الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



عن ثقافة العناية بالحيوانات الأهلية

نحن والكلاب: من يربي الآخر؟


بمجرّد رؤية عنوان يتعلّق بالحيوانات والعناية بالكلاب تحديدا في صفحة ثقافية تنطلق المصادرات والأحكام والأفكار الجاهزة من قبيل «لم يبق لنا إلا الاهتمام بالحيوانات» أو «عوض أن نصبّ كلّ جهدنا في مشاغل البشر و معاناتهم يتحدّث هؤلاء «المترفون» في أبراجهم العاجية عن العناية بالكلاب وفوائد ذلك». وهذه التراتبية في التفكير نجدها على نفس الشكل عندما يتصل الأمر بطرح قضايا «المثلية» مثلا أو «العنصرية» حيث يتزايد الصراخ بأنّها قضايا ثانوية وغير مهمّة بالقياس للقضايا الحقيقية. و الواقع غير ذلك تماما كما يبرز في جوانب عديدة منه فنحن لم نتقدّم بشكل جدّي لا في القضايا التي توصف بالأهمية ولا الثانوية ما يؤكّد حقيقة أنّ الفشل والتخلّف لا يجزأ مثلما أن التقدّم لا يجزأ أيضا كما أن القضايا كلّها متشابكة وعلى نفس القدر من الأهمية.

 

لقد صــــارت الحيوانات الأهلية والكلاب منها تحديدا مشكلا اجتمــــاعيا وبيئيا وصحيا وجماليا يهــــدّد كلّ البلاد التونسية من شمالها إلى جنوبها وفي مختلف الأحياء السكنية على اختلاف مستواها المادّي. (في حيّ الصحفيين حيث أسكن مثلا عشرات الكلاب المقيمة هناك منذ سنوات في حالة يرثى لها) وإذا كان القتل الذي ما تزال تمارسه بعض البلديات ممارسة وحشية مرفوضة دوليا فإن تعقيم الكلاب وإخصاءها يعدّان عملا طبيا وجراحيا مكلفا مادّيا بالإضافة إلى كونه مرفوضا من قبل بعض المنظمات والجمعيات المهتمة بالحيوانات الأليفة، ما يجعل التونسيين أمام مشكل حقيقي وأمام سؤال صامت «ما العمل»؟

في تنمية ثقافة العناية بالحيوانات الأهلية

وفي تقديرنا فإن ما نحتاجه إليه في الحقيقة هو تنمية ثقافة العناية بالحيوانات الأهلية والمدجّنة منها مثل القطط والكلاب (وهي بالمناسبة ثقافة حديثة ظهرت في الغرب في صالونات الأرستقراطية بداية القرن الثامن عشر وتطوّرت على نحو كبير) ونشر الوعي بأن وجود قط أو كلب بأي بيت من البيوت لا يحتاج إلى امكانيات مادّية كبيرة (معهد الطب البيطري في أريانة يوفّر التلقيح بأسعار رمزية مثلا والبلديات تقوم سنويا بحملات تلقيح مجانية) وفوائده في توازن الأطفال النفسي وسعادة أفراد العائلة كلّها أكثر من أن تحصى هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن ما يتمّ تداوله لدى «السلفيين» من «أحاديث» ضعيفة تقول بأن البيت الذي يدخله الكلب لا تدخله الملائكة وفضلا عن كونها غير صحيحة فهي تعكس تاريخا قديما في علاقة العرب/البدو بالكلاب حيث لم يكن ينظر لهم إلاّ من جهة الحاجة لها في الحراسة أو الصيد وما شابه ذلك والأصل في رؤية الإسلام للحيوانات تلك الآية الكريمة التي تؤكّد أن الحيوانات إنما هي «أمم من أمثالكم» ما يعني مسؤولية البشر في العناية بهم والحفاظ عليهم.

عن فوائد العيش مع الحيوان في المنزل

لقد كشفت دراسات عديدة أن العيش مع كلب يزيد من متوسط ​​العمر المتوقع ، ويقلل من خطر الوفاة من جميع الأسباب بنسبة هامّة. ويتمتع أصحاب الكلاب بصحة أفضل في القلب والأوعية الدموية ، وخاصة أولئك الذين أصيبوا بنوبة قلبية أو سكتة دماغية. وقالت كارولين كرامر ، أخصائية الغدد الصماء ، وأستاذة الطب: «إن العيش مع كلـــب يكون مصحوبًا دائمًا بزيادة يومية في التمارين الرياضية وانخفاض ضغط الدم وتحسين نسبة الكوليسترول في الدم وارتفاع هرمون السعادة خاصّة»..

كما أظهرت دراسة أمريكية نُشرت في عام 2018، على 27 عائلة لديها كلاب وقطط، أن البيئة المنزلية لديهم تم إثراؤها بالبكتيريا التي جلبها الحيوان. خاصة البكتيريا التي تحد من تطور الربو والحساسية لدى البشر وتعزز المناعة بشكل عام. وأظهرت دراسة أخرى كندية ، أن الأطفال الصغار الذين يتطورون في اتصال مع الحيوانات الأليفة هم أقل عرضة لأمراض زيادة الوزن والحساسية.

في تغيير النظر للوجود

لا تتسع هذه المساحة لعرض الكثير ممّا كتب عن فوائد العيش مع الحيوانات الأهلية نفسيا ووجوديا وفلسفيا ويكفي أن نشير فقط إلى أن تربية الحيوان الأهلي في البيت، قطا كان أو كلبا، تعزّز شعورا قويا لدى الأطفال بأن الطبيعة والكون يتسعان لكلّ الكائنات وأن لا تفاضل بينها وأن الإنسان الذي يتميّز عنها بالعقل وبوعيه التراجيدي بأنه كائن منذور للموت والزوال سيتعلّم منها التواضع وتجنبّ التكبّر والغطرسة ومسؤولية الحفاظ على التوازن الطبيعي وعدم إفساده بجشعه المادّي فضلا عن حكمة العيش مع الحيوانات وبساطتها فهي بالحب والحنان والاهتمام واللّعب الذي تمنحه لمن يــــحبّها تجيب بكلّ بساطة وعمق عمّا يحتاجه البشر جوهريا للأنس في هذا الكون، فهي تحرّره من أساطير البحث عن الهدف والغاية التي تملأ الأديان والإيديولوجيات وتعطيه طاقة اللّعب والسعادة والاستمتاع الخالص فقط.

 


كمال الشيحاوي