الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



نقاط وحروف

معجم اللّغة المسرحية وعودة لقضايا ترجمة المصطلح الغربي


كمال الشيحاوي

منذ أيام أهداني الصديق «رمضان العوري» بسعادة مشوبة بشيء من الأسف نسخة من مؤلّفه الذي أنجزه صحبة زميله الجامعي «التيجاني الصلعاوي» «معجم اللّغة المسرحية، مع ثبت في المصطلح». فأما السعادة فلكون المعجم الذي قضّى وصديقه «الصلعاوي» سنوات في إنجازه قد نشر في طبعة جيّدة عن مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدّولي بالمملكة العربية السعودية وأمّا الأسف فيعود لكون المعجم غير متوفّر في المكتبات التونسية والعقد الممضى مع المركز لا يسمح لهما بإعادة نشر الكتاب إلاّ بعد مرور عشر سنوات كاملة من طبعته الأولى. طبعا الأمل قائم في أن تتوفّر نسخ من المعجم في المكتبة الوطنية وفي عدد من المعاهد والكليات المختصّة في المسرح والفنون الدّرامية بما يفيد الباحثين وطلبة الفن الرّابع والمهتمين بشؤون النقد المسرحي.

 

ويعد المؤلّف/المعجم إضافة نوعية للمكتبة العربية بلا شكّ بترجمته وتعريبه لألف مصطلح وهو يساهم بقوّة في ملء مساحة بقيت فارغة لسنوات عديدة وذلك من أجل «تفادي العجمة من ناحية، ولإثراء المعجم المسرحي العربي بملء بعض الفجوات من ناحية أخرى. كما جاء في المقدّمة حيث يذكر المترجمان أنّهما ترجما كلمات ومصطلحات «بورلاسك» و«سينغرافيا» و«اكسسواريست» بـ «التحريف الهزلي» و«التصميم الرّكحي» و«قيم اللّواحق» ومع ذلك بقي نصيب ضئيل من المصطلحات الأعجمية على حاله إذ لم نعثر له على مقابله المناسب في اللّغة العربية، من ذلك مثلا ألفاظ «الساتيري» و«الباروكي» و«الكلاسيكي».(المقدّمة، ص06). ويذكّر المترجمان في المقدّمة بالصعوبات المنهجية التي تم اعتمادها في إنجاز هذا المعجم كما يبرزان فلسفتهما، أي رؤيتهما الفكرية لكثير من القضايا المرتبطة بترجمة المصطلح الاجنبي ومن أمثلة ذلك استبدالهما لمصطلح «التجميل» بـ «الزينة الدّرامية» وذلك لأن التجميل في العربية يحمل معنى إيجابيا دائما بينما «الماكياج» في المسرح أكثر اتساعا فهو لا يبرز الجميل فقط بل يبرز القبيح وغير ذلك من الصفات بحسب متطلّبات الدور وطبيعة الشخصية.

وخلال لقائي مع «رمضان العوري» امتد حوارنا إلى استذكار المحطّات التي مرّ بها تعريب المصطلح المسرحي والقضايا والاشكاليات التي طرحت خلال أكثر من قرن هو عمر هذا الفنّ في البلاد العربية والجدل الذي ما يزال مستمرّا بين المعنيين بالفنّ الرّابع، تدريسا وإبداعا وبحثا في قضايا تعريب المصطلح المسرحي في الأخذ بتعريب هذا المصطلح أو الامتناع عن استعماله لغرابته وعدم دقّته.

وبالنظر إلى هذه القضية التي شغلت العرب في ترجمة المصطلحات والكلمات والمفاهيم التي تطوّرت في شتّى الفنون والمناهج الحديثة لدى الغرب يلاحظ اتجاهان كبيران في تونس والعالم العربي، اتجاه لا يرى ضرورة للترجمة والتعريب حين يصعب إيجاد المرادف الدّقيق للمصطلح ومن ثمّة يفضّل استخدام المصطلح في أصله الغربي واتجاه آخر يرى من الواجب البحث عن مرادف عربي وأنّه بالإمكان تشريك المترجمين العرب وإيجاد شبكات تواصل بينهم لتوحيد اختياراتهم وتعميمها لدى مستخدمي اللّغة العريبة وهو ليس بالأمر الصعب على لغة أثبتت قدرتها على التفاعل والتطوّر في مجال التعريب.

