الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



على هامش افتتاح عروض مهرجان قرطاج الدولي:

هل أصابت إدارة المهرجان في عرض مقابلة كرة القدم قبل البالي الراقص «بحيرة البجع»؟



ثمة رأيان متعارضان في خصوص اقدام إدارة مهرجان قرطاج على بث مقابلة الربع النهائي التي جمعت بين المنتخب التونسي ومنتخب «مدغشر» في إطار بطولة افريقيا التي تنتظم هده الأيام وذلك قبل عرض الافتتاح وهو بالي راقص عالمي عن العمل الموسيقي الشهير للروسي تشايكوفسكي «بحيرة البجع» والقادم من مدينة بترسبورغ الروسية.

الرأي الأول متحمس للفكرة ومبارك لطرافتها على اعتبار أن شاشة ركح قرطاج تسمح تقنيا بذلك ولطالما عرضت أشرطة سينمائية وكانت خلفية بصرية لعديد العروض المسرحية والأوبرالية بما في ذلك عرض الافتتاح ذاته. ويرى المدافعون عن هذا الرأي أنه من الذكاء عدم حرمان الجمهور الدي توجه لمشاهدة الافتتاح من امكانية متابعة مقابلة كرة قدم على درجة كبيرة من الاهمية، ثم ما المشكل في ذلك طالما اننا في مجال الفرجة والمتعة بكل مظاهرها. وما الداعي لتعقيد الأمر؟ ويستمر المدافعون عن هذه الفكرة في الاستدلال على صواب هذا الاقتراح بالإشارة الى النسبة الكبيرة من الجمهور التي تابعت المقابلة وبالعدد الهام ممن اقتنوا تذاكرهم في عرض عادة ما تكون التذاكرة المباعة فيه قليلة. ويختم أصحاب هذا الرأي حججهم بالقول أنه من الضروري تجاوز الأفكار القديمة عن رهبة الركح وقداسته والبعد الثقافي والفكري للمهرجان والنظر للأمر على انه احتفالية متنوعة ومفتوحة وقد كانت كذلك بفوز المنتخب التونسي ونجاح العرض .

وأما أصحاب الرأي المعترض فيرون أن برمجة بث المقابلة على شاشة عملاقة كان ممكنا ولا مشكل في ذلك ان تم في ملعب أو فضاء تجاري كبير أو ساحة عامة وغير ذلك. والجمهور الذي جاء لمشاهدة البالي الراقص هو جمهور نوعي، يعرف خصوصيات هذه النوعية من العروض بما تتطلبه من انصات خالص وتقدير لبهائها وضخامتها وجلالها ويرى في بث المقابلة قبل العرض تصرفا غير مدروس وفيه الكثير من قلة الذوق وخلط وابتذال لخصوصية العرض الفني وشروطه ومجاله وفضاؤه. ويسأل تبعا لذلك ماذا لو امتدت المقابلة بحصص اضافية وضربات الجزاء الى الحادية عشرة ليلا هل كان أعضاء الفرقة سيقبلون بذلك وهل كان الامر سيقبل من قبل جمهور البالي والرقص الأوبرالي؟ وان تم التوقف عن عرض المقابلة وتثبيت وقت انطلاق العرض في تمام العاشرة ليلا فهل يمكن أن نضمن ردود فعل محبي كرة القدم وانزعاجهم وغضبهم؟ ثم ان الاخطر من ذلك كله هو في الخلفية المضمرة وغير المقصودة من بث المقابلة.فهل ينبغي دائما أن نضع أولويات جمهور الكرة فوق وقبل أولويات جمهور المسرح والفن . هل يمثل ذلك استمرارا في ابتذال مهرجان لطالما كان عنوانا مرجعيا للعروض الفنية الراقية؟ ثم هل يقبل جمهور كرة القدم وأي رياضة أخرى في المقابل أن نقوم بتأخير أو تقديم المباراة التي ينتظرها من أجل عرض عمل فني مسرحي مثلا يتم بثه في توقيت متناسب؟

على كل ما يزال الخلاف قائما بين وجهتي نظر مختلفتين في أمر عرض مقابلة كرة القدم قبل عرض الافتتاح وهو خلاف مرشح ليتواصل ويتعمق بين كل المتدخلين والمعنيين ببرمجة قرطاج وعموم السياسة الثقافية في بلادنا. ورأينا الخاص أن إدارة مهرجان قرطاج كانت في غنى عن هذا السجال وأن الحفاظ على خصوصية مهرجان قرطاج وضمان كل الشروط اللوجستية والتقنية والتنظيمية لعرض الافتتاح الذي جاءه جمهور من خارج الحدود كان اجدر من ارضاء جمهور كرة القدم الذي لم يكن في حاجة لهكذا عرض في محيط مسرح قرطاج الأثري الذي كانت مقاهيه وفضاءاته التجارية تؤمن بث المقابلة.

وبالنسبة الى من حضر من أجل عرض الافتتاح فقد استمتع بجودة العمل واتقانه سواء في تصميم الرقصات أو في آداء الراقصين والراقصات وفي التصور الكوريغرافي للعمل الذي كان على غاية من الابهار والدقة والرهافة. وكان بحضوره الكبير الدي كاد يملأ مدارج المسرح كله منبهرا بمشاهدة واحدة من أعظم وأشهر عروض البالي الراقص لأجمل الأعمال التي ألفها موسيقيا العبقري الروسي «تشايكوفسكي» سنة 1887. ولم تكن قصة «بحيرة البجع» في مناخاتها الرومنطقية وبتخييلها الطفولي الرائع سوى تعلة ليظهر «تشايكوفسكي» عمق احساسه ورهافة تعبيره الموسيقي عن الحب والوحدة والأنوثة في أعظم تجلياتها.


كمال الشيحاوي