الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



مسرحية « طروف »:

صمود مستمر دفاعا عن القضية الفلسطينية رغم التشتت والصعوبات



لطالما عرفت القضية الفلسطينية اهتماما مستمرا من الكتاب والمخرجين المسرحيين، فتنوعت أشكال الأعمال المسرحية المعروضة وتراوحت بين التراجيديا والكوميديا، وصورت الملامح البشعة للحرب التي يشنها جيش الاحتلال الاسرائيلي على شعب أعزل.

في كتابة ركحية جديدة بعنوان « طروف » وهي الإنتاج المسرحي الأول لمركز الفنون الدرامية والركحية بنابل بالشراكة مع الفضاء الثقافي الخاص « لارتيستو » بالعاصمة وبدعم من المجلس الثقافي البريطاني، تم تقديم العرض الأول لهذه المسرحية، بفضاء لارتيستو، وهي إخراج مشترك للثنائي غازي الزغباني من تونس والبريطاني « كريس وايت » ونص لهناء خليل.

وأدى الأدوار في مسرحية « طروف » كل من الممثلين شاكرة رماح ومحمد حسين قريع وناجي قنواتي وأمينة دشراوي، ومحمد مأمون الشيخ من فلسطين وليلى علجو وهي بريطانية من أصول مغربية.

تدور أحداث هذه المسرحية بين تونس وفلسطين، وقد قام المخرجان بإسقاط ما يجري من أحداث في الأراضي المحتلة على الواقع التونسي، ورصد المواقف المتشابهة بينهما، خاصة في ما يتعلق بالظروف الاقتصادية والاجتماعية.

إن أول ما يلفت انتباه الجمهور في هذا العرض، هو حضور لهجات ولغات مختلفة هي اللهجة العامية التونسية واللهجة الفلسطينية والمغربية واللغتين العربية والفرنسية. وهذا التوجه مقصود والهدف منه تخطي الحدود وتدويل القضية من ناحية، ومن ناحية أخرى اعتبار أن الأوضاع اللاإنسانية في فلسطين تتعدى هذا الوطن وتشمل عديد النواحي الأخرى من هذا العالم، وبالتالي تصبح القضية كونية وتهم الإنسان بشكل عام.

والممثل في « طروف » هو أساس العملية المسرحية حيث اشتغل المخرجان على اللعب الدرامي للممثلين على الركح الذي بدا فقيرا من الديكور، عدا بعض الصناديق التي تم توظيفها بإحكام في مواقف مختلفة من المسرحية. وكان أداء الممثلين على الخشبة أقرب إلى الواقع منه الى التمثيل، مما جعل الجمهور مشدودا إلى مختلف وقائع المسرحية، بل إنه أصبح جزءا من العملية المسرحية في المشهد قبل الأخير، فتم كسر الجدار الرابع أو ما يسمى بالجدار الوهمي الذي يفصل الركح عن الجمهور، استنادا إلى تقنية « برشت » التي وظفها المخرجان كذلك في خروج الشخصيات عن الأدوار التي يتقمصونها والعودة إلى شخصياتهم الحقيقية مثلما كان الأمر مع الممثل الفلسطيني محمد مأمون الشيخ الذي رفض مواصلة المسرحية بحجة احتجابه في أحد المواقف، وهذا طبعا يدخل ضمن إطار اللعبة المسرحية في العرض

لقد كانت المشاهد وفية لعنوان المسرحية « طروف »، وهذا المصطلح باللهجة التونسية يعني « أجزاء » ويمكن أن يعبر أيضا عن معنى «الأشلاء» و«الانقسام» السياسي في الداخل الفلسطيني وفي الوطن العربي، ويدل كذلك على التقسيم الجغرافي لفلسطين المحتلة وللعالم العربي. أما على مستوى الشكل في المسرحية، فإن العمل كان بمثابة مشاهد شبيهة بالحياة اليومية في فلسطين وتونس، ومشاهد مبعثرة في عديد الأماكن، أعاد المخرجان غازي الزغباني و«كريس وايت » لملمتها وتركيبها من جديد.

وسار الممثلون بالجمهور إلى عديد الأماكن في تونس والقدس ورام الله وغزة وفي المعابر التي تربط بين مختلف المناطق الفلسطينية. وفي مختلف هذه الأماكن يصور المخرجان صعوبات جمة يمر بها الفلسطينيون من هرسلة وتنكيل في المعابر ومن استفحال البطالة والهجرة والنقص في المواد الغذائية الأساسية وغلاء الأسعار وغيرها، وهذا الوضع شبيه إلى حد ما بالوضع في تونس في الوقت الحالي، حيث تعرف البلاد أوضاعا اقتصادية واجتماعية صعبة تتمثل في تزايد العاطلين عن العمل وغلاء الأسعار وتدني المقدرة الشرائية واستفحال ظاهرة الهجرة غير الشرعية وفقدان بعض المواد الغذائية الأساسية كالحليب.

وللتعبير عن جملة هذه القضايا، اعتمد المخرجان تقنية « السخرية السوداء » وهذه التقنية في ظاهرها هزل وإضحاك، لكنها تخفي في مضمونها مأساة إنسانية.

في نهاية المسرحية يصطف الممثلون وأنظارهم مركزة في اتجاه أفق واحد تنبعث منه إنارة خافتة هي بصيص أمل في الإرادة والتغيير نحو غد أفضل للشعب الفلسطيني. وقد كان هذا المشهد الأخير مسبوقا بثورة على الواقع، ورسالة للأجيال اللاحقة بحمل مشعل الدفاع عن القضية الفلسطينية وجميع القضايا الإنسانية العادلة.