الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة


نقاط وحروف


عن حاجة الأمم لسرديات خاصّة


كمال الشيحاوي

يذكر الكاتب العالمي «بول كويلهو» في روايته الشهيرة «الكيميائي» أن لكل شخص مهما كان شأنه قصّته وحكايته عن نفسه، ويميّز في مسار كلّ شخص بين من يمضي في حكايته عن نفسه إلى أقصى مدى ممكن وبين من يتراجع أو يخيب ظنّه فيما كان يرويه عن نفسه. ويبدو أنّ الأمر ينطبق أيضا على الشعوب والأمم حيث توجد سرديات خاصة تميّزها عن بعضها البعض. والمهمّ أن نفهم أن السردية التي يقوم كل شعب وأمّة بنسجها عن نفسه عبر نخبه ومؤرخيه الرسميين وآلته الدّعائية والإيديولوجية لا تقوم على تطابق دقيق وصحيح مع الوقائع والأحداث بالضرورة وإنما تنهض على تكوين «متخيّل إيديولوجي» يتمّ تشكيله بما يتناسب والأهداف السياسية لتلك الأمّة.

 

وتصلح هذه المقدّمة لنتبيّن الفرق من جهة بين الجهد الأكاديمي الذي يقوم به المؤرخون من أجل التأريخ لتونس في المرحلة الحديثة وهو عمل ما يزال متواصلا من أجل استكمال البحث والتدقيق في الكثير من الجوانب والقضايا التي ما تزال محلّ نقاش واختلاف (وهو أمر طبيعي في مجال ما يسمّى بالتاريخ الرّاهن) ومن جهة أخرى بين السردية الإيديولوجية الخاصّة بتونس الحديثة والتي ساهمت آلة الدّعاية الإيديولوجية في تكريسها في المنوال الدّراسي وفي وسائل الإعلام والتي كثيرا ما يتمّ ترديدها فيما يشبه الشعار المركّز، تونس الرّائدة دستوريا وتشريعيا في تكوين مؤسسات حكم جمهوري مدني مرتكز على رؤية اصلاحية وتجديدية لثقافتها وتراثها ودفاعها عن حقوق المرأة، تسعى لتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية والانتقال الدّيمقراطي. ويمكن التحقّق من جذور هذه السردية التي اخترقت كلّ تاريخ تونس منذ الاستقلال إلى اليوم في الأدبيات السياسية لكلّ الأنظمة والحكومات التي تعاقبت على السلطة قبل الثورة وبعدها (الحديث عن الاستثناء والرّيادة التونسية بقي دائما عنوان الدّعاية العامة لهذه السردية في كلّ الحقب ومسار الانتقال الدّيمقراطي انطلق منذ الفترة البورقيبية ويتواصل بخطوات متعثّرة حتّى اليوم).

ويمكن القول اختصارا أن الشعوب التي لها ديمقراطيات مستقرّة قد حصل داخلها اتفاق عام على سرديتها الخاصّة، فلا يوجد خلاف لدى النخب في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية مثلا حول أهم المنعطفات والأحداث التي صاغت سرديتها وقصتها التي صنعت حداثتها بينما ما يزال النزاع قائما لدى الشعوب غير الدّيمقراطية أو التي تعيش انتقالا ديمقراطيا بين سرديات مختلفة أو بين قراءات مختلفة داخل السردية الواحدة. وتمثّل بلادنا مثالا على وجود هذا التنازع الإيديولوجي بين المدافعين عن سرديات أخرى يعتقدون أنّها ظلمت أو همّشت في قراءة تاريخ تونس ورواية قصّتها ومن ذلك ما يتصل بالتيار اليوسفي وخلافه مع التيار البورقيبي على سبيل المثال لا الحصر.

