الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة


جديد الرّواية التونسية في منشورات «مسكلياني»
رواية «نازلة دار الأكابر» لأميرة غنيم:

قصة عشق الطاهر الحدّاد و تصفية تركة الأرشيف الرّجعي للأرستقراطية التونسية


رسائل، ذكريات، حوارات، وثائق، مخطوطات، غرف، ، بيوت، وشخصيات تتناقل روايات شتّى عن مراحل فارقة في التّاريخ الاجتماعي والثقافي لتونس من الثلاثينات إلى الخمسينات، تلك هي مناخات وأجواء رواية «أميرة غنيم» الجديدة «نازلة دار الأكابر» الصادرة حديثا عن دار مسكلياني لصاحبها الصديق شوقي العنيزي.

 

رواية كبيرة لا من حيث الحجم الطّباعي فقط (450 صفحة تقريبا) وإنما من جهة أحداثها وشخصياتها الكثيرة ووضعياتها الدّرامية التي أعادت بشكل سردي «سينمائي» رسم مشاهد ومناسبات وأحداث مميّزة في تاريخ تونس الحديث. كان المكان الأبرز في أحداث الرّواية هو تونس العاصمة، تونس العتيقة، ببيوتها وقصورها وأسواقها وزواياها وأنهجها وجامعها الأكبر ومقاهيها الشهيرة في ذلك الوقت وكانت أبرز شخصيات الرّواية، من العائلات البلدية الشهيرة لتونس العاصمة وأرباطها (عائلة النيفر، الرّصاع،) ولم تكن قصّة عشق «الطاهر الحدّاد» ورسائله لـ «للاّزبيدة » بنت علي الرّصاع المتخيّلة سوى تعلّة سردية من بين تعلاّت أخرى لأجل سرد أحداث وحكايات ومشاهد صوّرت محنة المستنيرين والاصلاحيين في محيط اجتماعي محافظ ورافض لكلّ تغيير يمكن أن يهدّد مصالحه ومواقعه.

 

تناوب السرد وتعدّد الأصوات

 

توزّعت الرّواية على عشرة أحاديث منسوبة لشخصيات محدّدة ومضبوطة بتواريخ مضبوطة وهي : من حديث الخالة لويزة ( المنزه السادس، خريف 2013) من حديث للاّجنينة (نهج تربة الباي، صيف 1956) ومن حديث سي علي الرّصاع (نهج العرّافين، صيف 1949) ومن حديث سي امحمّد النيفر (تربة الباي، خريف 1971) ومن حديث الخادمة خدّوج(مستشفى عزيزة عثمانة، شتاء 1949) ومن حديث للاّ بشيرة (نهج الخزّافين، خريف 1949) ومن حديث للاّ فوزية طليقة سي امحمد النيفر (زاوية سيدي محرز، شتاء 1951) من حديث سي عثمان النيفر (نهج تربة الباي، شتاء 1951) ومن حديث سي المهدي الرّصاع (حمام الأنف، شتاء 1943) ومن حديث سي محسن النيفر (مقبرة الزّلاج، شتاء 1978) وأخيرا حديث البدايات الذي اختتمت به الرواية.

ويبرز في الظاهر من خلال تواريخ هذه الأحاديث كيف تحرّك السرد ذهابا وإيابا بين فترات مختلفة ومتباعدة من تاريخ تونس ولكن قارئ الرّواية يتبيّن أن التركيز الأكبر كان على فترة الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي. وعبر التناوب الذي قام عليه السرد وتعدّد/الأصوات والشخصيات الرّجالية والنسوية وإعطاء مكانة للمقصي والمكبوت والمهمّش في حياة هذه العائلات التي تتظاهر بعلوّ المكانة وشدّة الانضباط والطهارة بدت الرواية أشبه بجدارية سعت من خلالها الكاتبة الى إعادة بناء سردي لفترة حاسمة في تاريخ تونس الاجتماعي والثقافي يظهر فيها تشكّل النفس الحديث والمتحرّر وهو يجاهد في مقاومة القديم الذي يأبى مغادرة منزلته التي ورثها جيلا بعد جيل.

