الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



ندوة المسرح التونسي والتحولات الاجتماعية :

من الصراع مع القدر إلى الصراع الاجتماعي


اختارت هيئة مهرجان مسارات المسرح بالمهدية في دورته الثالثة أن يكون موضوع الندوة الفكرية « المسرح التونسي والتحولات الاجتماعية) ، وهو موضوع راهن وشائك تعدّدت زوايا النظر إليه على امتداد جلستين علميتين حضرت فيهما نخبة من الباحثين والجامعيين : ( آمنة الرميلي ، بغدادي عون ، وليد الدغسي ، محمد الكشو، الناصر عبد الدايم ، محمد الهادي الفرحاني، عبد الجليل بوقرة ، فوزية المزي، معز الوهايبي ، على العمري ، سهام عقيل ).

 

بالنسبة لمعز الوهايبي فقد اعتبر أنّ المسرح التّونسيّ في علاقته بالتحولات المسرحية لا يخرج عن مسار عالميّ للمسرح تكون فيه الصّراعات الاجتماعيّة استئنافا للعبة الصّراع مع القدر بوصفها عَصُب الفرجة المسرحيّة. فالتّطوّر التّاريخي للإنسان أدّى به إلى سياق عَلمانيّ لم يعد معه بالإمكان التّعويل على فكرة الصّراع مع القدر، كما في المسرح الاغريقي .

ولاحظ الوهايبي أنّ أهمّ حدث طبع المجتمع التّونسيّ في القرنين الأخيرين هو «الحداثة» بما تعنينه من تغيّرات في نمط العيش ومن تحوّلات في العلاقات الاجتماعيّة. و أنّ تاريخ المسرح التّونسيّ هو، بمعنى ما، تاريخ مواكبته بواكير الحداثة في تونس؛ وذلك ما يجعله تاريخا حيّا بعدُ. وبالفعل، يلاحظ كثير من مؤرّخي المسرح في تونس أنّ انتشاره كان مصاحبا للحركة الإصلاحيّة التي طبعت البلاد في النّصف الثاني من القرن التّاسع عشر. وعليه، فإنّه انطلاقا من هذه البدايات بدا المسرح التّونسيّ مبشرا بضرب من الحداثة؛ وقد يكون مضطلعا بذلك، ولكن على نحو مغاير، إلى حدّ اليوم.

وبغضّ النّظر عن الموقف من قيمة جلّ العروض المسرحيّة التي تشكّل مادّة تاريخ المسرح في تونس، فإنّ جلّها لا يعدو أن يكون طرحا فرجويّا لموقف من حدث سياسيّ أو اجتماعيّ، أو مقاربة مشهديّة لوضع اجتماعيّ وسياسيّ ضمن تمثّل مخصوص لتاريخ البلاد ولهويّتها.

النخبة والجماهير والمسرح وبورقيبة

في مداخلته قال عبد الجليل بوقرة أنّ هاجسه هو تفكيك العلاقة بين النخبة والجماهير وبورقيبة .وتساءل كيف نجح هذا الشاب المنستيري في الوصول إلى الناس في كل مناطق الجمهورية ؟

عندما أسس بورقيبة الدولة الوطنية كان يؤمن ايمانا عميقا أنه صاحب مشروع ومشروعه كان تكوين أمة تونسية ،لا فرنسية ولا مشرقية ، واستعمل وسيلة كانت رائجة في ذلك الوقت ومنتشرة انتشارا بالغا لتطبيقه ، هي الاذاعة قبل انشاء وكالة تونس للأنباء وقبل les actualités tunisiennes التي كان يتم تصويرها وبثها في قاعات السينما ( من 1957 إلى 1961-1962 ). وبالاضافة إلى فكرة الهوية الوطنية قام المشروع البورقيبي على فكرة ثانية هي تحديث المجتمع ومقاومة التقاليد البالية : (زواج كبار السن بالصغيرات ، رفض الاغنياء الاستثمارلذلك عمل بورقيبة على خلق بورجوازية وطنية ، الاعتقاد في الأولياء الصالحين ..). وقد قامت الاذاعة وعلى امتداد اسبوع كامل ببث تمثيليات وسكاتشات إذاعية تتصدى لكل هذه المظاهر. ومثلما توجهت هذه التمثيليات إلى الجمهور الواسع ( في برنامج قافلة تسير ثمة سكاتش اذاعي باللهجة البدوية ) توجهت أيضا إلى النخب ، إذ عمل فرج شوشان ومحمد بن عزيزة على تقديم مسرحيات عالمية بالفصحى بممثلين تونسيين بل امتلكا الجرأة على تقديم مسرحية السد للمسعدي . وكذلك الحال مع إذاعة تونس الدولية التي كانت تقوم ببث مسرحية فرنسية .

ولتحقيق هذا المشروع الوطني اتجهت التمثيليات الاذاعية إلى الشخصية القاعدية وخاطبتها بأسلوب مقنع وقادر على التأثير والتشكيك في القناعات القديمة الراسخة.

المسرح التونسي وسؤال الحرية

في مداخلتها تناولت سهام عقيل موضوع المسرح التونسي في علاقته بسؤال الحرية ، واعتبرت أن حدث الثورة والاحتكام إلى الشارع أسّسا لتاريخ جديد قطع كليا مع ما كان يعيشه المجتمع التونسي تحت سلطة الرقابة الشرعية والذاتية. ولا يمكن الإنكار أبدا بوجود مقاومة مسرحية قبل السقوط السياسي الأخير ،فالنخب المسرحية تعاملت بذكاء وطرافة جمالية في صراعها ومقاومتها لسلطة المنع .

من ذلك مسرحية «مذكرات ديناصور» التي اشتغل فيها توفيق الجبالي على نص « حوارات المنفيين» لبرتولد بريشت، منزّلا لموضوع المنفى في السياق التونسي ( نفي الحرية ). كما أن انشاء فضاء التياترو الخاص هو ضرب من المقاومة ودفاع عن ضرورة وجود المسرح في مدينة ترزح تحت غطرسة التوجيه مدة ربع قرن من تاريخ تونس المعاصر. وكذلك الحال مع « مسرح فو » الذي اختار أن يواجه قسوة السلطة بابتكار لغة جمالية تُعلي من سلطة الجسد ومن سلطة الجمال، لأن الجمال هو ما تختزنه ذاكرة الوجود .

وبعد 2011.. واجه المسرح خنقا جديدا من الفكر القروسطي الذي حاول أن يحكم قبضته على المجتمع التونسي مواصلا نفس سياسات التجويع والعزل. ولكن المسرح التونسي سيظل حاملا للفكر الحرّ وسيخلق نفسه من جديد بعدهذا الأفول.

 


ك.هلالي