الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة


لقاءات «الصحافة اليوم»
مع كمال الرياحي بمناسبة صدور الترجمة الإيطالية لروايته «المشرط»

الكتابة دمغة في وجه القبح تجعله جميلا



حوار: كمال الهلالي

أطلقت دار جوفنس يوم الخميس 28 جوان 2018، الترجمة الايطالية لرواية «المشرط» للكاتب التونسي كمال الرياحي والتي سبق أن تحصلت على جائزة الكومار الذهبي لأفضل رواية تونسية سنة 2007 وجائزة هاي فيستفال 2009.

الترجمة من إنجاز المترجم والأكاديمي الإيطالي الدكتور فرانشيسكوليج ومترجم موسم الهجرة إلى الشمال الطيب صالح والبق والقرصان لعمارة لخوص وذاكرة الجسد لاحلام مستغانمي. رواية «المشرط» للرياحي وديوان «أحد عشر كوكبا» لمحمود درويش افتتحا سلسلة جديدة «برزخ» خصّصتها الدار للتعريف بالأدب العربي. عن الرواية يقول مترجمها فرانشيسكو لوجو: «كل شخصية من الشخصيات المحصورة في «المشرط» تبحث عن حقيقة الأمر الواقع. ولعل هذا الأمر الواقع لم يقع قط، إذ أن كل ما يتضح بقدر ما تتقدم القراءة هو أن كل حقيقة تختلق حقائق متضاربة إلى درجة أن منطلق التأويلات والتأملات يكاد يتلاشى رغم دقته وحدته.

من خلال هذه العملية التفكيكية للحقيقة والواقع، تمكن كمال الرياحي من التوفيق بين مختلف الأساليب والأنماط اللغوية كما نجح في خلق شخصيات ذات ملامح بارزة وخفية في آن واحد دون تقديم أية قراءة مسبقة للأحداث وللأشخاص، مما يدرجه «شرعا» وفرعا في عداد فحول الروائيين المعاصرين».

عن رؤيته للكتابة وللمشهد الروائي التونسي والعربي، يتحدّث كمال الرياحي إلى «الصحافة اليوم»:

ـ كيف تقارب الواقع التونسي، باعتبار أنّ «المشرط» أعادت تخييل واقعة حقيقية، ما الذي يهمّك فيه؟

الواقع التونسي ليس إلا واقعة من مجموع الوقائع التي تحدث في ذهن الكاتب ولذلك ينتزع هذا الواقع مكانة ضمن كل هذا الزحام من الوقائع لا بصفته عنصرا مهيمنا على التخييل. صحيح أنّ مقاربة الواقع التونسي روائيا تأتي ضمن مشروع خاص يعنى بتفكيك المهمل منه واللامفكر فيه حسب عبارة أركون لكني لست حبيس فضائه. انطلق منه وأذهب بعيدا لمقاربة الإنسان والمشترك وإن تلبّس بلبوس المحلي كقناع يستدعي مفهوم الرواية التي لا تتنازل عن الإيهام بالواقعية حتى وهي تحلّق في العجائبي أوالخيال العلمي.

ـ ما هي الأسئلة التي تطرحها على نفسك كروائي؟

السؤال الوحيد الذي ألحّ في طرحه على نفسي كل مرة وهوسبب تريّثي في النشر رغم أنّي أكتب يوميا هو سؤال ماذا ستضيف بهذا الذي تكتبه وأنت تقرأ كل يوم جديد الرواية في العالم؟ هذا يجعلني آلة بشعة للنقد الذاتي، آلة قصووية عدوانية ضارة في ظاهرها بحماس الكاتب، لكنها سرّ اتّزانه وربما نجاحه.

ـ كيف تبني عالمك الروائي؟

يتشكّل عندي الأمر فكرة ثمّ تلملم أبطالها وشخصياتها ثم أدخل في حالة تلبّس ببعض شخوصها الرئيسية وأعيشها في بيتي أشهرا وسنوات، أحيانا بكل أكسسواراتها. وأمثّلها في ساعات طويلة لأصغي إلى صوتها فعلا وأختبر ذلك الصوت. أحيانا اخرج بها للشارع نظرة أولهجة أوأسلوب حياة ولباس. كل ذلك اختبار للعمل قبل وصوله للقارئ، إلى جانب ما يتطلّبه العمل من بحث فلم تعد الرواية تنتج خارج المعرفة. مع كل رواية أخرج انسانا جديدا وقد غنم الكثير من المعارف من دروب ما كان سيسير فيها لولا الرواية التي قادته إليها.

