الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

جهات



بعد أن يستقر المشهد السياسي

هل من تغيير للمنوال التنموي في الجهات؟



الصحافة اليوم:خالصة حمروني

حقّق المشهد السياسي في تونس نقلة نوعية ونجاحات تذكر منذ الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن على حتى أن منوال تونس السياسي بات مرجعا ومثالا يقتدى به عالميا.

نجاح المشهد السياسي تجسد أساسا في انتقال سلس للسلطة. الأمر الذي سهل تسيير دواليب الحكم والحفاظ على هبة الدولة وحماية مؤسساتها.

وان تحدثنا عن هذه النجاحات فمن الضروري التطرق لما عاشته تونس منذ يومين من حدث سياسي ونعني هنا تنصيب قيس سعيد رئيسا للجمهورية وفق المراسم المتعامل بها.

نجاح سياسي بامتياز يحفل به تاريخ بلدنا. فتونس التي فقدت رئيسها الراحل الباجي قائد السبسي اثر وعكة صحية منذ أكثر من 3 أشهر تمكنت في ظرف وجيز من انتخاب رئيس آخر دون أن تشوب مسار الحكم شائبة أو يشهد نواقص. وللأمانة فقد لعب القائم بأعمال الرئاسة محمد الناصر دورا هاما في تحقيق هذا الاستقرار والمحافظة على ديمومة مسار الانتقال الديمقراطي.

مرحلة «صعبة» و«مفصلية»

بتقلّد قيس سعيد مراسم الحكم بدأ المشهد السياسي يتضح نوعا ما في انتظار ما ستفرزه مشاورات حركة النهضة لتشكيل حكومتها أوّلا وثانيا تولي أعضاء مجلس النواب الجدد مهامهم تحت قبة البرلمان.

ومع تشكيل حكومة نجهل إلى حد الآن ملامحها الأولية أو توجهات أعضائها، وعودة العمل البرلماني سيسدل الستار على ملف الانتخابات لتتجه الاهتمامات إلى مرحلة ما بعد الانتخابات والتعيين..مرحلة العمل والانجاز...مرحلة القرارات والتنفيذ...مرحلة جديدة لتونس الجديدة.

وان تطرقنا إلى الحديث عن مميزات هذه المرحلة فلا يسعنا إلا القول أنها «صعبة ومفصلية».

مرحلة «صعبة» لأن تونس تشهد هذه الفترة جملة من التحركات الاحتجاجية في أغلب الجهات هذا خلافا للصعوبات الاقتصادية المتراكمة منذ الثورة وحتى قبلها، و«مفصلية» لأن الجميع يتفق أن الوقت حان للحدّ من مظاهر الفوضى ومقاومة الفساد وتبني خطة محكمة تخلق ثروة وطنية عبر تجسيم منوال تنموي جديد قادر على تجاوز الفجوة الكبيرة بين الجهات والتوزيع العادل للثروة الوطنية.

قد يبدو الحديث عن خلق منوال تنموي جديد في هذه الفترة سهلا...وقد يبدو رسم خطوطه العريضة سهلا أيضا، لكن المتابع للأوضاع في الجهات ولاسيما في الجهات الداخلية يدرك صعوبة الوضع ويفهم أن الأمر يتطلب الكثير من الوقت والعمل.

ربما لن نستطيع الإلمام بكل الأسباب التي تعوق انجاز هذه المهمة لكن إن تطرقنا إلى سرد حقيقة الأوضاع في بعض المناطق ربما قد ننجح إلى حد ما في نقل صورة حية لفشل المنوال التنموي الحالي والذي يصعب في ظرف وجيز استبداله، لان معظم الأخبار المتأتية من كل البلاد تعكس بوضوح صعوبة الوضع هناك.

أهالي «قرعة العطش» عطشى

أخبارنا سنبدؤها من ولاية القصرين وبالتحديد في منطقة لا يعرف اسمها الكثيرون ولا يسمع أخبارها الكثيرون وبالتحديد منطقة «قرعة العطش» من عمادة «الشرايع» بمعتمدية سبيطلة، حيث أقدم عدد من أهالي هذه المنطقة النائية على غلق الطريق الرابطة بين مدينتي سبيطلة والقصرين باستعمال العجلات المطاطية المحترقة والحجارة وتعطيل حركة المرور.

