الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



متابعات للسجال العمومي

عن الفساد في المجال الثقافي والاعلامي أعزّك الله


بقلم: كمال الشيحاوي

أن تكون لنا هيئة دستورية لمقاومة الفساد وقطب قضائي ومالي متخصّص في القضايا المتعلّقة بالإرهاب وشبهات الفساد وأن تصبح مقاومة هذه الآفة أحد أكثر الشعارات شهرة في أدبيات أحـــــزاب وصل بعضها للسلطة وصار جزءا من الائتلاف الحاكم (أقصد التيّار الدّيمقراطـــــــي) وأن يكون للمواطنين ومكوّنات المجتمع المدني دور في الإبلاغ عن كلّ شبهة فساد وأن يتعاظم الوعي بضــــــرورة تفكيك منظومة وعقلية الفساد، كلّ ذلك ممّا ينبغي أن نفخر به وأن نسعى لمراكمة ما يبذل فيه من جهد خصوصا وأن الفساد والفاسدين يسعون باستمرار لابتكار كلّ الحيل التي يمكن أن تساعدهم على التخفّي والهروب من العدالة. (يحدث ذلك في تونس كما في بلدان عديدة في العالم).

 

بقي أن الإفراط في الحديث السياسي والاعلامي عن هذه الظاهرة وتحويلها إلى مادّة للمناكفات والتجاذبات السياسية والإيديولوجية يضرّان بها كثيرا سواء من جهة التطبيع معها حين يتم التهويل من انتشار الظاهرة واتهام الجميع بالغرق في وحلها (وهو أمر لطالما يثير إعجاب الفاسدين حين يقال أن الفساد طال الجميع) أو حين يتم استخدامها كسلاح ضدّ الخصوم السياســــــيين عبر التأثير على القضاء (بعض القضاة) وتكييف القضايا بحسب مزاج الحكّام فيتمّ نقل القضية و الاتهام من دائرة الجنح البسيطة مثلا إلى صنف الجنايات والجرائم أو يتمّ التقليل من ضرر شبهة الفساد وتضارب المصالح مثلا عندما تتصل بوزير في السلطة بينما يتم في المقابل تضخيم التهمة ذاتها عندما تتصل بشخص في المعارضة أو رجل أعمال لا سند سياسي له.

ولعل أكثر ما ينبغي أن نريد التوقّف عنده في هذه المساحة هو خطورة الصمت على وضعيات قانونية لطالما كان المشرّع التونسي مسؤولا عنها منذ تشكّل إدارة الدولة التونسية إبان الاستقلال والنظر لها اليوم على أنّها من مظاهر الفساد وإهدار المال العام وتضارب المصالح وكلّ ذلك. ويهمّنا أن نساهم في هذا السجال العمومي اليوم من خلال ما يتصل بحياتنا الثقافية وخصوصا في المجالات التي يتقاطع فيها العمل الثقافي بالعمل الإعلامي وذلك على هامش ما تمّ تداوله على المنتدى الاجتماعي «الفايسبوك» من تعريض بسيرة الزميل «محمد بوغلاب» واتهامه بالعمل على غير الصيغ القانونية والإضرار بالمؤسسة العمومية التي ينال منها راتبا (الاذاعة الوطنية) عبر العمل في وزارة الشؤون الثقافية ومدينة الثقافة ومهرجان قرطاج وعدد من المنابر الاعلامية الخاصّة.