لقد أشار «إدوارد سعيد» إلى أن القصص والروايات، تستخدم لتأكيد الهوية، ولهذا فإن الأمم، هي عبارة عن سرديات ومرويات كبرى. وقد اتكأ على هذه الاستراتيجية، ليبحث في مرويات كبرى محكمة، أنشأها المستعمر لكل من الآخر، وثقافته وتاريخه ومستقبله، و تشمل مرويات قد تطال الخطاب الديني والتاريخي والحضاري لكل أمة من الأمم. وما يميز هذه السرديات اشتغالها على عدد من الاستراتيجيات، التي تتيح لها أن تكون مؤثرة وفاعلة، فعلى سبيل المثال؛ بعد نهاية السردية الكبرى للحرب الباردة؛ ظهرت السردية الكبرى للعولمة وفرض النمط الثقافي الأمريكي، ثم دخلنا في سردية جديدة الآن أقرب للسردية الإمبراطورية في النموذج الأمريكي. والأمم كما يرى إدوارد سعيد عبارة عن سرديات ومرويات، تمارس القوة لمنع وجود سرد أو مرويات مناقضة، ومن هنا، عمل صاحب كتاب «الاستشراق»على تقويض مقولات المرويات الكبرى عبر أنماط من التحليل، لاسيما في كتابه الثقافة والإمبريالية، حين يكشف عدداً من الأعمال الأدبية والفنية والتاريخية عملت كمرويات كبرى صاغت الآخر.

ويمكن الاستدلال على واقعة مهمّة صنعت جزءا هاما من السردية الخاصة بالأمة الاسلامية ونشأتها ومن ذلك ما تمّ روايته عن معركة «بدر» التي تمّ تقديمها على أنّها كانت حاسمة في نجاح الدعوة الجديدة بينما تذكر المؤرّخة الأكاديمية «حياة عمامو» في حوار أجري معها على موقع «مؤمنون بلا حدود» أنّنا نجد في المصادر جملة مفيدة جدّاً، مفادها أنّ النبيّ عندما عاد من معركة بدر واعترضته مجموعة من الأنصار يهنّئونه على هذا الانتصار الكبير، قام غلام من غلمان الأنصار(فتى)، فقال: «على ماذا تهنّئوننا، إنّنا لم نجد سوى كمشة من الشّيوخ الصُّلع فنحرناهم»، ويمكن أن نفهم من هذا القول أنّ شيوخ قريش قدموا إلى بدر على أساس الاستعراض لا على أساس القتال، لأنّ القرشيّين كما نعلم هم من أهل الحرم، وأهل الحرم حرام سفك دمائهم، سواء كانوا في أرض الحرم أو خارجها، ولهذا نفترض أنّهم لم يكونوا ينتظرون أن يقع تقتيلهم من قِبل أبناء قريش أنفسهم، خاصّة أنّنا نعلم أنّ القرشيّين عموماً لا يحسنون القتال، وقد كانوا لا يقاتلون بأنفسهم، وإنّما يقاتلون عن طريق قبائل بدويّة مثل غطفان وغيرها، لذلك فإنّ النّتيجة التي خلصتُ إليها في شرح معركة بدر هي أنّ القرشيّين انهزموا في تلك الواقعة، لأنّهم لم يكونوا مهيّئين للقتال، بل إنّهم لم يخرجوا من أجل القتال أصلاً، وهذا ما استغلّه الأنصار الذين كانت لهم دُربة على القتال، لأنّهم تقاتلوا كثيراً في ما بين عشائرهم منذ ما قبل الإسلام، وهذا ما ساعدهم على أن يسجّلوا انتصاراً ساحقاً في معركة بدر. و حتّى ندرك أهمية الوظيفة الإيديولوجية للسردية الخاصّة بكل أمّة فإن هذه المراجعة العلمية التي تقوم بها «حياة عمامو» لا تغيّر شيئا من إيمان المسلمين بأهمية معركة بدر في تاريخهم ومتخيّلهم الإيديولوجي فضلا عن أنّ الإلحاح عليها يتناسى الوظيفة الإيديولوجية لرواية التّاريخ وهي وظيفة تتمّ بإرادة المؤرخين أو دونها.