وعموما يلاحظ كثيرا أنّ هناك صعوبة مضاعفة لدى المترجمين حين يتصل الأمر بعلم أو فنّ ليس للعرب فيه مساهمة وتاريخ والمسرح كما هو سائد في الدّراسات الرّائجة من الفنون التي لم يستسغها العرب كثيرا ولم يهتموا بها عندما ترجموا عن اليونان وثمّة تفسيرات مختلفة لهذا الأمر منها أن العرب لم يستسيغوا الصبغة الشعرية للمسرح اليوناني وقد كان ظنّهم أنّهم أمة الشعر ولا تفوقهم أمّة في ذلك وثمّة من أرجع الأمر إلى أن البنية الدّرامية والتراجيدية للمسرح لم تكن لتتلاءم و الثقافة العربية الاسلامية التي لم تكن تستسيغ هذه الرؤيا للعالم. وقد كتب الباحث التونسي محمد عزيزة في مؤلفه «الإسلام والمسرح» : وأخيرا عندما أراد (ابن رشد) أن يترجم كتاب (فن الشعر) لأرسطو واجهته صعوبة لغوية دقيقة عندما وجد نفسه أمام كلمتي (الكوميديا) و(التراجيديا). وقد خرج من هذا المأزق باستعمال كلمتين تقولان الشيء الكثير وتدلان دلالة واضحة على اتجاه تفكيره..

فقد استعمل كلمة (الهجاء) ليدلل بها على الكوميديا و(المديح) للتراجيديا.

وقد ارتكب بذلك خطأ له دلالته لأنه استبدل (الزمر الدرامية) بـ (الأنواع الشعرية) ولا شك أن ابن رشد لم يكن جاهلا خطأ ترجمته، وأن التبرير المرتبك الذي يأتي به للدفاع عن ترجمته يؤكد في نفوسنا هذا الشعور، وهو أن التفكير الإسلامي قد تجاهل أو لم يرغب في أن يتوقف أمام مفهوم التمسرح «(انتهى الشاهد).»

وقد توصل الباحث المصري سيد حامد النساج في كتابه «البناء الدرامي للمأساة عند أرسطو»، إلى رأي مخالف لما ساد من تصوّر عن جهل المسلمين بالمسرح اليوناني كما نجده عند أبرز المراجع («محمد عزيزة» «محمد مندور» و«محمد غنيمي هلال» مثلا) فكتب يقول:«واللافت للانتباه أن الرأي الواحد الذي تردد عند أولئك الباحثين اعتمد فقط على كلمتي هجاء ومدح، على اعتبار أن الأولى ترجمة للكوميديا، والثانية ترجمة للتراجيديا أو المأساة. لكن الحقيقة أن هناك مصطلحات أخرى عديدة، تكشف بالملموس معرفة الفلاسفة المسلمين للمسرح اليوناني. يكفي هنا أن نشير إلى : قوموذيا - طراغوذيا - ثيطرا - التنظيف - حسن الوجه - الدراماطا - المسكن - صناعة النفاق - المنافق الخ...

ولم يكن أولئك الفلاسفة العرب يخلطون بين الشعر اليوناني وأنواعه وبين الشعر العربي وأغراضه. إذ توجد عبارات تدل دلالة قطعية على أنهم كانوا على دراية تامة بالاختلاف بين الشعرين.

فهذا الفارابي يتكلم عن طراغوذيا، وديثرمبي، وقوموذيا، وديقرامي، ودراماطا، وايامبو، وافيقى وريطورى، واينى، وساطورى، وفيوموتا، وايفيجانا ساوس، واقوستقى .

ولم يقتصر الأمر على ذكرها فقط، وإنما تعداه إلى تحديدها. و«هي أصناف أشعار اليونانيين ومعانيها على ما تناهى إلينا من العارفين بأشعارهم وعلى ما وجدناه في الأقاويل المنسوبة إلى الحكيم أرسطو في صناعة الشعر» .

أخيرا وليس آخرا شكرا لرمضان العوري على هذه الهدية في انتظار أن تنجح مساعيه في توفير نسخ من المعجم في تونس.