الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة


في مكتبة «الصحافة اليوم»:
«المازري فكر خصيب في مرحلة متميزة» للدكتور محمد صابر الثابت

عقل ناقد وأفكار مجددة


صدر منذ أسبوع كتاب علمي جديد للدكتور محمد صابر الثابت عنوانه «أبو عبد الله المازري فكر خصيب في مرحلة متميزة». وتكمن أهمية هذا الكتاب الذي نشره مجمع الأطرش للكتاب المختص في كثافة أفكاره ووضوح منهجه، حيث أنه جاء ليسلّط الضوء الكاشف على عبقرية الفكر التونسي وأصالته وقدرته على أن يتحوّل بين الفترة والأخرى إلى مرجع لعصره ولأجيال العلماء من بعده.

ما يعرفه الناس عن المازري أنه فقط ولي صالح دفين المنستير، ومقامه مطل على البحر بقرب ضريح الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، لكنه في الحقيقة واحد من كبار علماء عصره. وقد دخل بكتبه التاريخ العربي والإسلامي من بابه الكبير، فهو المحدث والفقيه والمتكلم والطبيب، لكن الأهم من منظورنا أنه عالم مجدد وصاحب إضافات متميزة في الفكر، أداته في ذلك عقله الناقد.

وتكمن الفائدة أيضا من مطالعة مثل هذا الصنف من الكتابات في التنبّه إلى أن الفتن والاضطرابات السياسية والعسكرية وحتى الخراب العمراني لدولة ما لا يؤدي بالضرورة إلى قطع روح العلم فيها إذا كان متأصلا بقوة في شعبها، وخير دليل على هذا القول نستلهمه من بعض جوانب هذا البحث للدكتور محمد صابر الثابت، ذلك أنه عندما خرّب الهلاليون القيروان انتشر علماؤها في البلدان باستثناء أكبر علماء ذلك الوقت وهو السيوري الذي رابط إلى تاريخ وفاته ببقايا مدينته العريقة (القيروان) فتلقى عنه العلم أبو الحسن اللخمي وعبد الحميد الصائغ، والأول جلس بمدينة صفاقس لنشر العلم ومازال شعاع العلم بها قويا إلى اليوم، والثاني انتصب لبث العلم بسوسة وتخرّج عنهما طائفة من العلماء أبرزهم أبو عبد الله محمد المازري الذي اشتهر بالعلم لكن في مدينة المنستير، وبهذا انتقلت حركة العلم على حد رأي حسن حسني عبد الوهاب من القيروان إلى الساحل التونسي (من صفاقس حتى سوسة) ثم منه انتقلت الحركة العلمية إلى مدينة تونس بُعيد تحوّلها إلى عاصمة لكامل الدولة الإفريقية في العهدين الموحدي وخاصة الحفصي.

وقد اعتنى علماء المشرق والمغرب على حد سواء بكتب المازري فعرّفوا بها وشرحوها وتسابق الناس إلى التعلّم بين يديه وعلى رأسهم القاضي عياض.

وقد مثل المازري نقطة «تحول في تاريخ الفلسفة والتصوف والحضارة في المغرب»، ذلك أنه فتح في أيامه «باب الاستنباط الصحيح» على حد قول الدكتور محمد صابر الثابت الذي بيّن أيضا في معنى متصل كيف «اكتسب المازري دقة في النظر والتحليل بدراسته للرياضيات وللطب ومناقشة الفلاسفة والمتكلمين والاطلاع على مناهجهم التحليلية الاستدلالية وعلى منهج الأصوليين من الفقهاء فاتسع أفقه العلمي وتميّزت طريقته في دقة التحرير وسلامة الاستدلال والنفاذ إلى النقد الجيد لما لا يراه من الآراء والمذاهب».

وفي المجمل فإن هذا الكتاب ممتع الأسلوب يُغري بالقراءة خاصة أنه مقتصد في عبارته، إذ أنه يُغطّي موضوعه في ثمانين صفحة من القطع الصغير، كما أن هدفه نبيل وتتساوق فيه الترجمة لهذا العالم وتقسيم شخصياته العلمية حسب كل مجال علمي برع فيه وألف حوله كتبا إلى جانب دراسة العصر الذي نبت فيه ومظاهر النبوغ في المازري وجوانب «التميّز والخصوصية» في مشروعه العلمي ولاسيما إبراز دوره الحضاري الرائد كـ«مفكر عقلاني».

 


منصور