الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



نقاط وحروف

الآن أستطيع أن أنام في سلام


كمال الشيحاوي

أتجنّب دائما رؤية الصور وخصوصا الفيديوهات التي تصوّر المشاهد المؤذية للضمير الإنساني من قبيل التعذيب ولحظات الاحتضار وأشلاء الأجساد المتناثرة في الحروب وحودث الطرقات وأعتبر أن مشاهدتها أو الإدمان عليها سلوكا مرضيا بلا أدنى شكّ. وما زلت أذكر اللّحظة التي أقنعتني بهذا السلوك حين رأيت صدفة وجه شاب إيراني في اللّحظة الأخيرة قبل شنقه في ساحة عامّة، لقد انغرست ابتسامته وتحيته لأنصاره التي أرادها رسالة ضدّ النظام الحاكم في إيران في ذاكرتي حتّى لكأنها جرح يأبى الالتآم. بعد ذلك بسنوات وبعد أن تسلّحت بإرادة قوية في تجنّب مشاهدة كلّ ما هو مؤلم وجارح للطبيعة الانسانية وقعت في فخ نصبه لي أحد الفيديوهات المنتشرة على اليوتوب. وعنوان هذا الفيديو وصورة أحداثه أن مجموعة من القرويين في احدى القرى الهندية تجمّعوا لانتزاع أحد أقربائهم من بطن تمساح كان قد ابتلعه بسرعة. وجدتني أتابع سكين رجل قام بفتح بطن التمساح ولم أتوقّع أو لنقل لم أكن أتصوّر أن جسد القروي أو الجزء العلوي منه قد بقي سليما فظهر الصدر والرقبة ملتصقان برأس القروي بما ذكّرني بصور أجزاء الخروف المذبوح والمعروض في محلاّت القصّابين في بلادي.كانت صدمتي وحزني كبيران ما جعلني أسارع لإغلاق الفيديو وتأنيب نفسي على هذا الضعف وهذا الغباء وربّما هذه الشهوة غير الواعية أو المكبوتة في مشاهدة بطن التمساح آكل الإنسان. ماذا سأفعل الآن؟ لقد عاودتني رغم مرور سنين على الفيديو الأوّل المشاعر ذاتها حيث تمتزج المرارة بالأسى والاشمئزاز وبدأت أهيئ نفسي لليلة من الأرق والهواجس وربما ليال كما حدث لي من قبل. ولكن خلال مساء ذلك اليوم وكعادتي في تحويل كلّ شيء يعترض حياتي لمادة للتفكير والتأمّل بدأت في طرح الأسئلة في محاولة التصالح مع (الفيديو الصادم) وتجاوزه عبر تحليله وتفكيكه. فتتالت الأسئلة وتوالدت:

ما هو المؤذي في ذلك الفيديو ؟ هل جرحت مشاعري لمشاهدة أجزاء مقطوعة من جسد بشري؟ ولماذا لا أرى في مشاهدة أجزاء الخرفان والبقر المعروضة في محلاّت القصابين ما يجرح شعوري الانساني الرقيق؟ هل قمت بالتطبيع مع تلك المشاهد التي تقشعّر لها نفوس شعوب أخرى؟ ثمّ أيها أكثر إيذاء حقيقيا، رؤية مشاهد الظلم واليأس والفقر المدقع التي يتخبّط فيها الناس أم أجزاء الإنسان المقطوعة؟

ثمّ ما الذي يفسّر حقّا هذا الأذى المفرط في مشاهدة جثة إنسان مقطوعة بأسنان حيوان مفترس؟ ألا يفسّر الأمر بأن المشهد قد حطّم وعي أو لاوعي المكبوت في افتراض تعال وسموّ الإنسان وأفضليته وتفوّقه على بقية الكائنات، أي أن يكون دائما قاتلا لا مقتولا؟ ما المشكل في مشاهد الإنسان، جثة، وكتلة من العظام واللّحم أليست تلك هي حقيقته البيولوجية والفيزيولوجية التي يشترك فيها مع بقية الكائنات والثدييات التي ينتمي إليها؟.

إن عملية التدقيق في أسباب هذا الانزعاج الإنساني من ذلك المشهد قد تذهب بنا إلى أعماق اللاّوعي البشري والذي جرحت نرجسيته زمن النهضة والحداثة مع «غاليلي» حين أثبت أنّ الأرض ليست مركز الكون وإنما مجرّد كوكب في مجرّة هي من بين ملايين المجرّات ومع «داروين» لمّا أثبت أن الإنسان الذي نتحدّث عنه اليوم هو سليل عمليات من التطوّر الطبيعي التي حدثت على امتداد ملايين السنين مثله مثل بقية الكائنات الحيّة وأن لا ميزة له سوى في تطوّر دماغه وإمكانياته العقلية الكبيرة ثمّ مع «فرويد» عندما حطّم وهم الإنسان بأنه سيد على وعيه مع اكتشافه لمنطقة اللاّوعي التي تحرّك الكثير من نوازعنا ومشاعرنا.

