الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة





الموت يغيّب الشاعر والديبلوماسي اللبناني صلاح ستيتية


لم يعد القلب يحتمل أن يرى الأطفال يبكون

« في امتلاء شمس هذا النهار الذي ضاع

حيث الحياة لم يعد لها الاسم الجميل للحياة

لم يعد يحتمل القلب، لم يعد ليحتمل

أن يرى الأطفال يبكون من تعاسة..»

غيّب الموت مساء الثلاثاء 19 ماي 2020 بباريس الشاعر والديبلوماسي اللبناني صلاح ستيتية ( من مواليد بيروت 1929 ). كان يرى في الشعر مرآة لروحه ويرى روحه حرّة تتجاوز العقائد والحدود ونجح في أن يترك أثرا عريبا في اللغة الفرنسية التي يعتبر واحدا من كبار شعرائها .

يقول صلاح ستيتية : «أنا كشاعر: إما أن أخلق لغة داخل اللغة العربية، لكي أعبر عن تطور الإنسان العربي الذي أمثله، وإما أن ألتجئ إلى اللغة الأجنبية. كتاب كثيرون فضلوا العربية، واضطروا إلى تغيير قاموسها بصورة موازية. نجيب محفوظ لغته مليئة بالأخطاء اذا ما فكرنا بسيبويه. وهو لو لم يفعل ذلك لما قرأ ولما ترجمت كتبه، وهو أحد الشواهد على تطور الحضارة العربية المعاصرة. كتاب آخرون ،اختاروا اللغة الأجنبية، وأنا منهم.

السبب تاريخي لا أكثر ولا أقل، ويعود إلى الانتداب والاستعمار. كثير من الكتّاب العرب تشربوا مضطرين لغة المنتدب أو المستعمر، وكتبوا بلغته، علما أنهم استعملوا لغة المستعمر والمنتدب ليحاربوه بلغته، وليظهروا أنهم أفضل منه، وهم على مستوى راق أدبيا. شئنا أم أبينا اليوم الحضارات منفتحة على بعضها البعض ونحن علينا أن نقبل بهذا الانفتاح.»

ويضيف أنّ : « مشكلة اللغة موجودة ليس في اللغة العربية فحسب، بل في معظم لغات الحضارات العريقة كاليابانية والصينية اللتين تمتلكان تاريخا عريقا جدا يوازي العالم العربي وحضارته. سعت هاتان الحضارتان منذ ثلاثين عاما إلى تبسيط اللغة وتطويرها لكي تصبح قادرة على التعبير عن العالم الجديد الناشئ في الصين واليابان، ولم يكن هناك احتجاج سخيف مثل الذي يحصل في العالم العربي، والذي للأسف لم ينته .

كان الياباني يكتب مستخدما ثلاثمائة ألف ميدوغرام، حيث الصورة تعبر عن الفكرة. أصبح الياباني اليوم يكتب بتسعة آلاف ميدوغرام فحسب. سعى اليابانيون إلى التخفيف عن أنفسهم من ثقل اللغة لكي يدخلوا في التاريخ والأدب المعاصرين.

لنا في اليابانية والصينية مثال في التطور اللغوي. هناك مشاكل في اللغة العربية يجب أن تعالج بحكمة ورويّة، وإذا ما أراد العربي ألا يبقى على سطح التاريخ، عليه أن يتكيّف مع العالم الجديد لغة وفكرا. وليس للحضارة العربية الإسلامية من مخرج سوى التكيّف مع العالم الذي يتجدد يوميا.»

ونعت اليونسكو صلاح ستيتية ، الذي شغل فيها منصب مندوب لبنان الدائم لديها، معتبرة أنّه اختار في محطات حياته بين الشرق والغرب أن يهجرها جميعا ليقطن فيها مجتمعة.

يمضي ستيتية الان إلى حقيقة الموت ، مخلّفا اثرا شعريا هائلا ترجم إلى أكثر من 27 لغة من بينها العربية، نذكر من بينها : «الماء البارد المحفوظ » غليمار 1972 ، « شذرات» 1978 ، « الكائن الدمية » 1983 ، « حمى اليقونة وشفاؤها » 1996 ، « الكائن» 2014 ، .. وسمى مذكراته « حفلة جنون »، ولعلّ الحياة التي عاشها لم تكن إلاّ كذلك .

« كنت أمضي وحيداً جِدّاً مُرافقاً يديّ

كلّ واحدة منهما مفتوحة للّيل الذي لا يتبدّل

كنتُ أخترق جدارَ نحلاتٍ، نائماتٍ جميلات

كنتُ أفكِّر في سعادة قديمة مقتولة

ثمّ نمتُ وسط زليجاتٍ من بياض

كان الثلج قد وضع عليها فمه ».

 


كمال الهلالي