ـ انت تبشّر بالواقعية القذرة، ماذا عن هذا الفهم؟

لا أدّعي هذا. هي بعض الكتابات النقدية التي شبّهت ما أكتبه بما ظهر في امريكا مع ريتشارد فورد وجيل البيت من كيرواك إلى وليام بورروز. ..والحق أنّي لا أنتمي إلا إلى مخيالي الذي نشأ في فضاء عجائبي في طفولتي في القرية واصطدم بهذا الفضاء الصاخب الضاج بالعنف والجريمة والنميمة عندما نزلت العاصمة. وهو خلطة هذا التناقض بين قصص الفروسية التي كنت اسمعها من والدي في الجبال وقصص الجريمة التي واجهتني في المدينة. وكل ذلك مع المكتبات التي التهمتها شرقا وغربا والمهن التي عملت بها من بداية الشباب من مهرّب صغير بالقطار المغاربي إلى عامل فلاحي ونادل في مطعم إلى ثاقب جدران في فريق كهربائي إلى صحافي إلى عامل بدار نشر إلى مقدّم برامج إذاعية وتلفزيونية إلى مدير مؤسسات ثقافية دولية ووطنية. كل هذا يجعل مخيالي مخيالا خاصا وعالمي عالما خاصا.

أما «الواقعية القذرة» فلا علاقة لها بالقذارة كما يعتقد البعض كما عبارة «الجيل الضائع» لا علاقة لها بالضياع. كل ما في الأمر أنّ هذه التيّارات تمرّدت على مفاهيم الأدب الكلاسيكية وحملت جرأة كبيرة في القول وحرّرت ألسنة شخصياتها التي كبّلها الكاتب الكلاسيكي عبر الراوي العليم. لقد حرّرت الرواية ما بعد فوكنر الشخصيات لتعيش حياتها وتخلق خطابها خارج حبل الروائي الذي يشدّه. الشخصية أكبر من مجرد فرس جامح نشدّه برسن أو زورق على شاطئ يشدّ بمتراس. إنّها أشبه بشجرة عندما تفجر الأرض لحظة منبتها لا ندري ما ستحدثه بالسماء.

ـ برأيك، ما الذي قد يهمّ القارئ الإيطالي حين يطالع روايتك بلغته، وهنا نطرح عليك سؤالا لمن تكتب؟

القارئ الإيطالي كما عرفته منذ سنوات لم يعد يعنيه ذاك الفضول في معرفة الشعوب من خلال أدبها، كما كان بالسابق، فهو أكثر الشعوب التي تعرف تونس، مثلا، من خلال مهاجرينا ومن خلال وجوده على أعلى قائمة السياحة التونسية، لذلك لا ينتظر إلا أدبا على درجة من الفنية. يريد رواية جيّدة ولا يفتح دوره للاستشراق، لذلك فإنّ هذه السلسلة التي انطلقت بكتاب احد عشر كوكبا لمحمود درويش وروايتي المشرط، تؤكد في بيانها على موقع الدار أنها تمثّل قطيعة مع الطريقة القديمة وأنها تترجم الكتب لقيمتها الفنية وهذا ما أسعدني فعلا في هذه الترجمة. وحتى أغلفة هذه الرواية كما ترى لا تشير إلى أية علاقة بالشرق كما كان في السابق وهذه علامة من علامات هذا المنعرج في النشر.

