الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

جهات



بين مستشفى الياسمينات ومستشفى الحروق البليغة ببـن عروس

خدمات غير استعجالية في أقسام استعجالية !!


الصحافة اليوم: خالصة حمروني

قد يقودك القدر في ليلة من ليالي رمضان بعد وجبة الإفطار وفي زمن الكورونا إلى مستشفى عمومي بتونس العاصمة وبالتحديد إلى احد الأقسام الاستعجالية.

الوقت كان ليلا والساعة تقارب الثامنة والنصف من مساء الليلة الفاصلة بين الثلاثاء والأربعاء. الوجهة كانت مستشفى الياسمينات ببن عروس والمهمة كانت إنسانية بالأساس غير أن ما عايشناه في كل من قسمي الاستعجالي بمستشفى الياسمينات أولا ومستشفى الحروق البليغة ببن عروس ثانيا تطلب كتابة هذا المقال أو الريبورتاج لتسليط الضوء على خدمات صحية بطيئة لحالات مرض استعجالية.

رباب - شابة في الثلاثين من عمرها تشتغل (أحد الإطارات السامية) في احد المصانع في المنطقة الصناعية برج السدرية وتقطن وحيدة في بيت صغير في مدينة حمام الشط- أحست منذ عودتها إلى المنزل مع الساعة الرابعة عصرا بألم في ساقها اليسرى غير أنها تغافلت عن ذلك وأعدت بصعوبة وجبة الإفطار ومع أذان المغرب جهزت طاولة الطعام وجلست غير أن الألم منعها من الأكل والتمتع بالوجبة المعدّة.

اشتدت آلام ساقها وبمجرد محاولتها الوقوف سقطت على الأرض.

كابرت الشابة ألمها وحاولت إلى أن وقفت مرة اخرى واستندت على الحائط وخرجت تستنجد بجارتها.

جارتها أيضا شابة تسكن لوحدها ولا تعرف سكان العمارة ولا يمكن أن تطلب منهم معروفا, وبمجرد أن رأت رباب على هذه الحال انتابها الخوف غير أن الوضع أجبرها على التصرف. حملت رباب إلى بيتها وتركتها ممددة على السرير واتصلت بأحد سائقي الأجرة وهو جار لهما يسكن بالقرب من محل سكناهما واستنجدت به لنقلهما إلى اقرب المستشفيات.

في القسم الاستعجالي بمستشفى «الياسمينات»

رحلتنا من حمام الشط إلى مستشفى الياسمينات لم تدم طويلا. الشوارع كانت شبه خالية بحكم قرار حظر التجول الذي ما يزال ساري المفعول. ليلتها فقط الوحدات الأمنية استقرت في بعض النقاط الحيوية لتؤدي واجب المراقبة وضمان الأمن.

في المدخل الكبير للقسم الاستعجالي بمستشفى الياسمينات يوجد باب من حديد مغلق يقف وراءه عدد من رجال «الحراسة والحماية» يمنعون دخول السيارات والمارة إلا لمن يحمل ترخيص من قسم الفرز المبدئي لكوفيد 19. الأمر الذي أجبرنا على العودة إلى الوراء والبحث عن هذا القسم.

قاعة كبيرة وضعت فيها بعض المكاتب خصص احداها لإطار طبي يراقب الوضع الصحي لكل مريض أو زائر. ولأن وضع مريضتنا منعها من النزول من سيارة الأجرة فقط غادر الطبيب مكتبه وتحول إليها لمعاينتها.

أسئلة كثيرة تطرح على المريض مثل: «هل تشعر بالحرارة؟ هل تشعر بآلام حادة في الرأس؟ هل تشعر بآلام في البطن؟ هل تعاملت مع احد المصابين بكورونا؟ وبعد هذا الاستجواب يقوم الطبيب بقياس درجة حرارة المريض. وفي حالة غياب أعراض الكورونا يمنح الطبيب ورقة كتب عليها الاسم واللقب ودرجة الحرارة, وهذه الورقة هي مفتاحك السحري للدخول إلى قسم الاستعجالي.