خلاصة الأمر أن ما أزعجني عميقا في المشهد هو أنّه ذكّرني بحقيقة مكوّناتي البيولوجية كإنسان/حيوان عاقل/ يجري عليه ما يجرى على كلّ الكائنات من ولادة وحياة وموت وتقطّع وتحلّل للجثة. ومع أنّني لا أعترض على ذلك في وعيي إلاّ أن ما ترسّب في لا وعيي ما يزال يحمل الكثير من التراث الدّيني والأسطوري والرومنطيقي الذي ما يزال يعتقد أن في الإنسان روحا وميزات ميتافيزيقية تجعله أرقى من أن يكون مجرّد جثّة مقطّعة. ثمّ لنمضي أكثر في السّؤال، أيهما أنسب للبشر أيها القارئ؟ الاعتقاد بأن الإنسان، كائن مميّز بالرّوح وأنّه مركز الكون وخليفة الله في الأرض وأن كلّ ما في العالم مسخّر لخدمته كما تؤكّد معظم الدّيانات بغاية تعظيم مكانته ودوره وإذكاء نرجسيته أم القول بتواضع أنّه نتاج تطوّر بيولوجي وفيزيولوجي وأنّه ابن الطبيعة وجزء منها وأن عليه أن يتعامل مع بقية الكائنات باحترام ورعاية تحفظ قوانين الطبيعة وشروطها.

تؤكّد وقائع التّاريخ أن جرائم فظيعة ارتكبها البشر في حقّ بعضهم البعض وأن ملايين قتلوا وشرّدوا نتيجة ادعاءات التفوّق والتميز العرقي والدّيني والقومي (يكفي أن نتذكّر ما صار في الحربين الكونيتين) وتثبت معطيات التلوّث وثقب الأوزون وارتفاع حرارة الأرض وانتشار الأوبئة حجم الظلم والفساد الذي مارسه البشر في استنزاف الطبيعة وارباك توازنها وقوانينها. وثمّة من يعتقد جازما أن هذه الفوضى هي من نتائج ذلك الادعاء بأن الإنسان أرقى كائن وأنّه سيد الطبيعة ومالكها وأنّه لا مخرج من هذا النفق الذي دخلت إليه البشرية سوى في استعادة الوعي العلمي والثقافي الصميم بأن الإنسان قبل كلّ شيء هو كائن بيولوجي، وأنه ابن الطبيعة وأن مكوّناته البيولوجية تربطه بكل عناصر الأرض ومكوّناتها الحيوانية والترابية. وهذا الإقرار لا يبخس الإنسان فضله ولا يقلّل من شأنه على الاطلاق بل يعمّق شعوره بالمسؤولية ويسلّحه بالتواضع ويصالحه بحقيقته «الحيوانية» ويذكّره باستمرار بأنّه كائن عابر في سلسلة الكائنات التي تعمّر هذا الوجود العابر وأن فضله الكبير وسعادته في أن يكون حلقة من حلقات هذه الحياة التي تتشارك فيها كائنات عديدة من بينها البشر (وهي حقيقة تقرّها الأديان التوحيدية أيضا).

ثمّ وقبل أن تضع نقطة النهاية لهذا المقال لا ينبغي أن ننسى أمرا مهمّا وهو أن الفيديو الذي شاهدته هو من صنع الإنسان لإرضاء نزواته «المرضية» في مشاهدة المروّع والفظيع في كلّ شيء حوله وهي تجارة رابحة في هذا العصر. و ما حدث في مهاجمة التمساح وابتلاعه لذلك القروي هو حادث نادر فالأصل في الأشياء أن تعيش التماسيح في مناطق بعيدة عن سكنى البشر. فلعلّ القروي هو من ذهب إلى وادي التماسيح وربّما هو من بادر بالهجوم بقصد التجارة. وأن يقوم «تمساح» بمواجهة انسان اقترب من منطقته لهو أمر طبيعي ولا يدخل في باب الجريمة. وإذا بحثنا عن المجرم الأوّل فهو بلا شكّ من صوّر بهاتفه الذكّي مشهد بقر بطن التمساح وإخراج جثة القروي وأمّا المجرم الثاني فهو من قام ببثه على الأنترنات وأمّا ناقل الفيديو ومن يتقاسمه مع أصدقائه على شبكة الأنترنات وعلى المنتديات الاجتماعية حتّى اليوم فهم المجرمون في حقّ أنفسهم وفي حقّ غيرهم سواء أدركوا ذلك أو لم يدركوا.

الآن وبعد هذه المساحة من التفكير والتحليل أستطيع أن أنام في سلام، فلدي شعور قوي بأنّني قد تجاوزت الصدمة وأنّني قد تصالحت مع نفسي ومع حقيقتي وأنّني قد تحرّرت من هواجسي وخصوصا أوهامي. فالمؤذي حقّا للضمير البشري هو كلّ سلوك فيه هدر لكرامة البشر وإذلال لهم وأمّا تصوير مثل تلك المشاهد وتداولها فممّا ينبغي الحرص على تجنّبه لآثارها النفسية السيئة لدى الأطفال والمراهقين في جعلهم يطبّعون مع العنف ويبتذلونه.