الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



بالمناسبة

الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والتشجيع على الإبداع السينمائي الملتزم


إن مراهنة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد على توظيف الفن السابع في نشر الوعي بأهمية التصدي للفساد بكافة مظاهره بتونس يعكس في الواقع درجة عالية من الرقي الحضاري الذي أبداه هذا الهيكل الدستوري. فقد أعلنت هذه الهيئة في الفترة الأخيرة وعن طريق بلاغ رسمي عن فتحها باب المشاركة أمام النخب السينمائية لتقديم ترشحاتهم لمسابقة 60 ساعة سينما.

وحسب ما ورد في البلاغ الصادر في الغرض فإن الهدف وإضافة إلى ما نلمسه مضمونيا في الشعار المطروح وهو «سينما ضد الفساد» فإنه يتمثل على المستوى التكويني في اكتشاف المواهب وصقلها ودعمها عبر تشريك «الشباب في تطوير قدراتهم التقنية والفنية من خلال التنافس بين المجموعات».

والذي يستشف من هذه المبادرة هو أن المتابع لهذه الحركة يجد نفسه إزاء ثلاثة مستويات هي:

أولا،تجنب الهياكل الرسمية المستقلة استخدام لغة خشبية وكليشيهات في صياغة خطابها على غرار ما دأبنا عليه في المؤسسات الرسمية المثقلة بخطاب تقليدي بلغ درجة الشيخوخة والعجز التام عن مسايرة خطاب المجتمع التونسي الجديد.

ثانيا، اعتماد عالم الصورة السينمائية باعتباره ملتقى لمختلف الفنون من مؤثرات صوتية وموسيقية وشخصيات تمثيلية وديكورات فنية ونص قصصي وحوارات...

ثالثا، تشريك النخب من كتاب ومخرجين وممثلين وتقنيين في تصور أفكار العمل السينمائي واتخاذه سبيلا لنقد مظاهر الفساد المتفشية في الواقع التونسي من زوايا نظر كثيرة ومتباينة لكنها في الأخير متكاملة.

ويلاحظ هنا أن المراهنة على الدراما السينمائية تتنزل بلا شك في صميم مواكبة روح العصر، والتواني عن ذلك هو أيضا وبلا ريب خروج عن اللحظة الحضاري وتحجّر في الماضي بل وفي اللاجدوى. ومن اليقين حتما أن السينما أقوى أداة لفضح الفساد ونقده في العالم. وهي حقيقة لا تنكر وواقع عالمي لا يدفع.

وربما كان يمكن اعتماد الدراما التلفزية أيضا لكن من البيّن أن تكاليفها الباهظة وهي دون متناول الهيئة لا تسمح بذلك.

كما يشار إلى أن الفن التشكيلي أو الشعر أو الروايات والقصص هي أدوات إبداعية غير شعبية في تونس بمعنى تختص بها النخب الضيقة دون بقية المجتمع المتعلم لأن أفراده كثر ويعدون بالملايين حسب المعدلات السنوية لخريجي المؤسسات التربوية والجامعية، وهذا الواقع هو ما يدفعنا إلى تبرير اختيار مثل تلك الهيئة الوطنية للمحامل السينمائية من أجل تحقيق أهدافها النبيلة ورسالتها السامية.

وقد أوكل الهيكل المنظم لهذه المسابقة مهمة الإشراف على تقييم الملفات المقدمة وإنجاز الأشرطة السينمائية القصيرة إلى لجنة تحكيم حددت معايير موضوعية في اختيار المواضيع ونوعية الأفلام الفائزة وعدد أفراد الفرق المقبولة أعمالهم كما ضبطت مدة إنجاز شريط الخمس دقائق بستين دقيقة كتابة وتصويرا ومونتاجا وتعديلا، وهي حرفية تذكر فتشكر.