تقول الدار في موقعها: أول سلسلة للترجمة من العربية، تقدمها دار جوفونس، وتمثّل الجديد في عالم النشر. ولا تكمن ميزة هذا المشروع في نشر نصوص مترجمة من العربية فحسب – والتي تمثل في حدّ ذاتها نسبة ضئيلة جدّا بين ما ينشر من النصوص المترجمة في ايطاليا – بل في الطريقة المنتظمة من أجل نشر الثقافة العربية وعمل الترجمة. لقد جرت العادة أن يرتبط اختيار العناوين المراد ترجمتها بعوامل عدّة، منها الجوائز الأدبية، والحروب، والأزمات السياسية. أما برزخ، فإلى جانب الأخذ بعين الاعتبار ما يدور في السوق الأدبية العالمية، فتقوم أثناء عملية اختيارها لما تعرضه على جمهور قرّائها من الايطاليين باختيار أعمال ذات أهمية أدبية في المحيط الثقافي العربي. أعمال يكون قد تم تأليفها ونشرها باللغة العربية وفي البلدان العربية، وتكون قد خضعت لتقييم من طرف النقاد المحليين. فإن كان صحيحا أن الترجمة تخضع لمنطق السياسة ولعملية ترويض النص، وأن عبرها يتم إيصال صورة ثقافة ما، فإنّ برزخ تحمل في معنى اسمها كلّ العزم على تقديم صورة مختلفة للإنتاج الروائي المكتوب باللغة العربية، وذلك من خلال عرض روايات ستفاجئ القارئ وستزعزع قناعاته، وبالتالي تعيد لنا تلك الصورة التي افتقدناها عن البلدان العربية المتّسمة بالحركة الثقافية، والحداثة، وبوجود جدل ثقافي يعتبر المنصة القوية التي يرتكز عليه عاملا التعارف والتبادل بين الثقافات.»

لمن أكتب ؟ لا أكتب لأحد غيري أولا. الكتابة مهنتي وهي طريقة إدراكي لوجودي في هذا العالم. وبقدر ما يكون الكاتب صادقا في عمله سيصل إلى العالم دون أن يشغل نفسه بالتفكير في أنماط المتلقي فكل من فكر في ذلك فشل لأنه وضع نفسه في طريق ضيقة والكتابة حرية مطلقة.

ـ أنت مطلّع كبير على الرواية العربية وعلى الأصوات الجديدة فيها، ما هي مزايا هذه الكتابات الجديدة وما هي «أمراض» الروائيين العرب ؟

الكتابة الجديدة العربية لن تظهر إلا بتغيّر السياسات الثقافية التي عليها أن تقدّم هذه التجارب للناس وألا تحتكم في تظاهراتها فقط إلى النجومية والأسماء المكرّسة. وأول ركائز السياسة الثقافية هوالإعلام بكل وجوهه. أمّا الأمراض فهي التهويل من تجارب دون غيرها وتراجع اسماء كبيرة فعلا عن تقديم مستوى روائي متميز لصالح قارئ ثري كسول وغبي أحيانا، قارئ مريض بالرومنسيات والعبارات الشعرية والبكائيات ولا معرفة له بفن الرواية والكاتب يعلم ذلك ويكتب له ما يريد. إنه بذلك يدمّر نفسه والمشهد الثقافي والرواية نفسها. إنه، في النهاية، يرتكب جرما تاريخيا في حق مسيرته وهؤلاء كثر نتمنى لهم الاستفاقة قبل الاستغاثة.

ـ ماذا عن الأصوات الجديدة في الرواية التونسيّة ؟ أين نجحت وأين أخفقت؟

لم نعد نعرف ماذا تعني كلمة الجديد من القديم، فالسنّ ليس مقياسا ولكن إذا كنت تقصد من ظهر من التسعينات إلى الآن مثلا، أقول لك من آمن بنفسه وصل ومن راهن على الأمسيات واللقاءات والمؤسسات الرسمية فشل. الكتابة مغامرة في التوحش المعرفي ومغامرة الإلقاء بالنفس والنص في الغاب وفي فضاءات طاردة. الكتابة موقف مضاد وشجاعة وحياة معرفية مازوشية، تعذيب للنفس وترويض لها. سهر وجوع وصبر وحلم لا يتوقف أما الضعفاء والكائنات الرخوة فلا يمكن أن تعيش في الجفاف. هكذا هم الكتاب في بلدي كائنات رخوة تعيش في الرطوبة مثل الحلازين وكائنات أخرى برمائية وطائرة طوّرت من نفسها فخلقت لها زعانف وأجنحة وعبرت الأفق المظلم. وفي الأخير هناك أيضا احتياطي من الذكاء يتحكمّ في كلّ شيء وكم من كاتب تونسي جيّد قضى عليه طموحه الصغير أو إيديولوجيا متمسّك بها حدّ العمى.

