الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

جهات



أزمة الماء الصالح للشرب في «كل الوطن»

في مناطق أرضها حبلى بالعيون والوديان والسدود:


الصحافة اليوم: متابعة خالصة حمروني

ينص الفصل 44 من الدستور التونسي على أن «الحق في المياه مضمون وحماية هذا الحق وترشيد استهلاكه واجب على الدولة» لكن على ما يبدو فقط بقي هذا النص القانوني حبرا على ورق لاسيما مع ما تعيشه تونس مؤخرا من تغيرات.

 

اليوم وتونس تعيش أوضاعا متقلبة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا انكبت كل السلط المعنية - نقصد الوطنية والجهوية- على متابعة المشاورات السياسية وأخبار تشكيل الحكومة الجديدة والتي بات من الصعب معرفة رقمها بحكم التغير المتواصل للحكومات بعد الثورة وقد زاد الوضع الوبائي المقلق هذه السلطات التصاقا بمكاتبها وعدم المجازفة بالخروج للعمل الميداني خوفا من الإصابة بعدوى فيروس كورونا.

وفي خضم كل هذه المواضيع... وفي خضم كل هذه المشاكل يعيش البعض من المواطنين التونسيين في بعض أرجاء هذا الوطن محنة بعيدة كل البعد عن تشكيل الحكومة وسعر صرف الدينار... محنة أرقت حياتهم اليومية وزادتهم تعبا على تعب.

مواطنون تواجدوا في عدة مناطق - منهم من سكن الأرياف ومنهم من سكن المدن ومنهم من تحصن بسهول الجبال- وجدوا أنفسهم دون ماء صالح للشرب طيلة فصل الصيف مع درجة حرارة تتجاوز 40.

«الصحافة اليوم» عمدت في ركن «متابعات جهوية» الى التطرق الى معاناة هؤلاء وتسليط الضوء على محنتهم وحركاتهم الاحتجاجية عسى أن يحظوا بلفتة كريمة تقيهم حر الشمس وتوفر لهم ماء صالحا للشرب.

انتشار العطش في أرياف جندوبة

أولى أخبار انقطاع الماء سنبدؤها من ولاية جندوبة أين تتالت الوقفات الاحتجاجية الرافضة للانقطاعات المتواترة لمياه الشرب بعدد من مناطق الجهة.

المحتجون الذين حضروا مرارا أمام مقر الولاية، اصطحبوا لافتات تضمنت شعارات تحسيسية بالمفارقة التي لم تفهم منذ عشرات السنين والدالة على انتشار العطش في منطقة محاطة بخزانات المياه العذبة، احتجاجا على المسؤولين الذين لم يأخذوا الاحتياطات اللازمة لتفادي مثل هذه الانقطاعات على غرار ما وقع في عدد من قرى معتمدية فرنانة وغار الدماء وبوسالم وجندوبة الشمالية وغيرها، مستندين في ذلك إلى الحزام المائي الذي يحيط بأغلب التجمعات السكنية على غرار سد وادي البربر الذي يسع أكثر من 80 مليون متر مكعب من المياه العذبة وسد بوهرتمة (114 مليون متر مكعب) وسد وادي الزرقاء الذي يتسع لنحو 69 مليون متر مكعب لم تتمكن وزارتا الفلاحة والتجهيز منذ 2012 في توسيع سعته القابلة لتلك الكمية بسبب تعطل أشغال بالطريق الحزامية الزويتينة -جاء بالله طبرقة وسدي كساب وبني مطير اللذين يسعان أكثر من 100 مليون متر مكعب من المياه العذبة.

في اغلب هذه المناطق الريفية - التي تمتد على نحو 72 بالمائة من مساحة الولاية - يلتجئ عدد كبير من المتساكنين الى العيون الطبيعية لتأمين حاجياتهم اليومية من مياه الشرب.

وفي بعض القرى التابعة لمعتمدية فرنانة أغلق أيضا عشرات المحتجين على غرار الخمايلية، والمقاديم، وغزوان، بحر الأسبوع الجاري الطريق الوطنية رقم 17 الرابطة بين مدينتي جندوبة وطبرقة عبر فرنانة، احتجاجا على الانقطاع المتواصل للماء الصالح للشرب عن قراهم.