أهالي منطقة «قرعة العطش» عمدوا إلى هذه الحركات الاحتجاجية للمطالبة بإحداث بئر عميقة لتزويدهم بمياه الشرب بصفة منتظمة في ظل الانقطاعات المتكررة لهذا المرفق الحيوي.

غريب ما نقرؤه ونسمعه عن عطش أهالي منطقة «قرعة العطش» الذين يطالبون بحق ضمنه الدستور وكل القوانين العالمية. وربما ليس بالغريب، فاسم المنطقة خير دليل على وضعها التنموي.

أهالي هذه المنطقة تحركوا أيضا بسبب تأخر تعبيد المسلك الفلاحي الرابط بين منطقتهم والمناطق الريفية القريبة. مسلك من شأنه أن يفك عزلتهم ويجعل حركة المرور من والى منطقتهم أكثر سهولة. وبخصوص البئر العميقة، الحل يتطلب تقديم مطلب في الغرض إلى المصالح الفلاحية المعنية بالجهة ليتم على ضوئه البحث عن الحلول المناسبة لتزويد المنطقة بمياه الشرب. وبالنسبة إلى المسلك المذكور فقد أفادت السلط الجوية المعنية انه تمت برمجة تعبيده في أواخر السنة الحالية. حلول قال عنها الأهالي أنها «وعود زائفة» لكن في حقيقة الأمر يمكننا القول أنها «غريبة بقدر غرابة وضع منطقة قرعة العطش التي قدر لها العطش شتاء وصيفا». الغرابة تتجسم في رد السلط الجهوية عند مطالبة الأهالي بتقديم مطلب للغرض وكأنها تجهل حقيقة الأمر.

الأوضاع الصعبة لا يعيشها فقط أهالي منطقة «قرعة العطش» من ولاية القصرين إذ يمكننا الجزم أن اغلب أرياف هذه الولاية لاسيما الواقعة على ضفاف الجبال والبعيدة عن المراكز الإدارية للولاية تعاني الاشكاليات ذاتها ويمكننا الجزم أيضا ان الوضع لا يقتصر على ولاية القصرين فقط بقدر ما يمس صعوبة الوضع المعيشي في أغلب الولايات التونسية.

تهديد بغلق الميناء في جربة

في ولاية مدنين دخل بحارة حومة السوق بجربة، في اعتصام مفتوح بميناء الصيد البحري، بعد أن عمدوا مؤخرا إلى غلقه. التحركات الاحتجاجية لبحارة حومة السوق انطلقت بداية الأسبوع للضغط على الجهات المسؤولة من أجل تشغيل رافعة تم تركيزها وتدشينها منذ أفريل 2018 ولم يتمكنوا من استغلالها.

وتمسك البحارة بمواصلة التحرك والاحتجاج إلى حين استئناف الأشغال اللازمة لتشغيل الرافعة وما تتطلبه من تدخلّ مطالبين وزارة الفلاحة وكتابة الدولة للصيد البحري بإيجاد حل لهذه المسألة، التي لم يعد البحارة يحتملون الانعكاسات السلبية لمزيد تأخيرها وتعطيلها وخاصة على مستوى مراكبهم.

البحارة المعنيون هددوا بتحركات تصعيدية احتجاجا على هذا الوضع، قد تصل إلى حد غلق الميناء وإيقاف كل خدماته. ونظرا لجدية مواقفهم فهم قادرون بالفعل على غلق الميناء بكامله غير آبهين بتعطل مصالح بلاد بأكملها ولا بالخسائر الجسيمة التي سيتكبدها هذا المركز الحيوي أولا و الاقتصاد ثانيا.

وفي الوقت الذي يحتج فيه البحارة بسبب رافعة، يتواصل في ولاية تطاوين غلق المقر الاجتماعي لشركة البيئة والغراسات والبستنة وذلك للأسبوع الثاني على التوالي.

