الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



في قاعات السينمائي التونسية حاليا :

كلّ شيء حقيقي طالما أنـّه يوجد بقوة في الوعي



«هل أن فيلم « ألم ومجد» مستوحى من حياتي ؟ يطرح بيدروألمودوفار هذا السؤال بنفسه ، ويجيب عنه : « لا ،نعم ،مطلقا» . بمعنى أنّه يستعيد في هذا الفيلم المفرط الذاتية عناصر ، علامات ( خاصة صورة الأم) وأحداث من حياته ، ويصبغها بمسحة من الرقة والعذوبة والصخب ،ليقدمها في شكل فيلم حميمي ، متعال عن الذات ومنغرس فيها في نفس الوقت.

شارك الفيلم في المسابقة الرسمية في دورة مهرجان «كان» الأخيرة ، ونال أنطونيو بنديراس سعفة أحسن ممثل عن دوره الذي يجسّد فيه شخصية مخرج سينمائي شهير ، يدعى « سلفادور مالو» ، الشخصية القناع التي أرادها بيدروالمودوفار، مرآة بين الحقيقة والمجاز عن حياته بمجدها وألمها.

هو فيلم عن الذات والحياة وعن الفن وسحره والجسد وأهوائه.يروي قصة مخرج شهير يدعى « سلفادور مالو « ينعزل في بيته بعد أن قرر أن يعتزل السينما. تقوم سنماتاك مدريد بترميم أحد أفلامه القديمة» سابورى بغرض عرضه لتكريم المخرج الشهير. مرت ثلاثون سنة على إنجاز الفيلم الذي انتهى بخلاف وقطيعة مع بطله الممثل « ألبرتو». ويقرر سلفادور ان يطرق بابه ليلا لإقناعه بمرافقته في الحفل الذي سيقام احتفاء به. تنفتح فصول من الخلاف واستعادة الصداقة ثم الخذلان مجددا ، حين يكتب سلفادور مسرحية يتحدث فيها عن طفولته وأمه وحياته في قرية صغيرة و يوافق على أن يقوم ألبرتو ، الذي أعجب كثيرا بالنص ، بأدائه. ولكنّ الممثل يخذله ويغيب في يوم العرض.

بين الواقع والحلم ، ننتقل بين فصول من حياة المخرج الذي اختبر المجد والألم ، النجاح والخذلان . تحضر الأم ( قامت بالدور بينولوبي كروز) ، كعلامة مرجعية لا تخلو منها تقريبا أفلام ألمودوفار، في ما يشبه الفيلم داخل الفيلم ، تفتح عينيه على سحر الفن ، ضرورته وسطوته حين تقنع عامل بناء بأن يزيّن الكهف التي تعيش فيه مع ابنها سلفادور مقابل ان يعلمه هذا الأخير القراءة والكتابة. وتحضر ايضا في الفيلم تيمة الجسد وأهوائه وميوله. وتيمة الصداقة وأقدارها.

عن استعادة الماضي في الفيلم وعن الذكريات كبلسم شاف في أغلب أفلامه، يقول ألمودوفار : « كل ذكرى تدخل في نسيج الدراما وظيفتها أن تفسر الأشياء وأن تضع بعض الشخصيات في الإتجاه الصحيح . كل استعادة للماضي ، حتى وإن كانت سببا للألم ، يجب أن تهبك سكينة الوعي . من المؤكد أن سلفادور يحتاج إلى ذكرياته كي يحتمل حياته التي تبدو له باهتة ودون نفع. صنع الأفلام يسمح له بمواجهة قصته الخاصة. وحين لا يتوصّل إلى القيام بعمله ، على خياله أن يواصل الإشتغال بطريقة أخرى .»

وعن شخصية سلفادور وعلاقته بحياته ، يقول ألمودوفار : « كل ما يقوله سلفادور يصلح لي أيضا. يتعلق الأمر باعتراف مضاعف ومطلوب بالكامل. ذاكرتنا تعلي من بعض الأشياء وتصححها ، وبنفس الطريقة ، فإن هذا الحضور للذات من خلال هذه الشخصية يسمح لي بنوع من الجرد لحياتي....». ويضيف عن الشخصية المركزية لشريطه الجديد قائلا أن سلفادور هو شخصية كونت نفسها في ثقافة الثمانيات من القرن الماضي ، بعد خمس سنوات من موت فرانكو في 1975 ودخول اسبانيا في سيرورة الإنتقال الديمقراطي ، وهي سنوات تميزت بحرية كبيرة وبانفجار حقيقي : جنسي ، فني وسياسي ، وطبعت سنوات الإنفجار تلك الجيل الذي ينتمي إليه .

« في حياة سلفادور ، كلّ شيء حقيقي ، بما أنّه يوجد بقوة في وعيه» ، ذلك مايبدو أن بيدرو ألمودوفار يرغب في قوله في شريطه الجديد ، وفي السينيما الجميلة التي يصنعها.

 


كمال الهلالي