الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



«سير و تراجم روائيي المغرب الكبير» لمحسن بن هنية :

قد نكتب في البدايات وتذهب كتاباتنا مع ظروف الأيام


الصحافة اليوم: بثينة بن زايد

محسن بن هنية احد رواد الإبداع الروائي العربي والتونسي ليس فقط على مستوى كتابتة الروائية المتميزة بل أيضا على مستوى هوسه الشديد بالحفر والتنقيب عن كل ما يمكن أن يحيط بالإنسان في علاقته بنفسه و بالعالم... و بالابداع .

منجزه الاخير يضاف لسجله الأدبي حيث صدر له ما يقارب 13 كتابا يجمع بين الرواية والمجموعة القصصية والدراسات النقدية وغيرها من الأجناس الأدبية الأخرى، هذا الإصدار الجديد هو موسوعة أو ببليوغرافيا للروائيين المغاربيين تحت عنوان «سير وتراجم المغربي الكبير» وثّق فيها سير ومآثر أكثر من ثلاثمائة من كتاب الرواية من بلدان المغربي العربي الكبير باللسانين العربي والفرنسي منذ بداية القرن العشرين إلى العشرية الأولى من القرن الحالي. ليقدمه بطريقة أدبية مختلفة عمّا هو متعارف عليه في مثل هذا المجال العلمي حيث كان لـ «الصحافة اليوم» لقاء معه في الحوار التالي :

الملاحظ أنك كتبت بعد سن الخمسين أليس في ذلك ما يبعث على التساؤل: ما علاقتك بالأدب فترة ما قبل الكتابة؟

علني أبدأ من القسم الثاني من السؤال أي العلاقة بالأدب قبل الكتابة... و هنا أعود الى فترة الطفولة أو لنقل بداية المراهقة و ظهور بوادر الموهبة وقد تبدأ من نص الإنشاء المدرسي الذي يحرره الطفل.... وحب رنين الكلمة وتركيب الجملة وهذا الولع ينطلق مع المطالعة وقد يكون للمربين ابا ام معلما دورا مهما ومن تلك الكتابات المدرسية تنمو الرغبة في المحاكاة لنصوص المطالعة.... وبعدها قد تتغير ميول اليافع وحتى الشاب....وكما ذكرت في أول رواياتي « ثبات » أن هذه الرغبة تولد معنا وتظل كالجمرة تحت الرماد، هناك من تأتي عليها ريح الرغبة الأولى فتستعير نارها ليبوح بها حاملها كتابه.. وهناك من تنطفئ فيه هذه الجمرة فتموت الرغبة.... وهذه الرغبة هي ما يمكن ان تنطبق عليه قول العلاقة بالأدب... أما عن الكتابة بعد الخمسين قد يسحب عليها عدم إنطفاء تلك الجمرة وإستعار نارها.... فقد تحضر في عنفوان الشباب الثلاثينات أو الأربعينات وقد ينشغل عنها حاملها حسب ظروفه الحياتية وحالاتها لإجتماعية والعائلية وهذه ظروف مررنا بها... ولما استقام أمرها استقرت رغبة جامحة للأبداع و الكتابة ...وحب الكتابة التي كانت خربشات ومحاولات نمت وأينعت

كالبذرة المطمورة تحت التراب تحركها الرطوبة فتخرج برعما تائقا إلى نور الشمس..... وهذا ليس من الغرابة في شيء ولنا أمثلة في الكتابة البريطانية فيترجولدجرالد بعد الستين ومصطفى الفيلالي كتب رواية بعد الثمانين ومكسيم غوركي كتب روايته الأم في سن الخمسين.

المتتبع لمسيرتك يلاحظ انك بدأت روائيا وهذا نادرا ما يحصل فالأغلب يبدؤون بالشعر – القصة ثم ينعرجون نحو الرواية؟

هذا صحيح غير أن هذه هي المحاولات والخربشات التي تحصل في البداية كرسائل الشعر والتغزل ببنت الجيران أو زميلة الدرب..... لكنها كما قلت تذهب مع ظروف الأيام... كما هو حالي انا عشت اليتم بفقدان الوالد وانا في سن 16 من العمر ثم التشرد والإغتراب والإحتكاك بأقوام مختلفون طباعا.

وتقاليد ومرارة هذه الظروف كانت عندما استقر حالي ضرة نافعة لأنها خزان من التجارب منها المر والمؤلم.... والجميل المريح أيضا حالة من الإطلاع على حياوات مختلفة ... كل هذا جعل الكتابة رواية أكثر قدرة على سهر التجارب وتجاوزها وإمتزاجها و إنتساقها مع بعض ولعل ذلك ما جعل الرواية سابقة على أجناس السرد الأخرى.... وليس ذلك يعني العزوف عن القصة مثلا بل كتبت اكثر من ثلاثة مجاميع ولذلك يمكن القول إنعراجي نحو الرواية كان نتيجة استيعابي للتجارب الحياتية المختلفة ثم سعة اطلاعي على المدارس الروائية من الواقعية الروسية مكسيم غوركي مثلا.... والسحرية العجائبية عند الروائيين اللاتينيين والرواية الحديثة لدى الفرنسيين من الباركامو الى سيمون دي بوفوار، ثم الروائيين العرب كالياس الخوري او ابراهيم جبرا وعبد الله العروي ومحمود المسعدي.... كل هذه القراءات مع التجارب الإجتماعية في فترة التشرد بأوروبا كلها لا تستوعبها الا الرواية....

