الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة


نقاط وحروف
تحويل متحف آيا صوفيا في تركيا إلى مسجد

معركة الرموز والدلالات..


ما يزال قرار الدولة التركية ممثلة في رئيسها «رجب طيب أردوغان» بتحويل متحف «آيا صوفيا» إلى مسجد يسيل الحبر في مختلف المنابر الإعلامية والسياسية داخل تركيا وخارجها. فقد اعتبر أنصار حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا وأغلب تعبيرات وتنظيمات الإسلام السياسي في العالم العربي التي تتلقى دعما من النظام التركي القرار صائبا باعتباره تجسيدا آخر على المستوى الرمزي والمادّي لمشروع إيديولوجي وسياسي وقومي وحضاري لا يهدف إلى مصالحة تركيا مع تاريخها الإسلامي الذي انقطع مع تجربة العلمانية التي تمّت في عهد مؤسس الدولة التركية «مصطفى كمال أتاتورك» فحسب وإنما إلى إعادة صياغة هوية الأمّة التركية الحديثة بدعم الجذور التي تربطها بالعالم الإسلامي والسعي إلى قيادته وتوجيهه. ومن جهة أخرى رأى خصوم الحزب التركي الحاكم وتنظيمات الإسلام السياسي الإخواني أن هذا القرار هو من قبيل التعسّف الإيديولوجي والسياسي على معلم سياحي وثقافي يفترض أنّه محمي دوليا من اليونسكو وأن صبغته المتحفية تجعله في منأى عن التجاذبات والحسابات السياسية والإيديولوجية الداخلية والاقليمية.

 

وبالنظر إلى مختلف الردود والتفاعلات مع هذا الخبر محليا ودوليا يلاحظ أنّ هناك اتجاهين اثنين ، اتجاه أوّل يهوّن من شأن هذا القرار ويعتبره مجرّد إجراء استعراضي، انتخابي، شكلي يحاول من خلاله حزب العدالة والتنمية التعويض عن فشله وتراجع شعبيته بالتوجه إلى ملامسة عواطف وذاكرة التيار المحافظ في الشعب التركي وإيهامه بأنّه بصدد إعادة البلد إلى تاريخها الدّيني الإسلامي بعد أحقاب من العلمنة الحادّة. ويستند أصحاب هذا الرأي الذي يقلّل من شأن هذا الخبر وتداعياته إلى الطبيعة العلمانية للدولة التركية القوية أوّلا وارتباطاتها الدولية «عضو في حلف الناتو» وبها كبرى القواعد العسكرية الأمريكية وتقاليدها الليبرالية العريقة والتي تبرز في انحسار مظاهر التدّين وقلّة رواد المساجد على كثرتها في اسطنبول التي تعرف بمدينة الألف مأذنة (ما يجعل من تحويل متحف إلى مسجد أو العكس مجرّد اجراء شكلي )واتجاه ثان يهوّل من خطورة هذا القرار ويعتبره مندرجا في سياق الدّعاية الإعلامية والإيديولوجية للحزب الحاكم التركي الذي يقود البلد في حروب إقليمية خطيرة (سوريا ، العراق و ليبيا) و يسعى بهذا القرار إلى الإيحاء بأنّ تركيا ليس لها هدف استعماري مثل فرنسا وبريطانيا وروسيا وإنما هي دولة «اسلامية» (هكذا) تقوم بواجب ديني وحضاري عبر إعادة تزعم العالم الإسلامي والحفاظ عليه وقيادته لمواجهة أعدائه التقليديين من الغرب «اليهودي/المسيحي» وقواه التي تتصارع على ثروات شعوب المنطقة (فرنسا، بريطانيا، روسيا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية).

وقد كتبت في هذا السّياق تعاليق وتدوينات كثيرة كان مضمونها أن «أردوغان» في تحالفه مع الإخوان يريد جرّ العالم إلى حروب دينية وصليبية جديدة سيكون لها أثر خطير على العلاقات بين شعوب العالم ومن ذلك تدوينة للاعلامي والروائي «حسن بن عثمان» جاء فيها « أنّ تحويل متحف «آيا صوفيا» إلى مسجد هو إعادة فتح لملفات الصراع الدينية التاريخية الدموية بين المسجد والكنيسة، وبين المسلمين والمسيحيين...وأنّه عمل عدواني شرير، سببه جنون العظمة لدى رئيس تركيا أردوغان وأوهام استئناف الخلافة لدى الإخوان، وتحقيق ما جاء في خرافة الماضي من سيطرة ومن سعادة، وهو عمل ستكون له آثار مدمّرة على المسلمين الأبرياء، الذين لا ناقة لهم ولا جمل ولا سعادة، في مثل هذه القرارات البدائية المتوحشة، التي تفتح متاحف التاريخ وكوابيسه الدموية المرعبة بين الأديان والانسان الذي يحتكر الأديان والمتاحف، وتتيح الفرصة لاستئناف الحروب ومحاكم التفتيش، في غيبوبة الحضارة.وكتبت الباحثة ومديرة المكتبة الوطنية «رجاء بن سلامة» في السّياق ذاته أنّ «تحويل أردوغان متحف آيا صوفيا إلى مسجد هو انتكاسة حضاريّة واعتداء على معلم من التّراث العالميّ وختمت تدوينتها بجملة قاطعة:«الفكر الإخواني إجراميّ حيثما وجد». وفي رأي عدد من الخبراء في الشأن التركي فإن تحويل آية صوفيا إلى مسجد يسعى إلى أن ينهي فكرة علمانية الدولة وفكرة فصل الدين عن السياسة، كما أن ذلك يعد استعادة لفكرة الإمبراطورية العثمانية التي زالت، لكن في الوقت ذاته لا يمثل صراعا بين المسيحية والإسلام لكنه سيؤدي إلى تراجع الصورة الذهنية لتركيا في المجتمعات الاوروبية خاصة وأنها ستواجه انتقادات عدة سواء من الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة.

وعلى كلّ حال فإن القرار التركي بتحويل آيا صوفيا إلى مسجد ومع أنّه قرار سيادي - لا شكّ - إلا أنّه سيكون أحد أسباب اذكاء نار الصراعات الهووية والدّينية بين الشعوب والحضارات في العالم وقد ظهرت أولى الردود في قرارات بعض الدول (اليونان مثلا) بتحويل بعض المساجد إلى متاحف وعلينا أن نتصوّر حجم الضرر والمشاكل والتداعيات الخطيرة لهذا السلوك في حالة تحوّله إلى ظاهرة عالمية. وإن كان الأمل كبيرا في أن لا تنجرف الدول والأمم الكبيرة المتحضّرة إلى هكذا سلوك مع احترامها قرارات اليونسكو الدولية الإلزامية فإن شعوبا ودولا أخرى (العراق، سوريا، ليبيا، ) متورّطة بشكل مباشر في حروب اقليمية ستجد نفسها في خضم هذه المناكفات والصراعات الدّينية والرمزية الخطيرة.


كمال الشيحاوي