وقال بعض المحتجين، «أن الوضع تجاوز الانقطاعات العادية فالقناة التي تنقل المياه الى مدينة جندوبة هي نفسها مصدر شرب القرى المحتجة غير أن ضعف تدفق المياه حوّل كافة الكمية المحملة بالقناة، وبفعل الانحدار، الى مدينة جندوبة مقابل انقطاعها عن القرى المجاورة لمدينة فرنانة وهو ما يستوجب في نظرهم تركيز خزان إضافي احتياطي قادر على ضمان حاجة المتساكنين الذين يعدون أكثر من 800 ساكن تقريبا.

الماء بالتناوب في بعض قرى سليانة

الجارة ونخص بالذكر ولاية سليانة، تشهد المنظومة المائية بمنطقة الكنازيز بمعتمدية برقو اضطرابات في التزود بالماء الصالح للشرب خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، وذلك بسبب عدم قدرة الموارد المائية المتأتية من شبكات الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه على تزويد حوالي 300 عائلة بالمنطقة، وفق ما اوضحه، المندوب الجهوي للتنمية الفلاحية بسليانة، المنصف الهرمي. وأرجع المندوب أسباب هذه الاضطرابات الى تزايد الاستهلاك وقت الذروة ونقص الماء، حيث يسجل فرع الشركة بالجهة عجزا بقيمة 7 لترات بمدينة برقو تشهد معه المناطق الحضرية أيضا اضطرابات في التزود في عدة مناسبات.

وأشار المتحدث الى أن التوزيع بالتناوب الذي تعتمده الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه كل 3 أيام بين مجمعي أولاد عرفة الكنازيز والعريبات الدير أولاد يحيى يحول دون وصول الماء لكل المنتفعين.

وقال، في هذا الصدد، أنه تم الاتفاق بين الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه والمجامع المائية والسلط الجهوية والمحلية على اعتماد الدورة المائية بالتناوب (7ايام) بين مجمعي (العريبات الدير أولاد يحيى) و (أولاد عرفة الكنازيز) لضمان التزود المستمر بالماء الصالح للشرب ولحلحلة مشاكل الانقطاعات المتكررة للماء الصالح للشرب.

قوارير وعلب وصهاريج وأحواض في باجة

في ولاية باجة الصورة تبدو أكثر واقعية إذ تطغى صورة قوارير وعلب وصهاريج وأحواض وكل ما يمكن أن يملأ ماء جنبا الى جنب مع حنفيات وقنوات الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه «الصوناد» في أحياء تبعد قرابة 3 كيلومترات عن قلب مدينة نفزة بباجة وعلى مرمى حجر من منطقة سد سيدي البراق.

مواطنة من باجة صرحت ذات مرة «الجراثيم نحسها في كل مكان، أطفالي يعانون بسبب هذه الحرارة الشديدة رغم أننا ندفع كل ما يطلب منا للصوناد» وأخرى أضافت بحرقة «كنا نسكن بمنطقة حوض سد سيدي البراق وكان يتوفر لدينا الماء والكهرباء ومنذ أن انتقلنا الى هذه الأحياء نعاني ظروف عيش صعبة نتيجة الاضطراب المتواصل في التزود بالماء».

مفارقة كبيرة لا يدرك معاناتها إلا من يرى الماء العذب أمامه وهو ينتظر لفتة كريمة من شركة «الصوناد»: سد سيدي البراق يقع على وادي الزوارع شمال غرب مدينة نفزة ويعتبر من أكبر مخزونات المياه العذبة في تونس وقد انطلق استغلاله سنة 2000 وأهالي نفزة عطشى.

 

أحياء منوبة دون ماء صالح للشرب

غير بعيد جغرافيا عن منطقة الشمال الغربي تشهد ولاية منوبة وبالتحديد منطقة المرناقية وعدد من المناطق السكنية التابعة لها منذ أكثر من أسبوعين حالة احتقان واسعة من اجل المطالبة بإعادة التزود بمياه بني مطير الذي تم تدعيم منسوبه بمياه مركب غدير القلة في مشروع للشركة التونسّية لاستغلال وتوزيع المياه، وذلك كحل أوحد للتّرفيع في كميّات المياه الّتي يقع ضخّها في الخزّانات، وتدارك النقص الحاصل في مياه الشرب والتخفيض بنسبة هامة من ظاهرة انقطاع مياه الشرب عن المناطق الريفية.

منطقة المرناقية شهدت من قبل يوم غضب ومسيرة شعبية جابت مختلف انهج وشوارع المدينة رفع خلالها المتظاهرون شعارات ولافتات تنادي بتزويد الجهة بمياه سد بني مطير وتحسين جودتها ومحاسبة ممثلي الشركة محليا وجهويا.

