي يستغلونه من اجل عرض منتجاتهم أما عن الإعانة الاجتماعية فلم تتمكن ليلى من الحصول عليها على اعتبار أن وضعيتها لم تسوّ ذلك انه ومن الشروط الأساسية للحصول عليها هو أن يكون صاحب المشروع قد سدد ما تخلد بذمته من ديون جبائية وقام بتسوية وضعيته المالية لدى مصالح الضمان الاجتماعي وتتساءل ليلى في هذا الصدد: «ما الجدوى من الحصول على فتات الإعانة الاجتماعية وأنا مطالبة بسداد أكثر من ثلاثة آلاف دينار لدى مصالح الضمان الاجتماعي. كان من الأجدر أن يقع تمتيعنا بالمنحة دون المرور بتسوية الوضعية الجبائية فهو أمر لا يستقيم».

ويواجه الحرفيون بالقرية الحرفية بالكاف مشكل الخروج من القرية بالقوة العامة بعد تراكم معاليم الكراء لفائدة بلدية المكان لسنوات عديدة، وفق ما كشفته الحرفية.

واليوم فإن قطاع الصناعات التقليدية بالكاد يتنفس ويشكو من قلة الإقبال من الشباب حيث تتراوح أعمار الحرفيين بالقرية الحرفية بالكاف بين خمسين سنة وما فوق لا سيما في حياكة «السداية» وبسبب قلة المداخيل وضعف جراية الحرفة تخير الفتيات بالجهة التوجه الى القطاع الفلاحي أو العمل كمعينات منزليات أو في الشركات الصغرى التي تعنى بالبيئة والطرقات بحثا عن الجراية المحترمة هذا علاوة على ما يواجهه القطاع من دخلاء حولوا دكاكينهم بالقرية للملابس المستعملة وآخرين غيروا نشاطاتهم من اختصاص الى آخر لكسب الأموال ما افقد القرية الحرفية روحها التقليدية و«الزمنية» والمعضلة الأخرى التي يعاني منها القطاع دخول التجار على الخط الذين يشترون المنسوجات اليدوية من «كليم» أو«قشابية» أو «البرنوس» ويبيعونها في أماكن مختلفة ويجهلون مصدرها والوقت الذي استغرقته الحرفية في حياكته ليكون في صيغته النهائية تحفة فنية متميزة لقيمتها وخصوصيتها واختلافها من منطقة الى أخرى ما يفقدها قيمتها إن بيعت بمسالك غير المتعارف عليها.

من جانب آخر يجتهد القائمون على المجمع الوطني للصناعات التقليدية والمهن الصغرى للقيام بالتظاهرات الثقافية والسياحية من معارض وصالونات مصغرة على امتداد أسبوع أو أكثر لتمكين عدد من الحرفيين من التعرف على سوق الشغل والأسواق من اجل تسويق منتجاتهم وعلى مستوى ثان ينشط المجمع في مجال التكوين وإعداد الحرفيين للحياة المهنية من خلال استهداف الشباب العاطل عن العمل و أصحاب الشهائد العليا وربات البيوت بالتعاون مع المصالح البلدية بالمناطق السكنية الشعبية والمناطق الداخلية ويقدم لهم تكوينا بصفة مجانية في اختصاصات متنوعة على غرار صنع «القفة» وتقطير الأعشاب و«الطريزة» وصناعة الصابون التقليدي ومواد التجميل وصناعة الحلي والإكسسوارات ويرافقهم في إعداد ملفات مشاريعهم ومساعدتهم على الحصول على تمويل للانتصاب للحساب الخاص بالشراكة التي تجمع المجمع بالبلديات.

تقول ريم حرباوي رئيسة المجمع الوطني للصناعات التقليدية والمهن الصغرى: «على الرغم من تجربة المجمع الصغيرة نسبيا على اعتبار مرور سنتين على بعثه قمنا بتكوين 24 مشروع تكوين شاب وشابة وهذه السنة 30 مشروع تكوين في باجة، والدائرة البلدية بقصر سعيد 20 منتوجا متميزا، و17مشروعا في حي التحرير وحاليا لنا مشروع يضم 26 شابا وشابة ببلدية قصر سعيد في دورة ثانية ومشروع تكوين في سيدي حسين يضم 50 فردا متميزين ومجتهدين وإن شاء الله باقي الولايات. وأؤكد أن المجمع هو الذي يؤمن التكوين بصفة مجانية ويلقى دعما من ديوان الصناعات التقليدية ووزارة شؤون المرأة والأطفال وكبار السن ومن طرف جمعيات تنموية من اجل تمويل المشاريع الصغرى للمتكونين».

بابتسامة عريضة ودعوات بالشكر والثناء على سؤالنا عن أحوال حرفيي الصناعات التقليدية، ودعتنا ليلى وصديقاتها في الحرفة بقاعة الأخبار بالعاصمة على أمل أن يبعن مجموعة من منتجاتهن اللاتي اجتهدن في صنعها وأخذت من جهدهن ووقتهن الكثير.