في احتجاجات ولاية تطاوين يبدو الأمر أكثر من غريب، لأن عمال شركة البيئة والغراسات والبستنة بتطاوين (الذين لا يباشرون عملهم مثلهم مثل عمال شركات البيئة الأخرى المنتصبة في ولاية قفصة وصفاقس) يطالبون بالزيادة في الأجور مقابل عمل لا يقومون به.

والأمر الأكثر غرابة أن مصدرا مسؤولا مسؤول صرّح «بأن وزارة الصناعة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة تبدو عاجزة في الوقت الراهن عن اتخاذ أي قرار».

مصب المرجين بالقيروان

ولئن احتج أهالي القصرين المذكورين سابقا بسبب نقص الماء الصالح للشراب واحتج عمال شركة البيئة في تطاوين مطالبين بالزيادة في الأجور، فإن أهالي

منطقة الشوايحية بمعتمدية الشراردة من ولاية القيروان نفّذوا مؤخرا وقفة احتجاجية أمام بلدية الشرايطية القصور، وذلك تنديدا بمحاولة إعادة فتح مصب المرجين بمنطقة الشوايحية بعد غلقه طيلة عامين، إثر رفض أهالي المنطقة مواصلة استغلاله لعدم احترامه

المواصفات القانونية.

واعتبر المحتجون، أن هذا المصب مثّل منذ إحداثه سنة 2011 «تهديدا لصحة الأهالي بسبب الروائح الكريهة المنبعثة منه والأضرار التي تسبب فيها للضيعات الفلاحية المجاورة وخاصة أشجار الزيتون واللوز بسبب الإلقاء العشوائي لمادة المرجين».

كما اعتبروا، ان إعادة فتح المصب من جديد بعد تعرض الأهالي لسلسلة من المحاكمات اثر وقفاتهم الاحتجاجية سنة 2017 للمطالبة بغلقه، يمثل وفق تصريحاتهم «تعديا صارخا على حقوقهم في بيئة سليمة وهواء نقي حسب دستور

البلاد ويمثل تهديدا لمنتوجاتهم الفلاحية».

وضع يزداد سوءا

في ولاية سيدي بوزيد لم يحتج الأهالي فقط بل ساندهم في تحركاتهم الاحتجاجية الإطار التربوي لمدرسة ابتدائية. والأخبار الواردة من بئر الحفي تؤكد مشاركة عدد من أولياء التلاميذ والإطار التربوي للمدرسة الابتدائية أولاد خليفة في وقفة احتجاجية أمام المدرسة للمطالبة بتزويدهم بالماء الصالح للشراب وحماية التلاميذ من خطر سيارات التهريب.

وأوضح مدير المدرسة حامد عكريمي أن المدرسة تشكو منذ ماي الماضي من انقطاع الماء الصالح للشرب مما اثر سلبا على صحة التلاميذ الذين يضطرون للشرب من الماجل الموجود بالمدرسة والذي يفتقر بدوره للمؤشرات الصحية.

وتطرق عكريمي الى وجود خطر سيارات التهريب التي تمر بكثافة عبر الطريق المحاذي للمؤسسة، ودعا السلطات المعنية من امن وتجهيز إلى تركيز مخفضات سرعة وتكثيف الدوريات بالقرب من المدرسة.

وفي ولاية الكاف زاد الأمر سوءا وتجاوزنا احتجاجات الأهالي لتنتقل العدوى إلى الطاقم الطبي بالقسم الإستعجالي بالمستشفى الجهوي الذي قدم نهاية الأسبوع الماضي استقالة جماعية بعد الإنذار الذي وجّهه إلى وزارة الصحة في الغرض خلال شهر جوان الماضي على خلفية تردي الأوضاع المهنية داخل المستشفى.

وحسب ما صرح به أحد الأطباء فان ظروف العمل داخل هذه المؤسسة الاستشفائية «أصبحت لا تطاق» على حد قوله، مشيرا إلى تكرر الاعتداءات داخلها، وهو ما خلق حالة من الفوضى والخوف لدى الأطباء العاملين بالقسم الاستعجالي ودفعهم إلى تقديم هذه الاستقالة، وأضاف ان المستشفى يشكو عدة نقائص تهم سير العمل لا يمكن السكوت عنها اعتبارا لما وصفه بطابعها الحيوي.