في قسم الاستعجالي بدا عدد المرضى قليلا قياسا بالأيام العادية غير أن إجراءات الدخول لرؤية الطبيب صعبة. مرة اخرى باب حديد كبير مغلق يقف وراءه بعض رجال الحراسة الذين ينظمون الدخول إلى قاعة المعالجة حسب الأولوية.

وبعد عملية التسجيل لم ننتظر طويلا لمقابلة الطبيب والذي أكد للمريضة بعد الفحص الأولي انه يتعذر عليه مداواتها لان وضعها الصحي يتطلب تصوير «أسفل الحوض» لمعرفة سبب ألم الساق اليسرى. وكحلّ كتب لها رسالة تفسيرية إلى مستشفى الحروق البليغة ببن عروس وأمرنا بنقلها إلى المستشفى الأخر لأن مستشفى الياسمينات على كبر مساحته، يفتقر إلى تصوير مغناطيسي.

في مستشفى الحروق البليغة

مرة اخرى حملنا المريضة التي باتت شبه مشلولة إلى قسم الاستعجالي بمستشفى الحروق البليغة والذي كغيره من المستشفيات يتطلب الدخول إليه ورقة صفراء صغيرة من قاعة الفرز لكوفيد 19.

اخبرنا المكلف بالحراسة بأننا قمنا بهذا الإجراء الروتيني في مستشفى أخر وأننا نملك رسالة تفسيرية من طبيب أخر إلا انه أوضح: «لا يمكن خرق الاجراءات, لابد من إعادة قياس الحرارة والحصول على رخصة للدخول».

وبعد إعادة إجراءات الفحص المبدئي والإجابة على الأسئلة الكثيرة منحتنا الطبيبة التي تحولت هي الأخرى إلى سيارة الأجرة لمعاينة المريضة رخصة الدخول.

في مدخل القسم الاستعجالي تكاد تكون الصورة نفسها والإجراءات نفسها. باب مغلق يقف وراءه رجال الحراسة ينادون على المرضى من شباك صغير. ولضمان وصول المريضة إلى هذا الباب والقيام بعملية التسجيل كان لابد من البحث عن كرسي متحرك والذي لم نجده في مستشفى كبير.

لا يمكن وصف وضع مريضة التي تكاد تكون مشلولة كيف لها أن تتحرك وهي تعاني كل هذا الألم. كان علينا حملها من مكان إلى آخر وفي كل مرة يتدخل احد المتواجدين هناك لمد يد العون. وفي حقيقة الأمر لمسنا حركة نبيلة من كل المتواجدين هناك ليلتها لحمل المريضة ونقلها في كل مرة يتطلب الأمر ذلك.

في قاعة التسجيل رفضوا تسجيل المريضة وطلبوا منها استشارة الطبيب إن كان سيوافق على معاينتها أم لا؟

صدمة كبيرة أحسسنا بها: أية إجراءات هذه تجبر المريض على انتظار دوره وراء قضبان حديدية لمقابلة طبيب يسأل إن كان سيوافق على معاينته أم لا؟

قسم الاستعجالي بدا مكتظا والإجراءات تتطلب أولا تسجيل المريض ثم الانتظار في البهو الكبير إلى حين يأتي دورك ويسمح لك الحارس بالدخول إلى ممر أخر وهناك تنتظر مرة اخرى دورك للدخول إلى قاعة صغيرة وجدت على يمين الممر وضع فيها مكتبين: واحد لطبيبة شابة وتبدو متربصة وأخر لطبيبة المستشفى. وفي العادة الطبيبة المتربصة هي من تقوم بالمعاينة الأولية للمريض لترفع تقريرا إلى الطبيبة الأخرى التي وزعت مهامها بين فحص المرضى ومتابعة بعض الحالات الاستعجالية التي تتطلب البقاء تحت المراقبة.

