الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



نقــــاط وحــــــروف

هـل أتــاك حديـــث «دار الكا تــــب»؟


وأنت مارّ بين مفترق نهج القاهرة ونهج لينين بالعاصمة وعلى بعد عشرين مترا تقريبا ستجد بابا حديديا أبيض اللّون مفتوحا على مصراعيه.

هناك وتحديدا في الطابق الأوّل ستجد نفسك، هكذا ومهما كانت هويتك في فضاء، قيل أنّه «دار الكاتب». وعند دخول المكان ستفاجأ أنّه باستثناء صور عدد من الكتّاب التونسيين من أمثال «محمد الحليوي»، «سوف عبيد»، «بلقاسم اليعقوبي» و«الميداني بن صالح» التي علّقت على أعمدة الفضاء الأسمنتية فإنك لن تعثر على أيّة علامة دالة على أنّك في فضاء ثقافي له صلة بالكتاّب وبالكتاب، فلا مكتبة، ولا لوحات تشكيلية ولا جناح خاصّ باللّقاءات الثقافية، بل لا توجد معلّقة أو لافتة تؤكّد على صفة المكان وهوية مالكيه فقط شاشات تلفزة معلّقة وصالون كبير مقسّم إلى جزأين بحيطان ودهان وشبابيك متآكلة، يحتوي على بضع «فوتايات» و كراس قديمة وطاولات موزّعة بشكل مرتجل بما يذكّر بالمقاهي الشعبية في بلادنا. وإن كنت من جيل التسعينات ومن رواد بعض الفضاءات التي يرتادها الفنانون والمثقفون والصحفيون في العاصمة فإنك حتما ستلاحظ وجود بعض الوجوه، بعضها ممّن عرف بمداومته في فضاء دار الكاتب الذي فتح في تسعينات القرن الماضي بنهج شارل ديغول في نفس الفترة التي فتح فيها أيضا فضاء دار الصحفي بشارع الحبيب بورقيبة (الذي تنقّل عدد من رواده المداومين بعد غلقه إلى الفضاء الجديد «دار الكاتب») ولكن أكثر رواد هذا المكان الجديد كما كان الأمر في دار الصحفي في السنوات الأخيرة ليسوا كتابا ولا صحفيين ولا فنّانين، هم أصدقاء لهذه الفئات إذا شئنا، بعضهم من الموظّفين والمحامين والأساتذة والمعلّمين والتقنيين العاملين ببعض المؤسسات الاعلامية وكثير منهم لا تعرف لهم هوية باستثناء أنّهم رواد مدمنون على هذا الفضاء وعلى مشروباتها الكحولية «الرّخيصة» مادّيا قياسا بالحانات والمطاعم المحاذية له. ولعلّه من الأمانة القول أن أكثر هذه الفئات التي تحرص على المجيء إلى هذه الفضاءات لا يدفعها إلى ذلك سعر المشروبات الكحولية المناسب كما تمت الإشارة فقط (وللأمر علاقة بتدهور القدرة الشرائية لعموم هذه الفئات) وإنما لما يوفّره لهم المكان من شعور بالرّاحة والأمان وهم يلتقون في شكل مجموعات نشأت بينها صداقة ومودّة وهي عناصر لا يجدونها في حانات وفضاءات أخرى، كثيرا ما يشعرون داخلها بالوحدة والغربة أيضا، فضلا عن مظاهر العنف الطاردة فيها. ولعل الأمر يفتح سوسيولوجيا على تحليل ظاهرة تدهور الشروط الاجتماعية والقيمية والمادّية طبعا لفئات المعلّمين والأساتذة وموظفي الدولة من الطبقة الوسطى (أين يتكوّن الكتاب) منذ ثمانينات وتسعينات القرن الماضي والذين صاروا في الدرجات السفلى للسلم الاجتماعي مقابل صعود متزايد لطبقة وقيم و«ثقافة» «الصنائعية» والمقاولين والتجار.

لا نجد حرجا في القول مع الأسف بأنّ الفضاء الذي تسرّع مالكه في فتحه برخصة «اتحاد الكتاب التونسيين» غير لائق، لا بالكتّاب التونسيين وضيوفهم فقط بل غير لائق حتّى بمقاييس ما صار يتوفّر في فضاءات تجارية محاذية من عناصر الفخامة والأناقة والجمال. وينبغي أن نكون موضوعيين أيضا ونحن نشارك عددا من اعضاء اتحاد الكتاب التونسيين ومن الصحفيين أيضا المقارنة بين ما كان وما صارت إليه هذه الفضاءات إلى أن فضاء دار الكاتب في شكلها الأول كما دار الصحفي لم يكونا مناسبين ولائقين بهذه الفئات التي تتمتّع بفضاءات أكثر رحابة وفخامة في دول شرقية مثل مصر ولبنان والعراق وسوريا حيث توجد تقاليد نواد ثقافية حقيقية. لقد تحكّم الهاجس البوليسي زمن «بن علي» الذي كان متأثرا بالأنموذج السوفياتي (عمل سفيرا ببولونيا) في اختيار هذه الفضاءات الضيقة التي تسهل مراقبة روّادها والتي تحوّلت بسرعة إلى مجرد مطاعم/حانات فاقدة لكلّ برنامج ثقافي في أنشطتها، فاكتسحها أشباه الكتاب والصحفيين ومن هب ودب من فناني الدرجة العاشرة وهجرها الكتاب الحقيقيون وصارت ملجأ للفاشلين والمتقاعدين/المدمنين واستمرّت في احتضان فاقدي السند وذوي الاحتياجات الاجتماعية والمطرودين وبعض المخبرين الذين انتهت صلوحيتهم.

من الواضح أنّ هناك تسرّعا في فتح هذا الفضاء من قبل مالكه الذي يعمل بـ«رخصة» اتحاد الكتاب التونسيين ولعلّ هيئة الاتحاد ورئيسها «صلاح الدّين الحمادي» سيعملان في قادم الأيام على تدارك هذه النقائص وإعادة تهيئة الفضاء ووضع برامج له واشتراكات تحافظ على طبيعته الثقافية، فهل تقدر؟

لسنا متشائمين ولكن رأينا أنّه في هذه الأوضاع التي تردّت فيها القدرة الشرائية والمادية لمعظم الفئات التي يأتي منها الكتاب (موظّفون، أساتذة، اعلاميون، إلخ) وعلى اعتبار أنّه لا يوجد لدينا كتّاب محترفون يعيشون من الكتابة (بل لا توجد أصلا مهنة إسمها الكتابة في بلادنا باستثناء الانخراط في اتحاد الكتاب التونسيين) فإنّه لا أمل في وجود فضاء يليق بالكتاب وضيوفهم، كما بالصحفيين وضيوفهم أيضا سوى بأن يكون الفضاء المزمع توفيره، مدعوما كلّيا أوفي جزء هام منه من الدولة، وبغاية ثقافية غير ربحية تماما على أن توجد له موارد أخرى تساهم فيه مؤسسات اعلامية ودور نشر وغير ذلك من الجهات والمؤسسات التي يمكن أن تدعم هكذا فضاءات.

 

 

 


كمال الشيحاوي