ـ أنت تقوم بجهد بالغ : تطلق مبادرات، تكتب، أسّست وتدير بيت الرواية، أيّة حكمة تتبع ؟

نتحدّث كثيرا عن غرامشي وعن المثقف العضوي وعندما يظهر بيننا مبدع يحاول أن يكون قريبا من واقعه ومبادرا ومساهما في تطويره نستغرب. صراحة أجد متعة كبيرة في أن أكون بين الناس الحقيقيين وأن أقدّم شيئا لهذا البلد وللاجيال القادمة والشبان، لأني في بداياتي لم أجد أحدا، بل وجدت مؤسسات ونواد مثل النوادي السرّية وهي موجودة إلى الآن. لذلك سأظل منفتحا على كل الأجيال وفي خدمة المبدع أينما كان اتجاهه مادام ليس لي اتجاه غير الابداع الحرّ.

ثم إنّ متعتي بالإنجاز في الواقع كما في المنجز الروائي. وأعتبر أن مشروع «مكتبات الخيال» في الأرياف الذي أسسته أو بيت الرواية الذي أسسته وورشة «بيت الخيال» أجمل الروايات التي ستستفيد منها أجيال قادمة معي وبعدي. أشعر أني أحلم أحلاما للآخرين أيضا. هكذا كانت أمي تقوم صباحا وتقول لي: «لقد حلمت لك حلما جميلا»، هذه الأحلام موازية لأحلامي الفردية الخاصة. وربما هذا بديلي عن الانتماء الحزبي والسياسي والايديولوجي. خيّرت أن أنتمي إلى فكرة العطاء المعرفي الكبير والذي يتوجّه بفعله للجميع وللانسان في هذا البلد.

سعيد بذلك الإنجاز خاصة أنّه فيض محبة من نجاحي الروائي، بمكتبات الخيال التي نشأت بتبرعي بعائدات رواياتي وببيت الرواية الذي نشأ من اهدائي مشروعي الخاص للقطاع العمومي.

إن الكتابة «احتجاج ضد الشرط» كما يقول سليم دولة والكتابة أشمل وأكبر من التحبير إنها ترك أثر في العالم. دمغة في وجه القبح تجعله جميلا وفي حرج.

ـ برأيك هل ثمّة سياسة ثقافية في تونس ؟ كيف تفهم دور الثقافة والأدب والفنّ (أولاد احمد مثلا يقول علينا أن نعين السائد على السقوط )؟

ليست هناك سياسة ثقافية. هذا لن يحدث إلا مع الانتقال الديمقراطي ونحن مازلنا في مرحلته الجنينية. أما دور الثقافة والفن فأساسي والكلّ معني به. عندما يعي المواطن أيّ مواطن من أية طبقة اجتماعية أوثقافية أنه كائن ثقافي، سيتغير كل شيء. التونسي يكره الثقافة لأنه لا أحد قال له أنت مثقف، أنت كائن ثقافي ولوتنزع منك الثقافي لن نجد منك شيئا. لذلك كل ما يقدّم من ثقافة أنت معني به ولا معنى للمبدعين دونك، أنت المستهلك للثقافة والملهم والمكوّن الأساسي لها. أمّا بخصوص قولة اولاد أحمد فقد كان رغم ذلك مؤسّسا لبيت الشعر وبعد الثورة تقدّم نحو مجلس الثورة ليكون أيضا في موضع المؤسّس والحالم وفكرة بودريار التي يردّدها في إعانة السائد على السقوط هي فكرة فلسفية شاملة أنا مؤمن بها، لذلك أريد تثوير العمل الثقافي من الداخل عوض الهروب منه،بما أننا بشكل أوبآخر نحن نشتغل ضمن هذا السائد وهذا عكس الكثير من المنتمي إلى مؤسسة العمل الثقافي والذي يكتفي بالسخط عليها ويتقاضى أجره منه على صمته واستقالته. أريد أن أثوّر المؤسسة من الداخل وأتحمل نتيجة هذا الفعل كل لحظة وهذا موضوع آخر طويل. فالذّي يريد أن يغير من الداخل أخطر على سدنة المؤسسة من الساخط أو المعارض الخارجي كما تعلم.