الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

جهات



الجلسة الأولى من الندوة الفكرية للمهرجان الوطني لمسرح التجريب بمدنين:

في البحث عن الحياة المستحقة للنص المسرحي


إنّ المتتبّع للدورة 24 من المهرجان شالوطني لمسرح التجريب بمدنين ( 3-9 أفريل 2021 )، يفاجأ بالحيوية وبالنقاش الثري التي تُطرح فيه أسئلة وإشكاليات حقيقية عقب كلّ عرض،كما يفاجأ بالحضور وكثافته ونوعيته، وهو جمهور نجح في خلقه هذا المهرجان العريق .

وقد اختار المهرجان لدورته الجديدة موضوع : « الكتابة المسرحية بين الكاتب والمخرج: إشكاليات ورؤى»، لندوته الفكرية التي نسّقها الشاعر والصحفي نور الدين بالطيب، وفي الجلسة الأولى التي إلتأمت صبيحة الأحد 4 أفريل 2021 بمركز الفنون وأدارها الأستاذ محمد عبازة تم طرح العديد من النقاط الهامة.

بالنسبة إلى الأستاذ محمد الهادي الفرحاني فإنّ المبحث إشكالي والمسألة ربما تعود إلى أنّ المصطلحات (كتابة، اخراج، كتابة ركحية ...) غير محددة ورجراجة. وهو يرى أنّ الكاتب متلبّسٌ بماء نرسيس، الكاتب هو نرسيس دائما يرى صورته في العمل المسرحي فيقبض عليها، أمّا المخرج فهو المكدّر لصفاء ماء النصّ، كما تفعل الفيلة والإبل عندما تشرب ترى صورتها في الماء فتكدّرها كأنّها تخاف منها، كأنّها لا ترتوي إلا حين تتشكّل صورة أخرى.

وأضاف الاستاذ فرحاني قائلا أنّ الإخراج بقي مرتهنا إلى فكرة البيان والإبراز، بمعنى أن هناك معنى مترسب في النص ويجب إخراجه. وبقي الفعل المسرحي تحت سيطرة القول، وهي فكرة سيثور عليها برشت وأرتو وبروك، وصولا إلى ما بعد الدرامي التي شهدت تحولا في الرؤية للفنّ من مُنظّم للفوضى ( امتلاك رؤية حول المجتمع ) إلى مُخلّخل للمُنتظم.

في مداخلته تحدّث الأستاذ والفنان حمادي المزي عن تجربته في دار سندباد ( عمرها 31 سنة وأنتجت 22 عملا مسرحيا ) واعتبر أنّها كانت انعكاسا موضوعيا لما عاشته البلاد ثقافيا وسياسيا واجتماعيا، وأنّ مشروعه المسرحي مرّ بمرحلتين :

أوّلا مرحلة الحفر في الدرامية التراثية : كان ميلاد دار سندباد في اجواء ثقافية كانت تطرح قضايا الهوية والتراث والعلاقة مع الآخر (صالح القرمادي، توفيق بكار، الطاهر لبيب ...) ومساهمة فيها . ولفت المزّي إلى ضرورة التأكيد على قيمة الإلتزام في هذه المرحلة من مشروعه، كما قال أنّ الإهتمام بالتراث كافتتاح للمشروع أكسبته القدرة على امتلاك تقنية «التورية».

ثانيا مرحلة اليومنة la quotidienneté : في هذه المرحلة ثمة هزات نفسية ومسار طويل وبحث وتجريب وتجوال بين المدارس: (الواقعية الجديدة، الغرائبية، الترميز، اللامعقول ...) وتشكيل للجسور حول مشاكل المثاقفة. واعتبر المزي أنّ المسرح وحده كان منفذا لتناول مسألة الحداثة. وأنّ نيته وهو يتابع مشروعه تكمن في مراعاة الفكرة في علاقة بالأدوات الجمالية .