لنعد إلى وضعية المريضة رباب والتي حملها بعض الشبان وادخلوها إلى الممر الضيق بعدما حان دورها لمقابلة الطبيبة ليست للفحص إنما للاستشارة وقد وافقت الطبيبة على معاينتها.

 

كان من المفروض أن نصطحب مرة اخرى رباب إلى قاعة التسجيل غير أنها لم تستطع الوقوف فتركناها في قاعة لا نعرف إن كانت

قاعة انتظار أم قاعة لمعالجة المرضى لانها احتوت على بعض الكراسي جلس عليها المصاحبون للمرضى وبعض الأسرة تمدد فوقها المرضى.

قمنا بعملية التسجيل وبقينا ننتظر دورها الذي طال أكثر من نصف ساعة لدرجة إننا شككنا في ضياع ملفها, وبعد طول الانتظار تحركنا وسألنا عن ملف المريضة رباب ليخبروننا أنهم اخطأوا في الاسم وسجلت المريضة باسم ربح.

المهم بعد نقاش حاد بينها وبين إدارة المستشفى والقيم العام للمستشفى قابلت رباب الطبيبة التي سألتها عن بعض التفاصيل لتطلب منها القيام بصورة لأسفل الحوض.

الانتظار الممل

رجعنا إلى الممر مرة اخرى وفي يدنا ملف الصور المغناطيسية وأخذها العون أو الحارس ليضعها فوق مكتب الطبيبة المتربصة نفسها ويطلب منا الانتظار إلى حين مناداتنا.

ونحن ننتظر دورنا هالنا ما رأينا في هذه القاعة: رجل مسن مريض ممدود فوق سرير المرضى وبجانبه ابناه اللّذين سهرا على راحته وعندما أراد الجلوس قليلا أغمي عليه, استنجد ابنه الصغير بالطبيبة فقالت له: «انه يتبع قسم الجراحة، ابحث عن طبيبة الجراحة». مكتب طبيبة الجراحة كان قريبا من قاعة الانتظار: بابه كان مفتوحا لكن المكتب خالي فاستنجدا بالقيم العام للمستشفى الذي تدخل ووضع «السيروم» للمريض وانطلق يبحث عن الطبيبة المفقودة.

ونحن ننتظر دورنا صدمنا بما رأينا: مرضى حالتهم الصحية مستقرة ولا تتطلب تدخلات استعجالية لكنهم يعرفون إطارات شبه طبية نافذة في المستشفى. هؤلاء لا يخضعون لأي قانون: ليسوا مجبرين على انتظار دورهم, هم يدخلون مباشرة إلى قاعة كبيرة والأطباء هم من يتحولون إليهم وبسرعة تجهز نتيجة تحاليلهم...

ونحن ننتظر دورنا رأينا شابا يجوب الممر ذهابا إيابا وقد رفع ملابسه قليلا لان أسفل ظهره يؤلمه. تحدثا إليه لنفهم قصته: لقد تعرض إلى حادث هذا المساء. كان يقود دراجته الهوائية عندما صدمته سيارة من الخلف. سقط على الأرض, شعر بالألم أسفل الظهر غير انه تماسك وركب الدراجة مرة اخرى وعاد إلى المنزل لكن بعد مرور بعض الوقت ظهرت أسفل ظهره بقعة داكنة تميل للاحمرار فاضطر إلى المجيء إلى المستشفى. منذ الثامنة وهذا الشاب في المستشفى يمضي الوقت بين الطبيب وقاعة التحاليل والصور المغناطسية و«السكنار» لفهم سر ظهور هذا (الكيس). وبعد كل التحاليل والمعاينة طلبوا منه البقاء في المستشفى لمتابعة حالته. أصدقاؤه طلبوا منه اخذ ملفه الطبي وحمله الى مصحة خاصة غير انه رفض لأنه لا يملك المال الكافي.