الاحتجاجات شملت أيضا معتمدية برج العامري التي شهدت الأسبوع الفارط تحركات احتجاجية من اجل نفس الطلب، وذلك بغلق مداخل المرناقية والطريق السيارة تونس باجة على مستوى منزل الحبيب.

والي منوبة أرجع نقص منسوب وادي بني مطير وعدم مجابهته لحاجيات المواطنين خلال فصل الصيف الى ذروة الاستهلاك فضلا عن الاستنزاف المتواصل عبر ظاهرة البيع العشوائي التي اعتبرها سببا رئيسيا في استنزاف منسوب سد بني مطير.

أهالي الجنوب عطشى

إن تحدثنا في بادئ الامر عن الوضع في الشمال الغربي وعن الفجوة الكبرى التي تشهدها تلك المناطق: مناطق البحيرات والسدود...مناطق العيون العذبة...مناطق الوديان التي لا ينقطع خريرها صيفا وشتاء.... وقلنا ان منطقة الشمال الغربي تشهد نقصا فادحا في الماء الصالح للشرب ولخدمات الصوناد الضعيفة فمن البديهي ان تكون مناطق الجنوب أكثر ألما وأقل حظا من حيث كميات الماء وهي المناطق الصحراوية الجافة.

في ولاية تطاوين على سبيل الذكر لا الحصر عمد عدد من متساكني العمادات الجنوبية لمعتمدية البئر الأحمر (قصر أولاد بوبكر وحي هبهب والمدينة) إلى إشعال الإطارات المطاطية وإغلاق الطريق الجهوية رقم 19 الرابطة بين ولايتي تطاوين ومدنين احتجاجا على تواصل انقطاع مياه الشرب وطول انتظارهم الذي تجاوز الشهر على حد قول أحد المحتجين الذي أشار إلى عجزهم دونها عن مجابهة ارتفاع درجات الحرارة التي بلغت مؤخرا 45 درجة وحاجة المتساكنين وخاصة منهم العائدين من الخارج والعازمين على إقامة الأعراس والمناسبات العائلية، مشدّدا على مواصلة المحتجّين الاحتجاج والتصعيد إلى غاية ضمان توفر هذا المرفق الحياتي لهم.

أما عن سبب الانقطاعات المتتالية والمطولة فقد نسبها معتمد البئر الأحمر خير الدين البوخاري إلى عجز الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه عن تحديد موقع تسرّب المياه وضياعها قبل أن تصل إلى مشتركيها، مضيفا أنّ الخزان يتمّ ملؤه أكثر من مرة دون أن تعثر الشركة عن مكان ضياع المياه وذلك منذ أكثر من 25 يوما.

وأشار المعتمد إلى أنه حرص على تزويد المتساكنين عبر صهريجي المعتمدية وحماية الإرشاد الفلاحي عدة مرات قبل العيد إلا أن ذلك لا يمكن أن يعوّض تزويدهم عبر الحنفيات.

العيش دون ماء صالح للشرب في قفصة أصبح عادة حتى أن الأهالي في المتلوي والمظيلة باتوا معتادين على نمط جديد من الحياة: مع الساعة الواحدة ليلا او الساعة ثانيا يفتحون الحنفيات، يغسلون «الماعون» وينظفون بيوتهم ويشغلون الة «غسيل الملابس» يتمتعون بالحمام و«الدوش» واحدا تلو الاخر ويملؤون ما توفر لديهم من أوان كبيرة وصغيرة.

وضع معيشي صعب في المدن المنجمية. حرارة تتجاوز 45 والماء غير متوفر. حياة المواطنين أصبحت بالعكس: ليلهم نهار ونهارهم ليلا. ومع كل هذا العذاب تأتيهم في كل مرة فاتورة مختومة من الصوناد فيها مبلغ لا يستهان به.

البعض من الأهالي زحوا الى الريف أين يمارسون انشطتهم الفلاحية بحرية ويتمتعون بخدمات الماء العذبة المتأتية من الابار العميقة والبعض الاخر سافر الى مدن الساحل عسى أن يقيه البحر ونسماته العليلة من حر هذه الأيام وينسيه مشاكل الماء والسهر حتى الفجر في انتظار ما تجود به الحنفية ليلا.

الوضع في تطاوين يشبه الى حد ما الوضع في قفصة وهو يشبه أيضا الوضع في كل جهات الوطن: المتابع لأخبار كل الجهات يدرك جيدا ان مشكل التزود بالماء الصالح للشرب لا يقتصر فقط على المناطق المذكورة بل يكاد يكون ظاهرة عامة تمس اغلب المناطق لكن بتفاوت.