واختار الفنّان علي اليحياوي في شهادته أنّ يتحدّث عن ثلاثة أعمال أنجزها في المؤسسة العمومية (مجال ابداعي تحكمه ضوابط صارمة أحيانا)، وضمن مشروع ينبع من البيئة الأنتروبولوجية للمدن التي اشتغل في مراكزها الدرامية ( قفصة ومدنين وتطاوين ).

في «نوارة الملح» (2013، مركز الفنون الدرامية بقفصة) المقتبسة عن رواية ماركيز «الوقائع الغريبة والحزينة لأرانديرا الطيبة وجدّتها الشيطانية»، قال اليحياوي أنّه اشتغل تحت ساطور عبد القادر مقداد، إذ لم يكن من السهل مغادرة الذاكرة المسرحية التي أسّس لها هذا الأخير، ومقاربة مواضيع أخرى : الهامش وعورات المجتمع. وركّز اليحياوي في هذا العمل على الشعر وعلى الصورة وغرف من أناشيد الملالي بالجهة.

في «كعب الغزال» ( 2014، مركز الفنون الدرامية بمدنين) المقتبسة عن رواية « نزيف الحجر» لابراهيم الكوني، قال اليحياوي أنّه عاش رحلة مفصلية أعاد فيها النظر في ذاكرته وذاكرة جهته، وبسبب الكوني أعاد تشكيل وعيه حول الصحراء وكانت المسرحية بداية المصالحة مع الذات المرتبكة.

وفي «رايونو سيتي» ( 2016، مركز الفنون الدرامية بمدنين) المقتبسة عن مسرحية بوغنر « فوسيك»، حاول تناول مأساة الهامش، قال اليحياوي، وتوطين الشخصية ( الجندي فوسيك ) في البيئة المحلية من خلال شخصية جامع البلاستيك التي التقاها بالشارع بمدنين، دون التضحية بالمقولات الفكرية للنصّ .

وقدمت الفنانة المسرحية سهام عقيل مداخلة عنوانها « خمسون..النص من الكيان الفكري إلى السيرورة الركحية»، سبقها تقديم حوار مُصوّر جمعها بالفاضل الجعايبي وجليلة بكّار. أدارت سهام عقيل هذا الحوار بشغف فنانة يهمّها تاريخ المسرح التونسي ومساراته الإشكالية بحثا عن أفق معرفي يحضن الجميع مع اثنين من صنّاع هذا التاريخ .

يرى الفاضل الجعايبي أن النص كجزء من العملية الإبداعية لا يمكن أن يكون حدثا سهلا أو ممكنا،وإنما هو نتاج رؤية عقلانية مُفكرة في الشكل البنيوي للأثر المسرحي،الذي يبدأ حسب قوله من اللامتناهي في الكبر إلى اللامتناهي في الصغر وبينهما يرى الجعايبي مساره المسرحي كفعل خلاقّ تنشأ فكرته من الإحساس بالخطر، والتساؤل الدائم حول مواطنته في تونس الان وهنا. أما جليلة بكار فتعتبر أنّ «لكل مسرحية حقيقتها الخاصة بها» . و الحقيقة هنا بالمعنى المتغير وليس الثابت ويعود ذلك إلى أنّ مسار ولادة هذه الحقيقة يمرّ بطريق الجدل الصعب، جدل الفكرة الإنسانية وما تحمله من تحولات ترتبط عضويا بالتاريخ والمجتمع والسياسة.

كما تعتبر جليلة بكار أن النص خرج من طور سلطة المؤلف والورقة البيضاء،ليعيش حياة أخرى بين الجدل داخل المجموعة على الركح، الذي تشبّهه مثل غرفة العمليات الخاصة بولادة إنسان جديد إلى هذه الحياة.

النص يحتاج إلى معاول متعددة وأرواح مشرفة عليه لتبعث فيه الوجود مع توفير سبل نجاته من الموت المحدق، شأنه شأن الرضيع الذي يبدأ بالصراخ ليواصل حياته المستحقة.

 


كمال الهلالي