الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



نقاط وحروف

أكاديميون لكنّهم مبدعون


كمال الشيحاوي

ثمّة الكثير من الأحكام المسبّقة و من سوء الفهم في النظر لعلاقة الأكاديميين بالإبداع في بلادنا. ويبدو أنّ للفنانين والمبدعين العصاميين القادمين من خارج أسوار الجامعات والكلّيات تاريخيا دورا في تكريس الانطباع السائد بأن الإبداع والعمل الأكاديمي خطان متوازيان لا يلتقيان على خلفية أن العمل الأكاديمي يتطلّب الكثير من الدقة والصرامة والنظام بينما يميل الإبداع للحرّية والانفلات والتمرّد على الضوابط. ولعلّ في تاريخ الممارسة الإبداعية في بلادنا ما رسّخ هذا التصوّر على اعتبار أن معظم المبدعين المتميّزين من شعراء وقصّاصين وروائيين ومسرحيين كانوا عصاميين، اقترن ابداعهم بحياتهم الاجتماعية الصاخبة في نزوعهم الدائم للمغامرة في عوالم المهمّشين والخارجين عن القانون وعمّا تواضع حوله الناس في أعرافهم وأخلاقهم العامّة.

 

ولتأكيد هذه الفكرة كثيرا ما يشار إلى الحياة الهامشية التي ميّزت جماعة تحت السور الأدبية (علي الدّوعاجي ورفاقه) وإلى التكوين العصامي للكثير من المبدعين المتألقين على غرار «البشير خريف» في الرّواية و«أبو القاسم الشابي» في الشعر و«عمار فرحات» في الرسم ضمن جماعة مدرسة تونس وعدد من المبدعين الذين برزوا في ثمانينات القرن الماضي مثل الشاعر أولاد أحمد والروائيين حسونة المصباحي وحسن بن عثمان على سبيل المثال لا الحصر.

وممّا يؤكّد لنا أنّنا أمام انطباع خاطئ وسوء فهم، بل جهل أصلا بتاريخ الإبداع في بلادنا أن أكاديميين على غرار «توفيق بكار» هم الذين أبرزوا قيمة هؤلاء المبدعين العصاميين ووضعوهم في المقامات التي هم جديرون بها. فقد أكد «بكار» أن «الدوعاجي» هو أبو القصّة التونسية دون منازع وأنجزت أطاريح جامعية متميّزة حول مساهمات جماعة تحت السور والشابي و البشير خريف ومدرسة تونس ورواد الفن المسرحي والسينمائي والتشكيلي والموسيقي وما يزال العمل الأكاديمي يقوم بدوره في هذا السّياق دونما تمييز بين مبدع وآخر سوى بقيمة منجزه. ولعلّ بعض الخصومات التي وقعت بين مبدعين عصاميين وأكاديميين وصراعهم على افتكاك بعض المواقع والمسؤوليات صلب وزارة الثقافة وأنشطتها وتظاهراتها الثقافية فضلا عن ترأس وعضوية بعض الجمعيات والمنظمات والنقابات كان من أسباب هذا التشنّج الذي خفت كثيرا في السنوات الأخيرة.

ويفسّر تراجع هذا الخلاف في حياتنا الثقافية في تونس أيضا إلى تعاظم دور المؤسسات التعليمية وانتشارها ووجود الكثير من المبدعين المتألقين من ذوي التكوين الأكاديمي وتتويجهم بجوائز دولية مثل «البوكر» التي حصل عليها الجامعي«شكري مبخوت» عن روايته «الطلياني» أوّلا وثانيا إلى ترسّخ وعي قوي لدى الدّارسين والنقاد بأن العمل الإبداعي وفضلا عن حاجته الجوهرية للحرية والجرأة وروح التمرّد فإنه لا ينجح إلاّ متى توفّرت له شروط الدقة والأمانة والصرامة الفنّية والتقنية في جميع عناصر العمل الإبداعي. فالعصامية لا تعني بالضرورة التسيّب والإهمال والضعف والسذاجة كما تبرز لدى الكثير كما أن الأكاديمية لا تعني بالضرورة البرود والتجهّم والحيادية والشكلانية كما توصف عند بعض الجامعيين.

وإذا أردنا أن نحفر عميقا في خلفيات هذا الخصام وسوء الفهم فإننا نجد له جذورا في تاريخ الممارسة الفنّية في الغرب إذ اقترن ظهور الحركة الرومانسية في الآداب والفنون وعديد الحركات الأخرى المتمرّدة على تقاليد الفنّ الكلاسيكي والباروكي بانطباع سرعان ما تبينّ خطؤه وهو أن الفنّ لا يبرز إلا خارج القواعد وفي صراع مع التقاليد وعلى حافة الجنون والتلاشي وعلى أيدي أشخاص استثنائيين «مقدّسين» «مجانين» لا يظهرون إلا نادرا مثل الرسل والأنبياء.

وقد عادت هذه الموجة للظهور في القرن العشرين مع بروز مفهوم الالتزام الإيديولوجي حيث صار تقويم الإبداع مرتبطا بمواقف المبدع ومدى تورّطه واشتباكه بكبرى القضايا الخلافية الكبيرة وهو ما لم يكن مسموحا به عموما لدى الأكاديميين بينما كان متاحا لدى المهمّشين والبعيدين عن مواقع المسؤولية والسلطة. ويثبت تاريخ الفن أن هذه الأفكار والتصوّرات ما هي إلا انطباعات عامة لا حجّة لها بدليل أن تاريخ الإبداع ضم أكاديميين كبارا، كما أن المهمّشين والعصاميين ما كان لهم ليبرزوا ويتمّ تثمين آثارهم لولا جهد البحث والتحليل والتقويم الذي قام به الجامعيون في شتّى الاختصاصات والمجالات.

ومع تطوّر الدّراسات البنيوية والانشائية التي رسّخت النظر لمدوّنة المبدع بقطع النظر عن سيرته الشخصية والمهنية فقد تخلّص الباحثون كما القرّاء من كلّ السحر الذي كان يمارس بطريقة غير مباشرة في التأثير على تلقي القراء للعمل على اعتبار سيرة المبدع وحياته الخاصة ومواقفه العامة.