الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

جهات



توزر

«الخمــــاس» أقـــــام الواحـــة علــى عاتقــه... فتعـــرض للاستغــلال



الخمّاس في ثقافة أهل الجريد التونسي ليس مجرد عامل فلاحي يتقاضى أجره نهاية كل موسم فلاحي وتحديدا بعد بيع منتوج التمور في فصل الخريف، بل هو «الشريك» حسب التسمية المحلية وهو ما يعني أنه يجسّد ثقافة واحية متفردة في خصوصياتها ومصطلحاتها. فهو الذي يغرس ويسقي ويتولى أعمال العناية بشجرة النخيل المباركة من تلقيح وتنظيف وتدلية للعراجين وفرزها إضافة إلى غراسة الأرض بالخضر والأشجار المثمرة وتنظيف الوادي وجهره ورغم المراحل التاريخية المتعاقبة التي مر فيها الخمّاس من شبه عبد لمالك الضيعة يقوم فيها حتى بالأعمال المنزلية لعائلة المالك وما حققه بعد الاستقلال من حقوق مادية ومعنوية، إلا أن وضعيته الحالية ليست في أحسن حال فهي المهنة التي يهددها الزوال بسبب تعويض الخمّاس بالعامل الفلاحي.

امتهن العمل الفلاحي داخل واحة توزر القديمة صحبة والده منذ نعومة أظافره واشتغل منذ سن الثامنة عشرة كخمّاس ظل فيها يتنقل من ضيعة الى أخرى الى غاية اليوم وامتد عمله في احداها طيلة 24 سنة، هو الطيب بن عبد السلام سلطان ذو الثلاثة والخمسين سنة الذي لا يفكر مطلقا في امتهان أي عمل آخر «فقد اندمجت مع الواحة حتى صارت قطعة مني وانا قطعة منها» هي كلمات عفوية صدرت عن الطيب تؤكد صدق مشاعره وعلاقته الروحية الحميمة بعمله وبالواحة لما يجده فيها من سكينة روحية وهدوء.

«الخمّاس» أساس الواحة

يمثل الخماس 85 بالمائة من المهن الفلاحية الموجودة في واحات الجريد وأساسا الواحات القديمة وذلك حتى تسعينات القرن الماضي فهو أساسها وعمادها وذاكرتها الحية يعرف أشجارها ونخيلها ونباتاتها وتربتها ومياهها أكثر من أهله كيف لا وهو الذي يقضي ثلثي يومه متنقلا من شجرة نخيل الى شجرة زيتون أو كروم الى خضرواتها متفقدا عاملا مجتهدا وكأن الأرض ملكه دون أن يكون للمالك أي دور أو دراية بضيعته.

لقد أقيمت الواحة على عاتق الخمّاس وبمجهوده الخاص وبوسائل بسيطة جدا يوضح الطيب سلطان مضيفا «لقد كانت المهنة ومازالت تعرض ممتهنها الى ضروب من الاستغلال من طرف المالك في بعض الأحيان حيث يقوم بعض مالكي الضيعات بطرد الخماس قبل انقضاء مدة التعاقد الشفاهي حتى لا يتم تمكينه من كامل خمسه من منتوج الضيعة».

رغم ما تمثله هذه المهنة من أهمية في المنظومة الواحية حتى تتواصل ويتم الحفاظ على ذاكرة فلاحية وثقافة ذات خصوصية وخصوصا أصناف التمور وأنواع من الخضر والغلال شكّلت تنوعا بيولوجيا في الواحة، فقد هجرها الشبان وباتت مهددة بالاندثار.

ويحبذ الشبان في وقتنا الراهن، يضيف الطيب، العمل الفلاحي المؤجر بإنجاز أعمال معينة حسب الطلب وحسب ما يتطلبه الموسم لما فيه من مردود أفضل ووقت أقل وتنحصر أغلب هذه الاعمال في تلقيح العراجين وفرزها وجني المحاصيل لذلك تبقى الواحات القديمة في رأيه في حاجة الى الخمّاس أكثر من حاجتها الى عامل فلاحي موسمي فالواحة ليست نخلة فقط بقدر ماهي منظومة فلاحية متكاملة تجمع غراسة الطوابق الثلاثة (نخيل وأشجار مثمرة وخضروات).

خدمة النخلة مباركة تتطلب صبرا وجهدا وفيها فوائد روحية وبدنية يختم الطيب سلطان فهي شجرة ارتبطت منذ الازل بالإنسان وهي هبة الله لأرض الجريد.

تشجيع الشبان على العمل الفلاحي

يرى عارف الناجي رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة والصيد البحري أنه بالنظر الى الإشكاليات العديدة التي تعاني منها الواحة القديمة من بينها عزوف اليد العاملة فعلى الدولة أن تتحمل مسؤوليتها بتشجيع الشبان على العمل الفلاحي وتوفير اختصاصات جديدة بمركز التكوين المهني الفلاحي في زراعة النخيل بدقاش وتوفير المنح التشجيعية لاستقطابهم وهي حلول ستساهم في إعادة الاعتبار للواحة والعمل فيها وتعصيرها.

ويضيف أن الواحات القديمة بالولاية تمسح 3600 هك موزعة بين توزر ونفطة ودقاش تشكو شيخوخة الابار وغلاء تكلفة مياه الري وشحها ونضوب العيون الطبيعية هذا إضافة الى تجزئة الواحة وتشتت الملكية حتى أن بعض الضيعات لا تمسح سوى ربع هكتار ما استحال معه تعصيرها وتجديدها بعد أن أصبحت مهملة من طرف الورثة.

ويعتقد من جانبه شاكر بردولة فلاح في الواحة القديمة ورئيس نقابة الفلاحين أن البدائل لتحسين إنتاجية الواحات القديمة وتعصيرها متعددة أبرزها الميكنة فضلا عن اسناد الاعمال الفلاحية الى شركات صغرى في شكل لزمة مع تشجيع احداث شركات متخصصة في الخدمات الفلاحية وتساءل عن دور الجهات المعنية من وزارات وصناديق وهياكل في بعث صالونات دولية للنخيل توفر الفرصة للتعرف على الآلات التي تتماشى مع العمل الفلاحي داخل الواحة.

وقد يكون دور وزارة الفلاحة حسب رأيه مهما في الحفاظ على الخماس وقيمته الفلاحية الفنية رغم المطالبة بالتعصير والميكنة وذلك بتشريك الخمّاس في بعض البرامج التي يقترحها معهد البحوث في الفلاحة الواحية أو المركز الفني للتمور ومركز التكوين المهني في زراعة النخيل باستثمار ما لديه من خبرة ومهارات لتكوين أجيال جديدة تحافظ على الواحة.