 

عن فساد الأرستقراطية التونسية زمن الاستعمار

 

يمكن النظر إلى رواية «نازلة دار الأكابر» من جهات مختلفة منها أنّها بمثابة تصفية حساب تاريخي وسوسيولوجي وإيديولوجي لإرث ما يعرف بالطبقة الأرستقراطية التونسية التي تشكّلت من كبرى العائلات والتي كانت بيدها سلطات المال والجاه والعلم والدّين وممّا يدعم هذه الزّواية مفتتح الرّواية الذي كان بمثابة البيان/المانيفست وممّا جاء فيه« لا لوم على العائلات البلدية في مدينة تونس إذا تكبّر الأعيان من أبنائها وتغطرسوا وتبختروا واختالوا. فليست خيلاؤهم رذيلة يقترفونها عامدين، ولا معصية يرتكبونها تخسر موازينهم يوم الدّين. إن التكبّر سجيّة فيهم وطبع مركوز. بل هو كالشفة المشقوقة في الوجه، أو الأصابع الملتصقة في الكفّ: تشوّه وراثي يولد المرء به، ولا ذنب له فيه. (الرواية، ص 11). وتكشف الرواية في تفاعل عدد من مشايخ هذه العائلات وأسماءها البارزة مع كبرى الأحداث الوطنية (معركة الجلاز، الخلاف السياسي بين القديم والجديد في حزب الدستور، وكتاب الطاهر الحداد«إمرأتنا في الشريعة والمجتمع» والموقف من «هتلر» والألمان في الحرب العالمية الثانية) كيف كانت تغيّر مواقفها وآراءها ومواقعها بما يحفظ مكانتها وسلطتها التي سعت لإدامتها في كلّ المراحل والأحداث التي مرّت بها بلادنا خلال الحماية/ الاستعمار وفي فترة الاستقلال ومع جميع الحكومات التي تداولت على السلطة حتّى الثورة وما بعدها. وتبرز بعض وقائع الرواية كيف لم يستسغ عدد من شيوخها ما ناله «الطاهر الحدّاد» من شهرة عن كتابه عن المرأة وهو الآفاقي الذي لا سند له بينهم، بل كان مجرّد مدرّس يتلقى أجرا مقابل تعليمه لبعض بناة العائلات البلدية.

وبرغم ما برز في الرواية من جرأة على فضح أسرار هذه العائلات وما كانت تتكتّم عنه من رجعية وانتهازية وصلف انطلاقا ممّا روته النساء خاصّة إلاّ أنّ الصورة البانورامية التي نقلتها اشتملت على الكثير من التقدير الأمين لحرص هذه العائلات على تعليم بناتهن ومسايرة العصر واستباق تطوّره فضلا عن تعاظم الشعور الوطني لدى فئات منهم ومشاركتهم في النضال الوطني ودعمه بطرق مختلفة. وقد عكست الرواية من جهة أخرى تشابك سير هذه العائلات الأرستقراطية مع محيطها الاجتماعي الذي تكوّن ممّن يسمّون بالآفاقيين وأولاد الربط وأصحاب الصنائع ومختلف الفئات الاجتماعية لتونسيين جاؤوا من مناطق مختلفة من تونس.

 

على سبيل الخاتمة

 

ومع ما تطلّبه طول الرّواية من عناية بالتفاصيل اليومية لحياة التونسيين في تلك المراحل فقد نجحت في استبطان كوامن الشخصيات وما يعتمل داخلها من توتّر ثقافي وأخلاقي وديني وسياسي أمام خيارات التحديث أوالمحافظة، الثورة على المستعمر أو مهادنته، المراهنة على التحرّكات الشبابية والنقابية والجماهيرية أو التعويل على ديبلوماسية التفاوض وانتظار نتائج الحرب العالمية الثانية وإمكانية أن تتغير موازين القوى الدولية. ومن اللّحظات الروائية القوية التي استحضرها بعد هذه القراءة الأولى لهذه الرّواية الممتعة والدّالة على جرأة الكاتبة وصفها لعملية اغتصاب جنسي كان ضحيتها أحد الأطفال في أحد الكتاتيب وقد قام بها رجل متصابي مستغّلا الهرج والاضطراب الكبيرين اللذين حدثا مع معركة الجلاّز الشهيرة، وتعكس هذه الحادثة حجم البون الشاسع بين ما كان تهفو إليه النخبة من تحرّر وواقع المجتمع التونسي المحافظ ومشاكله ومكبوتاته كما أذكر كيف استطاع أحمد العربي تحمّل التعذيب الذي تعرّض له معوّلا على دربته وهو «ابن زاوية»على تحميل جسده ألوان العذاب خلال حفلات الزوايا.

رواية «نازلة دار الأكابر» سلسة في أسلوبها، تعرف كيف تشدّ قارئها وتتجوّل به في أزمنة وأمكنة مختلفة وهي مع ذلك مركّبة فنّيا، يتبدّل فيها الرّاوي والمروي له في كلّ فصل، ولكن دون أن يتغيّر مناخها وإيقاعها الذي منح النساء تلك القدرة الساحرة على كشف المخبوء وفضح التناقضات والتعبير عن أملهن في تغيير حقيقي لواقعهن وهو ما يمثّل أحد وجوه مقاومة المرأة التونسية للمجتمع الذكوري وذاكرته وأرشيفه الأرستقراطي الرجعي. هذه قراءة أولى لعمل جدير بكلّ العناية والتقدير.


كمال الشيحاوي