أهل ولاية قبلي هم الاخرون عطشى والوضع أسوأ في ولاية صفاقس التي تشهد كل صيف كما هاما من المشاكل الاجتماعية بسبب نقص الماء والامر سيان في ولاية القيروان وبعض مناطق الساحل وولاية بنزرت.

نقص الماء الصالح للشرب أصبح ظاهرة مقلقة في تونس وخدمات الصوناد أصبحت غير منتظمة والأهالي طفح بهم الكيل: كيف لهم ان يعيشوا دون ماء والماء هو سر الحياة كما يقال وخاصة مع ارتفاع درجة الحرارة. الامر الذي بات يندد بثورة جديدة: ثورة أهالي عطشى سيلجؤون الى الدفاع عن حقهم عبر تنظيم حركات سلمية ستعطل مصالح الجميع ويتطلب حقيقة حلولا استعجالية.

حلول واقتراحات

كل مسؤول جهوي يتحدث عن أزمة الماء في جهته يقول في هذا الصدد «نعم لقد سجلنا اضطرابا في توزيع المياه اعتبارا لتزايد الطلب على الماء خلال هذه الفترة التي تزامنت مع الاحتفال بعيد الأضحى وارتفاع الحرارة موضحا أن منظومة التزود بجهته هشة جدا».

كلام وتحاليل كاد الجميع يحفظهما عن ظهر قلب «إن شح المياه وكثرة استهلاكه في الفترة الحالية هما السبب في الإشكاليات التي تعرفها منطقتنا، ونحن نعمل على إيجاد حلول جذرية تضمن انتظام تدفق المياه».

الحكومة أبدت مؤخرا وعيها بخطورة الوضع، فخلال جلسة عمل وزارية، انعقدت بقصر الحكومة بالقصبة، دعا رئيس حكومة تصريف الأعمال، إلياس الفخفاخ، الى الإسراع في استكمال المشاريع التي أطلقتها الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه لتطوير نسبة التزود والاستجابة لحاجيات المواطنين.

وشدد، خلال الجلسة التي خصصت لمتابعة وضعية التزود بالمياه الصالحة للشرب خلال فترة الصيف، على ضرورة تأمين تزود كل الجهات بالمياه الصالحة للشرب، خصوصا خلال فترة الصيف، التي تعرف ذروة الاستهلاك واستغلال الموارد المائية مع الحرص على توفير مياه ذات جودة عالية للمواطنين.

في حقيقة الامر ما دعت اليه الحكومة الان هو ذاته ما دعت اليه الحكومات السابقة: مع كل حلول موسم صيف يعقد مجلس وزاري للعرض بهدف العمل على تأمين الماء وقت الذروة لكل التونسيين دون استثناء ويمر فصل الصيف والمواطنون يحتجون والسلط تدرس سبل تطوير المنظومة المائية.

لقد أشرنا في بداية موضوعنا الى أن «الماء حق ضمنه الدستور» وعلى السلط توفير هذا الحق للجميع بالتساوي. الامر لا يتطلب سنوات لدراسة الوضع وسنوات لوضع خطة وطنية وسنوات أخرى لتنفيذها. لقد طفح كيل المواطن لاسيما مع تراكم مشاكله اليومية من نقل وتأمين غذاء ومصاريف الدراسة وغلاء الأسعار إن يجد نفسه محروما من ابسط حقوقه: يجد نفسه مجبرا على شراء الماء سواء المعلب وهذا يكلفه ميزانية أخرى او ذلك الذي يباع في سيارات متجولة ويفتقد أدنى شروط السلامة وهذا يكلّفه صحته.

لقد بات الامر مقلقا إن لم نقل خطيرا وعلى المسؤولين اخذ القرارات اللازمة وتنفيذ البرامج المتروكة حبرا على ورق على رفوف مكاتبهم.

إن ما حدث مؤخرا من احتجاجات في المرناقية وصلت حد الاعتقالات سيعم كل الجهات: سيخرج الجميع مطالبين بالماء الصالح للشرب، فقط الماء - هم لا يبحثون عن الكماليات التي يتمتع بها المسؤولون: حنفية للمطبخ وأخرى لغسل السيارة وأخرى لري الحديقة – وهؤلاء ان خرجوا جميعا واتحدوا وأصروا على افتكاك حقوقهم ستعم الاحتجاجات والإعتصامات ونأمل ان لا تتحول الى بوادر ثورة اجتماعية جديدة.