الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

جهات



قراءة في الفصل 64 من مشروع مجلة المياه الذي يتوجه الى منع تجارة المياه المحلاة المعدة للشرب (2/2)

هل ينصف نواب الشعب المواطن البسيط في أبسط حقوقه المعيشية؟


تعتبر تونس متأخرة في مجال تجارة القرب للمياه المحلاة مقارنة بعديد الدول العربية، فتجارة المياه المحلاة عبر محطات تحلية معدة للغرض منتشرة في عديد الاحياء والمدن ومنظمة في عديد الدول خصوصا العربية التي تفتقد لمياه بجودة عالية للشرب البشري مثل الأردن ولبنان والامارات والسعودية ومصر. فالمملكة الأردنية مثلا، نظمت هذا القطاع منذ عقدين تقريبا حيث ان بعث المشروع في المجال يخضع لكراس شروط منشور في الجريدة الرسمية الأردنية.

 

ولكل ما سبق يصبح، أمرا مستغربا وغير مدروس من الناحية العلمية والاجتماعية، إصرار القائمين على منظومات مياه الشرب على منع ووضع تجارة تحلية مياه الحنفية، باستعمال تكنولوجيات عالية اصبحت في متناول ضعاف الحال، في نفس مستوى تجارة مياه العيون (المصنفة ضمن الملك العمومي للمياه) عبر وسائل نقل تصعب مراقبتها، كما وقع توجيه مشروع مجلة المياه في فصله 64 الذي يحجر توزيع وبيع المياه المعدة للشرب من الذوات الخاصة ما لم تتحصل على ترخيص من الوزير المكلف بالمياه بعد أخذ رأي الوزير المكلف بالصحة، وهذا مخالف لفلسفة تركيز السلطة المحلية والحد من المركزية المعطلة. وكل مخالف معرض لعقوبة بالسجن (16 يوما الى 3 أشهر) وبخطية مالية (بين 10 و20 ألف دينار) بينما لم ينص المشروع على أية عقوبة في حالة مخالفة مياه الحنفية للمواصفات التونسية للمياه الصالحة للشراب والتي لا ترتقي في أغلبها الى مستوى مياه الشرب التي تحترم الكائن البشري خصوصا في جانب الملوحة بما ان هذه المواصفات تسمح بتوزيع مياه بملوحة تصل 2 غ/ل وهي تعتبر مياها مالحة في أغلب دول العالم.

ومن الأسباب المقدمة لمنع بيع المياه المحلاة بطريقة التناضح العكسي (أو ما يسمى لدى الهياكل الرسمية بالمياه المعبّأة غير المراقبة)، حسب ما صرح به مدير عام إدارة حفظ صحة الوسط وحماية المحيط لجريدة الصحافة اليوم، أن المضار متعلقة أساسا بالتركيبة الفيزيوكميائية للماء الذي يفتقر لبعض المعادن والأملاح المعدنية التي يحتاجها الجسم وبالتالي يمكن أن يتسبب شرب هذه المياه في إحداث خلل على مستوى حاجيات الجسم لهذه المكونات إلى جانب وجود إمكانية تلوث جرثومي. فمثل هذا التبرير كلمة حق يراد بها باطل، حيث ان كل محطات التحلية في العالم تنتج مياها شبه خالية من الاملاح المعدنية، وهي مصحوبة بوحدة معالجة بعدية متكونة أساسا، بالنسبة الى مياه الشرب، من:

- نظام خلط للمياه المحلاة (شبه خالية من الاملاح) مع مياه طبيعية ذات ملوحة مرتفعة نسبيا او مياه الخام (مياه الحنفية مثلا) بعد المعالجة الأولية بنسب محددة تسمح بالحصول على الملوحة المرغوبة والحموضة المطلوبة، كما هو معمول به في محطات التحلية التابعة للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه وفي المحطات الخاصة ببعض انواع المياه المعلبة.

- نظام تعقيم يتكون من مصابيح الأشعة ما فوق البنفسجية يعقم المياه المنتجة بفاعلية كاملة قبل خزنها وهو أفضل من استعمال مادة الكلور.