وكان يمكن أن تنخرط أيضا بقية الهيئات الدستورية وحتى الإدارات التونسية والمؤسسات العمومية في هذا الجهد الثقافي، لكن يبدو أن عوائق قانونية وخاصة شخصية تحول دون التحلي بروح المبادرة والتجديد والخلق.

عملنا في الإدارات والمؤسسات التونسية ونعلم أنها في واقع الأمر تعمل بلا عقل، أي على طريقة المكننة القديمة، ويُفسّر ذلك بارتعاب المسؤولين الأول من التعرض إلى المساءلة القانونية الحمقاء وهو سلوك بيّن أنه لا يأتيه إلا ذوو العقول العرجاء. علاوة على ذلك فإن من طبع المسؤولين الإداريين الذين شغلوا الكراسي وحسب التجربة لا ينظرون إلا بتعال إلى النشاط الإبداعي باعتباره من منظورهم مضيعة للوقت وهدرا للمال العام ولنا في هذا المعنى شواهد كثيرة بالنظر إلى أن أمثال هؤلاء المسؤولين هم في الواقع حراس حرفيون على عتبات القوانين، وهي بمعنى آخر ترجمة لنفس عقلية المتعصبين دينيا كالدواعش الذين لا يعملون إلا بحرفية النص الديني. الأمر الذي يعني أن للظلامية الفكرية والثقافية عناوين واحدة وقواسم مشتركة وإن كانت مظاهرهم وسبلهم مختلفة طالما أن العبرة في النتائج.

إن تحجر عقلية المسؤولين وعدم استعدادهم للانفتاح على روح العصر وهي اليوم روح تجديد وخلق ومبادرة يومية متجددة ترفع الغطاء عن نزعتهم الانطوائية التي ليس من ورائها هدف إلا التشبث بالكراسي. ومن تعوزه النزعة الإبداعية هو في الحقيقة إداري فجّ لا تهمّه إلا أرقام المعاملات والميزانية السنوية التي يتم اعتمادها في كل عام وكما هو بيّن بطريقة نفسها تعتمد فقط تغيير السنة في أعلاها في كل عام جديد. ولم ينتبه مثل هؤلاء المسؤولين إلى أن القانون جاء لينظم نشاط الهيكل الإداري ويساعد على تنميته وليس ليعرقل كل نشاط كما يفعل معظم إداريينا، خاصة أن من لا يصرف لا يعمل، وتكون نسبة تعرضه لأخطاء التصرف في مستوى الصفر عوض أن يعمل كثيرا ولا يرتكب بالتجربة والتصويب أخطاء ذات بال.

إن الهدف من القول أعلاه هو أهمية التحسيس بدور الفن والثقافة في تغيير واقعنا وإصلاح كافة قطاعاته. ويكفي أن يكون الهيكل الذي يتصدى لمقاومة الفساد القدوة الحسنة في هذا البرنامج العفوي بل والقاطرة لكل إصلاح يكون منطلقه ثقافيا لأن المسألة برمتها مرتبطة بتغيير العقليات وهذا ما فهمته بذكاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.

يشار أيضا إلى أن السينما توظف منذ ظهورها في صياغة سياسات المجتمعات الأكثر تقدما وتنشر نمطها في التفكير وتخدم منوالها الثقافي وحتى الاقتصادي.

السينما اليوم هي بلا مدافع صناعة وطنية بأتمّ معنى الكلمة، إنها صانعة للعقول ومحورة للسلوك الفردي والمجتمعي... فللسينما سحره وتأثيره القوي في مختلف الشرائح الاجتماعية، أما انطلاق توظيفه من قبل إحدى الهيئات الدستورية التونسية فإنه مؤشر خير على ما يحدو اللاعبين الجدد في المشهد الوطني التونسي الجديد من روح إصلاحية لا تقف عند سطح الأحداث وإنما تراهن على تثوير العقليات والأساليب البالية والانطلاق في مشروعها الإصلاحي من العمق الثقافي للمجتمع الذي تروم مكافحة بعض آفاتها السلبية الخطيرة.

 


منصور