وقبل أن نأتي على هذا الجانب المتصل بتداخل العمل الثقافي والاعلامي من المهم الإشارة ولو باختصار يفرضه هذا السّياق إلى أنّه لو تمّ النظر إلى أغلب أنشطة وزارة الشؤون الثقافية خارج الرؤية الرسمية للدولة التونسية التي ترى من واجبها الاستمرار في رعاية شؤون المثقفين والمبدعين ودعمهم فإنّه بالإمكان القول أن أغلب ما يمنح من دعم على الكتاب لدور نشر أغلبها أشخاص و«حوانيت» لا تحترم شروط النشر وقوانينه هو من قبيل الفساد وهدر المال العام والأمر ذاته يصح على كلّ الدعم الذي يتجه لشركات انتاج مسرحي وسينمائي وموسيقي وتشكيلي لا تتوفّر في أغلبها على الشروط القانونية للعمل (شركات انتاج صورية في أغلبها) هو أيضا من قبيل الفساد وهدم المال العمومي. ويمكن القول بناء على الخلفية ذاتها وعلى هذا المنطق أيضا أنّ ما يصرف على المهرجانات والملتقيات والتظاهرات الثقافية وما يعطى من مكافآت للأستاذة و«المبدعين» و«المثقفين» (وهي تظاهرات خاسرة ماديا ولا توفّر مردودا ماليا مباشرا) هو من قبيل الفساد وهدر المال العام وأنّ كلّ منظومة الدّعم هذه قد ساعدت كتابا وأدباء ومسرحيين وسينمائيين وتشكيليين ومغنين ومساهمين في شتّى المجالات على جمع نصيب من المال العمومي على غير وجه حقّ (على اعتبار أن ليست لدينا سوق للإبداع) وهو يعني لدى من يبحث عن مردودية ذلك ونجاعته ضربا من الفساد دون أدنى شكّ لديه.

ولا نعدم هذه المقاربة المتسرّعة والسطحية التي ترى فيما يتصل بتقويم كلّ ما تبذله المجموعة الوطنية ممثلة في الدولة من دعم لقطاعات استراتيجية (النقل، الصحة، التعليم، دعم المواد الأساسية (المحروقات، الخبز، الماء، الكهرباء، إلخ)) من قبيل الفساد الممنهج والمنظّم ومن باب هدر المال العام.

لا شكّ أن المراجعة اليوم صارت مطلوبة حتّى يذهب الدعم إلى مستحقيه في كلّ القطاعات ولا خلاف أيضا على أن الحوكمة باتت ضرورية من أجل محاصـــــــرة كلّ منافذ الفـــــساد في هذه المنظومة التي تقادمت وحان تجديدها وهيكلتها ووضعها في أطر وصيغ جديدة تضمن لها نجاعة أكبر في منوال اقتصادي تنافسي وتنموي جديد لم يعد يسمح بالتعويل على المالية العمومية التي ضعفت كثيرا وتبديدها.

وفي انتظار ذلك ينبغي أن نتجنبّ إطلاق الاتهامات جزافا و أن نسعى لمراجعة القوانين والمنظومات التي تسمح «قانونيا» لأفراد وفئات معيّنة بالاستفادة أكثر من غيرهم من المال العام. ونحن نلح على هذا الجانب الخاص بالتشريع والقوانين لأن الوضعية الحالية ما تزال تسمح «قانونيا» لأي شخص بأن يمنح عبر ترخيص ممضى من مديره المباشر بالعمل خارج أوقات دوامه وما هو مطلوب منه في أية مؤسسة خاصّة دون ضبط عددها وقيمة العقود التي يمكن أن يمضيها معها.

وإذا نظرنا في عموم المشهد في بلادنا فســـنجد المئات من الحالات لموظّفين يعملون في قطاعات أخــــــــــرى وبعقود قانـــــــونية وتحت أنظار مديريهم وإداراتهم.(نجد ذلك في كلّ القطاعات دون استثناء). ومعرفة مديريهم أو تغاضيهم أو حتّى جهلهم بذلك لا ينقص شيئا من مـــــــسؤوليتهم عن ذلك.

خلاصة القول أن الاتهام والادعاء على الناس أمر ســــهل وكثيرا ما يخضع لحسابات أخرى لا علاقة لها بالحرص حقا على المال العام ولعلّه من المناسب اليوم الكف عن شعار «مكافحة الفـــــــساد» الذي تهرأ سريعا بشعار «تطبيق القانون والاحتكام للقضاء». وإذا كانت ثمّة قوانين وصيغ عمل فاسدة فينبغي الاسراع بتغييرها لا التغاضي عنها واستخدامها بحسب الحاجة والمزاج السياسي والحسابات الضيقة.