فتنظيم منظومة تحلية مياه الحنفية لإنتاج وبيع مياه معدة للشرب وتطويرها ضمن منوال محلي للتنمية وضمن منظومة تحلية المياه في تونس له امتيازات متعددة وهي كالتالي:

- تقديم خدمات القرب للمواطن في أهم عنصر الحياة بجودة عالية مقارنة بمياه الحنفية وكلفة رخيصة مقارنة بالمياه المعلبة،

- توفير مياه صالحة للشرب وبأثمان مقدور عليها في المناطق الريفية خصوصا المعزولة منها،

- خلق فرص لبعث مشاريع تنمية محلية لأصحاب الشهائد العليا وتوفير مواطن شغل خصوصا على مستوى الاحياء الشعبية والأرياف والقرى،

- الحد من معضلة تعرض المياه المعلبة البلاستيكية لأشعة الشمس أثناء نقلها أو خزنها العشوائي وما ينجر عنها من تحلل الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في المياه المعلبة. علما ان دراستين في الولايات المتحدة وفي ألمانيا اكدتا وجود ميكرو بلاستيك في المياه المعلبة وذلك رغم برودة الطقس وصرامة الرقابة في مجال صحة المواطن وقوة تطبيق القانون في بلد مثل ألمانيا.

- تقليص هيمنة لوبيات المياه المعلبة وتوسعها واستحواذها على الموائد المائية ذات الجودة العالية مع حفظ حق أجيال المستقبل، علما ان عديد المياه المعلبة مخالفة للمواصفات التونسية في غياب رقابة فعالة.

- تقليص الضغط على الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه لتحسين جودة المياه المكلفة جدا، وهي تمر بموازنة سلبية منذ سنوات 2000، خصوصا ان 98 من المياه الموزعة تذهب في استعمالات غير غذائية وذلك بمفهوم الاستعمال النبيل للمياه.

علما ان تحلية مياه الحنفية عبر تكنولوجيات الأغشية تقضي أيضا على احتمال التلوث للمياه الصالحة للشراب الذي أقره تقرير دائرة المحاسبات لسنة 2014 (وادي مجردة الذي يمثل أحد أهم المصادر لتزويد عدد من السدود الموفرة للماء الصالح للشراب، أصبح عرضة للتلوث جراء سكب المياه المعالجة غير المطابقة للمواصفات) وعلى النسب العالية من بقايا الكلور في الماء، والتقليل بنسبة مرتفعة (90) من العناصر التي يفترض ان تكون بكميات ضئيلة (اقل من 1 في المليون) مثل: الفلوريد المتواجد بجهة قفصة والذي أثر سلبا على صحة المواطنين ويظهر ذلك جليا على الأسنان. وبصفة عامة فإن تحلية الماء في اَخر الشبكة المائية فيه اقتصاد للماء وللكلفة بما أنه يقتصر على كمية مياه الشرب التي تمثل أقل من 2 من كمية الماء الصالح للشراب.

وحتى يكرس الحق الدستوري في ماء بجودة مياه الشرب وبأثمان مقدور عليها من طرف الفئات الضعيفة والمتوسطة، يفترض تعديل الفصل 64 المتعلق بحجر توزيع وبيع مياه العيون المعدة للشرب من الذوات الخاصة. وفيما يلي اقتراح تعديل:

«مع مراعاة أحكام الفصول ....، الواردة في هذه المجلة يحجر توزيع وبيع مياه العيون المعدة للشرب من الذوات الخاصة ما لم تتحصل على ترخيص من الوزير المكلف بالمياه بعد أخذ رأي الوزير المكلف بالصحة. ويخضع انتاج وتجارة المياه المحلاة المعدة للشرب من الذوات الخاصة الى كراس شروط يصادق عليها الوزير المكلف بالمياه بعد أخذ رأي الوزير المكلف بالصحة».

بقلم أ. د. م. حمزة الفيل

باحث في مجال تحلية المياه

ورئيس مخبر بمركز بحوث وتكنولوجيات المياه