الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

جهات



رئيس بلدية الهوارية يستعصي على الوالي ويتحدّى مدير المعهد الوطني للآثار

اعتداء واستيلاء على قطعة أرض مصنفة بالمغاور الأثرية


الصحافة اليوم – زياد الهاني:

رغم كل التنبيهات التي صدرت له من والي نابل ومعتمد الهوارية ومدير عام المعهد الوطني للتراث، يصر رئيس بلدية الهوارية على الترخيص لإقامة مشروع تجاري فوق موقع المغاور الأثري والامتناع عن إصدار قرار بهدم ما تم بناؤه بصورة غير قانونية، رغم ما يمثله هذا الإحداث من اعتداء على التراث الأثري للمنطقة.

 

تقع هذه المغاور بالوطن القبلي، على بعد ثلاثة كيلومترات غرب مدينة الهوارية، المعروفة قديما باسم «اكيلاريا» أو بلاد الصقر.

وهي عبارة عن كهوف يقدر عددها بـ99 مغارة تمتد لمئات الأمتار على طول جزء من الشريط الساحلي للجهة، تم حفرها من قبل السجناء والعبيد خلال العهدين القرطاجني والروماني لاستخراج الحجارة.

ويتم نقل الكتل الحجرية المستخرجة من هذه المغاور عن طريق البحر إلى قرطاج، على الجانب الآخر من خليج تونس، حيث جرى استخدامها لبناء المدينة البونية، وكذلك حصون مدينة تونس.

وقد تم تشغيل هذه المحاجر تحت الأرض منذ ما يقرب من 1000 سنة. وهي تتألف من كهوف حجرية في شكل أهرام منحوتة نصف مظلمة، ويتم الوصول إليها من قبل فتح ضيقة وتتصل مع بعضها البعض من خلال ممرات ضيقة. ومنذ سنوات تم تسوير الفتحات الجانبية الكبيرة المفضية إلى هذه الكهوف خوفا من الانهيارات الطبيعية.

وقد سبق اتخاذ قرار بغلق المواقع الأثرية التي تستقطب سنويا آلاف السياح من الداخل والخارج، مما تسبب في توقف شبه كامل للأنشطة السياحية في الجهة التي يتواجد بها أكثر من 25 معلما وموقعا تاريخيا اوأثريا غير مستغل.

وجاء قرار الغلق بدافع حماية الزوار من الأخطار التي باتت تشكلها هذه الكهوف نتيجة التصدعات التي طالت هياكلها مما يجعلها آيلة للسقوط في أية لحظة. وذلك في انتظار القيام بأعمال صيانة لم تجر بسبب عدم توفر الإمكانيات المادية اللازمة.

الوالي يتدخل

واستنادا إلى مراسلة من مدير عام المعهد الوطني للتراث بتاريخ 4 فيفري 2021، إثر معاينة مجراة بتاريخ 27/11/2018 أي قبل أكثر من عامين وبقيت دون متابعة أو اهتمام، رغم أنها أثبتت وجود أشغال دون رخصة يقوم بها أحد المواطنين بالموقع الأثري «مغاور الهوارية»، وجّه والي نابل مراسلة إلى رئيس بلدية الهوارية يدعوه فيها إلى إصدار قرار بالإيقاف الفوري للأشغال ورفع كل التجاوزات التي من شأنها أن تطمس المنطقة الأثرية وتشوهها، خاصة وأنها ذات خصوصية فريدة وتحتوي على مقاطع من الحجارة تعود إلى الفترة البونية.

وأوضح الوالي في مراسلته أن الأشغال بالمواقع الأثرية تخضع وجوبا للحصول على ترخيص مسبق من الوزير المكلف بالتراث عملا بما جاء في القانون عدد 35 لسنة 1994 المتعلق بمجلة حماية التراث والفنون التقليدية وخاصة الفصول 9 إلى 12 منها.

لكن عوض العمل بتوصية الوالي المستندة إلى القانون والرامية إلى حماية الملك الأثري والمحافظة عليه، كانت لرئيس بلدية الهوارية مقاربة مختلفة. حيث اعتبر في مراسلة جوابية بتاريخ 5/4/2021، أنه أمام عدم صدور مثال حماية وإحياء الموقع الثقافي مغاور الهوارية، يعتبر العقار المعني غير مصنف وخارج مرجع نظر المعهد الوطني للتراث، والبلدية غير ملزمة بالحصول على ترخيص مسبق من وزير الثقافة!؟