ونحن ننتظر دورنا رأينا العجب: امرأة كبيرة في السن جاءت إلى الطبيبة تشكو ألما في أصابع رجلها لأنها تعاني من «عين حوتة» في ساقها وهي تشكو من السكر. فقالت لها الطبيبة «هل أتيت للمستشفى من أجل عين حوتة»؟ وكأنها ارتكبت جرما عندما قدمت للفحص والمداواة. وكأنما قاعات الاستعجالي جعلت فقط لمعالجة من يعانون سكرات الموت؟

ونحن ننتظر دورنا رأينا زوجين في مقتبل العمر من أصحاب الاحتياجات الخاصة, الرجل يبدو انه لا يرى والمرأة هي الأخرى لا تبصر كثيرا وهي من أخذت على عاتقها المجيء بزوجها إلى المستشفى لأنه يعاني آلاما حادة في رأسه. ولأنهما ضريران فقد خيرا الجلوس بعيدا ينتظران دورهما. طال انتظارهما ولم تستطع المرأة فعل شيئا. وقتها حاولنا التدخل وطلبنا بكل لطف من رجل الحراسة السؤال عن ملفهما والتسريع بدخولهما إلى الطبيبة.

مرة اخرى سمعنا الحارس ينادي «لقد حان دور المريضة ربح»، فتقدمت رباب إلى مكتب الطبيبة شبه زاحفة وبعد رؤية الصور ونقاش طبي بين الطبيبين تم منح رباب حقنة وطلبوا منا الانتظار ليرى طبيب العظام الصور. وعند سؤالنا اين مكتب هذا الطبيب؟ أجابنا الحارس: هو الآن في غرفة العمليات سينزل إلى هذه القاعة بعد قليل».

أتعرفون كم كلفتنا بعد قليل؟ أكثر من ساعة والمرضى ينتظرون في هذه القاعة قدوم الطبيب الذي حل بزيه الطبي ودخل المكتب ورأى الصور المكدسة فوق الطاولة واقفا مستعجلا في أمره وتحدث مع الطبيبتين عن بعض الحالات ليخرج مرة اخرى.

مرة اخرى رجعنا إلى الطبيبة المتربصة التي أكدت أن وضعية رباب مستقرة وخالية من الكسور لكن عليها مقابلة طبيبة الجراحة.

ونحن ننتظر دورنا أمام مكتب الطبيبة والتي جاءت بعد أكثر من ساعة انتظار تمشي على مهل تتكلم في الهاتف. دخلت المكتب وأغلقت الباب لمواصلة حديثها غير آبهة بالمرضى الذين ينتظرون هناك.

تململ المرضى هناك وبدأ البعض يسب ويشتم منتقدا الخدمات الطبية في المستشفيات العمومية ولا مبالاة بعض الأطباء. وقتها تشجّعنا وقرعنا الباب وتحدثا إلى الطبيبة وطلبنا منها معاينة المرضى.

عن مضض تركت الهاتف وجلست وراء المكتب تتابع ملفات المرضى. وعن مريضتنا رباب قالت: «لا اعرف لماذا أحالوا إلىّ ملفها إنها لا تعاني كسورا ولا تتطلب جراحة؟»

وفي سؤالنا عن تشخيص حالتها إجابتنا: «يجب نقلها إلى مستشفى الياسمينات لتقوم بالتحاليل... ربما تعاني من تعفن في المجاري البولية أو وجود حجر في الكلى».

لم يعد للحديث أهمية ولم يعد للنقاش من داع, حملنا رباب إلى سيارة الأجرة ورجعنا إلى المنزل. وفي طريقنا إلى المنزل راودتنا بعض التساؤلات: هل فعلا حق الصحة مضمون في الدستور التونسي؟ هل فعلا مستشفياتنا قادرة على ضمان هذا الحق؟ ولماذا كل من له نفوذ يتمتع بإجراءات استثنائية؟

أحد الإطارات الطبية في مستشفى الحروق البليغة قال لنا: وضع المستشفيات العمومية في تونس صعب ومعظمها يفتقر إلى التجهيزات الصحية الضرورية وهذا ما يعيق العمل ويؤخر تقديم الخدمات الصحية.