هل من إشارة إلى الحالة النقدية والعلاقة مع الأقلام الوافدة على الساحة؟

تراني أرسل تنهدا بخالطة أسف عميق ليس لعدم وجود النقد أو النقاد ... لأسلوب وكيفية النقد والنقاد....ساحتنا النقدية مدعوة الي ضرورة نقد النقد وبالتالي النقاد بالمشهور.... أرجو ألا أكون محايدا او ظالما....

هناك عيبين فادحين – الأول – الزمرة والثاني البحث عن الشهرة؟

الزمرة أن يكون الناقد داخل زمرة ذات توجه مشترك وهذا الإشتراك أما على خلفية منهجية ورؤية أديولوجية أو فئوية مثلا.... جامعيين أو مسيسين ... وهكذا ينطبق نعت الزمرة ومن كان خارج الزمرة وغير منخرط فيها أولى نهجها وفي فلكها فهو مقصيا أومبعدا... وهكذا إما أن تكون في دائرة المزمرين مع الزمرة ولها أو تترك معزولا مهمشا.

أما « الشهرة بالمشهور» فالناقد كتب عن المشهور ليقترن أسمه بأسمه.... يكتب عن نجيب عن نزار عن المسعدي.... وهذا الباحث عن الشهرة فالمشهور لا يقدم جديدا بل يلوك ما أشبع لوك.... فيكون الحديث أو الكتابة عن هذا الملاك.... ضربا من التعتيم عن الحاضر- فتصبح الساحة النقدية مكررة حد النفور والإمتعاض.

أينسحب هذا على الكتّاب أيضا إذا يكررون نفس المواضيع وبنفس اللغة وهل هناك لغة مخصوصة بالرواية مثلا؟

اتفق معك في هذا المنهج.... فالمبدع متأثر بما اثر فيه من خلال مطالعاته وزاده القرائي فهو كالفرخ يسير خلف امه الدجاجة التى احتضنته وتدفأ تحت جناحها.... ولكن لما يتساقط ريشه الذي خرج به من البيضة وبنى ريشا اخر واصبح قادرا على إطعامه بنفسه دون حاجة منقار امه ينطلق ...تلك هي حال الداخل إلى ساحة الكتابة ولهذا نعود إلى دور النقاد في فتح المنافذ الجديدة لهذا الوافد... هكذا يساهمون في دفع هذا الفرخ إلى مسالك قد تطبع بطابعه المحدث... فتحول الفرخ إلى ديك يؤذن في فجر ساحة الإبداع أفضل من أن يترك في تخبطه عشوائيا – أو يحيط فتأكله ثعالب الشعور بالفشل، وهنا يحضر في قول للطاهر جاووت عندنا موت النص و عندهم موت الكاتب ولفهم هذا الطرح يعني ان عند بارط والنقاد في الغرب النص مفصولا عن كاتبه بإعتباره بعد النشر يصبح حاله مستقلة عن كاتبه وبذلك لا معنى لحضور الكاتب أو غيابه فهو ميت... فأن كان النص لقامة مشهورة مثلا لأحلام مستغانمي فيقبل عليه قراءة وهي نفس الحالة التى ذكرناها في الشهرة بالمشهور تنطبق على النقاد في حين موت الكاتب هي التخلص من المشهور فتتساوى النظرة للنصوص وتزن بمقياس ثراء النص لا بثروة صاحبه.

اما اللغة فيذهب بارط وغيره بأن إعادة اللغة هي القديم المكرر... لذلك تصبح اللغة الأسلوبية في الكتابة مجرد صدى ونسخة مصورة والنسخة لا تحل محل الأصل... لذلك على الكاتب البحث عن التكرار، ولتبيان هذه الحال يطول الشرح وقد لا يتسع له الإشارة في مثل هكذا حوار.

في السنوات الأخيرة حصل لديكم توجه نحو البحث إختصاصا «سير وتراجم الروائيين العرب» هل يفهم من ذلك تحولك لهجر الكتابة الروائية أم السياقان الملتزمان؟

في سؤالك الإجابة لقد استمر إنجاز أنطولوجيا سير وتراجم روائيي المغرب الكبير سبع سنوات ومع ذلمك لم يتوقف النفس الروائي حيث أصدرت رواية «توق يحاصره الطوق» ثم رواية أوراق تساقطت وهذا لا يعني أن نسق كتابة الرواية ظل بنفس التسارع.... فالبحث يأخذ مساحات كبيرة من الوقت والجهد ثم أن إستمرار ومواصلة البحث في روائيي الخليج العربي... أخد كل الوقت الذي كان معدّا للإبداع الروائي وهذا لايعني التوقف فهاجس الرواية هاجس قوي يفتح الباب ويطرح أمامنا الورق ويتصبب ريق العلم ليشكل الأحداث والصور.

لو طلب منكم تقديم النصح والتوجيه للشبان الوافدين على الساحة الإبداعية والكتابة ماذا تقول؟

لا أذكر بالتدقيق مرجع هذا الذي سأقول غير أنه عن توفيق الحكيم... حين تحدث عن بداياته الإبداعية بهذا الفحوى؟

« كنت أكتب وأعرض كتاباتي لينظر فيها أستاذي فكان يشجعني ويوجهني وأستمرت حالتي هذه لسنوات حتى صار عندي مجموعة من المخطوطات.... وذات يوم قدمت له ما كتبت... أمرني أني أحمل له مخطوطاتي لما وضعتها أمامي سكب عليها البنزين ثم أشعل فيها النار أحسست وكأنه أشعل النار في ثمرة شبابي كلها كنت أنظر وأنا فاغر الفاه حتى أتت النار على الورق و أصبح حلمي رماد.... عندها تكلمت: لماذا سيدي فعلت أجابني بصوت واثق؟

توفيق الأن أكتب..... أكتب لقد بلغت عتبة الكتابة... إنطلق:

بأحلامي هكذا...؟