وأضاف رئيس البلدية في رده على الوالي، أن المواطن المعني بالأمر تمت الموافقة على إسناده التراخيص القانونية اللازمة بتاريخ 30/7/2020، أي بعد أكثر من عام ونصف من معاينة انطلاق الأشغال غير القانونية، من قبل لجنة الأشغال البلدية خلال اجتماع حضره مجلس التصرف في الأراضي الاشتراكية مالك الأرض موضوع الإشكال، في إيحاء ضمني بأن مجلس التصرف موافق على القرار البلدي. والحال أن المجلس البلدي وخلافا لما حاول رئيس البلدية الإيحاء به، حصل على حكم استعجالي تحت عدد 12079 بتاريخ 15/2/2021 يقضي بإلزام صاحب المشروع التجاري بوقف أشغاله فوق الأرض الأثرية.

المعهد الوطني للتراث يستغرب

في تصريح لـ«الصحافة اليوم»، أكد فوزي محفوظ مدير عام المعهد الوطني للتراث زيف ادعاءات رئيس بلدية الهوارية. وأوضح بأن موقع المغاور الأثرية مصنف بمقتضى قرار ترتيب، وأن عدم صدور مثال الحماية والإحياء المنصوص عليه بالقرار المشترك لوزيري الثقافة والتجهيز الصادر بتاريخ 16 أوت 2010 والمتعلق بإنشاء الموقع الثقافي «مغاور الهوارية»، لا ينزع البتة عن الموقع صبغته الأثرية والحماية القانونية التي يتمتع بها.

وأضاف بأنه «حتى لو افترضنا على سبيل الجدل أن الموقع فقد الحماية القانونية التي وفرها له المشرع، كيف يمكن لمسؤول بلدي منتخَب أن يضحي بتراث منطقته ويفرّط في ثروتها التاريخية، نظرا للأهمية العالمية والإنسانية لهذا الموقع»؟.

ويظهر موقف رئيس البلدية جهلا فاضحا بالقانون وانتهاكا صارخا له. ولو جاريناه في «قراءته» لمجلة حماية التراث الأثري والتاريخي، فهل نستشف من ذلك مثلا أن مدينة قرطاج بأسرها ومنطقتها الصفراء المحرمة فقدت تصنيفها الأثري، لأن مثال حمايتها وإحيائها لم يصدر لغاية اليوم!؟ علما بأن أيادٍ خبيثة هي التي تعطل إخراج هذا المثال المصيري بالنسبة الى قرطاج ومكانتها في التراث العالمي، وهو متوقف حاليا على مجرد إصدار قرار مشترك بخصوصه من وزيري الثقافة والتجهيز.

هل نفهم من ذلك أن كل الأراضي الأثرية في تونس ستصبح مستباحة وفاقدة للصبغة الأثرية التي يحميها القانون، فقط لأنها دون أمثلة للحماية والإحياء؟!

 

معتمد الهوارية يتدخل

من جهته، وأمام تعنت رئيس البلدية وامتناعه عن تطبيق القانون، قام معتمد الهوارية بتوجيه مراسلتين إلى مدير إقليم الشركة الوطنية لتوزيع المياه بمنزل تميم ومدير إقليم الشركة التونسية للكهرباء والغاز بالجهة، يطلب منهما إلغاء تعاقدهما مع المواطن المخالف اعتبارا للطابع غير القانوني للأشغال التي يقوم بها فوق أرض أثرية، وعدم تزويده لا بالماء ولا بالكهرباء لإتمام أشغاله.

كما وجه المعتمد مراسلة إلى المدير العام للمعهد الوطني للتراث، يعلمه فيها بتعنت رئيس البلدية وامتناعه عن تطبيق القانون، داعيا إياه إلى رفع قضية استعجالية بالبلدية. مع الإشارة إلى وجود شبهة فساد متأكدة في الملف.

وعلمت «الصحافة اليوم» من مصادر خاصة، أن المواطن المخالف الذي يقوم بالبناء فوق أرض أثرية على ملك مجلس التصرف بالأراضي الاشتراكية بالهوارية، يعمل نادلا بأحد مقاهي الجهة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول من يقف خلفه لإنجاز مشروع تجاري يتكلف عدة ملايين من الدنانير ويحمي بكل تحد للقانون والسلط العمومية التجاوزات الخطيرة التي يقوم بها؟

فمتى سيقع وضع حد لهذا العبث والاستهتار بالقانون والتطاول على السلط العمومية للدولة باسم التدبير الحرّ، وهل سيلجأ الوالي للمحكمة الإدارية لإلزام رئيس بلدية الهوارية باحترام القانون؟