مشكل المنوال التنموي

الحركات الاحتجاجية التي تطرقنا إليها على سبيل المثال اشتدت وتيرتها مؤخرا وانتشرت رقعتها في اغلب مناطق الجمهورية. وفي اغلبها هي حركات عفوية غير مؤطرة لاسيما تلك التي تمس الحقوق الاجتماعية مثل المطالبة بالماء الصالح للشرب أو تقريب الخدمات الإدارية والصحية أو تحسين ظروف المعيشة. وهي عبارة عن مواقف اتخذها بعض الأهالي للتعبير عن مطالب يرونها عاجلة وتتطلب تدخلات رسمية فورية.

فمن غير المعقول أن يعيش أهالي منطقة ما دون ماء صالح للشرب و للري ومن غير المعقول أن يتم إنشاء رافعة في ميناء ولا يقع استغلالها ومن غير المعقول أيضا بعث شركة تنتدب آلاف العمال دون مطالبتهم بنشاط يذكر.

ومن هذا المنطلق يمكن الحكم بأن اغلب التحركات المذكورة مشروعة وان مطالبة المسؤولين بالتدخل العاجل لإيجاد حلول أيضا مشروعة لكن يمكننا القول أيضا أن مسؤولية الأوضاع المتردية التي آلت إليها هذه المناطق لا يتحملها فقط المسؤولون الحاليون المباشرون لمهامهم بقدر ما هي نتيجة تراكمات قديمة أفرزتها السلط المتتالية على الحكم سواء على مستوى وطني أو جهوي والتي ظلت تعمل في إطار منوال تنموي قديم معتمد منذ عشرات السنين. منوال قديم اعتمدته دولة الاستقلال لأنه كان خيارا فرضته المرحلة وربما كانت خطوطه العريضة تتماشى مع خصوصيات المرحلة آنذاك لكن الأكيد أن مدة صلوحيته انتهت لان هذا الأخير اثبت منذ مدة عدم جدواه ولعل النتائج المسجلة سواء في المجال الاقتصادي أو الاجتماعي أفضل دليل.

منوال أنتج تفاوتا جهويا وتقسيما غير عادل للثروات ونسبة عالية من البطالة خاصة في صفوف أصحاب الشهائد العليا...منوال أنتج نسيجا صناعيا ضعيفا وبنية تحتية مهترئة في اغلب المناطق..منوال أنتج أريافا بلا مسالك ومدنا دون ماء ومستشفيات بلا إطارات طبية. منوال تنموي لا يسعنا القول عنه إلا أنه «فاشل» ولا يستجيب لمتطلبات المرحلة التي تعيشها تونس اليوم. تونس التي تشهد كما قلنا في بداية موضوعنا تحولات هامة لاسيما السياسية منها.

ولأن السياسة وحدها لا تساهم في تقدم البلاد ولا نجاح مسارها الديمقراطي وحده قادر على امتصاص غضب أهالي المناطق الداخلية فان الوضع بات يتطلب تغييرات أخرى من شأنها أن تحد من هذه الحركات الاحتجاجية وتستجيب لمتطلبات الجهات الداخلية. خلاصة القول أنّ الوضع يتطلب «البحث عن منوال تنموي جديد أو بديل».

منوال يستجيب لمتطلبات الجهات

إن البحث عن منوال تنموي بديل سيتطلب الكثير من الأفكار والجهود والرؤى الإستراتيجية والأكيد انه سيتطلب أيضا إرادة جماعية بقدر ما هي سياسية.

إن مجرد التفكير في المنوال التنموي يتطلب الانتباه إلى أن الأوضاع الجهوية والوطنية والعالمية تغيرت. تونس اليوم التي تمشي بخطى ثابتة لإنجاح مسارها الديمقراطي وتبني حياة سياسية جديدة لم تعد هي نفسها تونس ما قبل الثورة ولا فترة الاستقلال.

تونس اليوم تغيرت وصورتها تحسنت إلا أن اغلب مؤشراتها تراجعت. اجتماعيا نسبة الفقر فيها زادت ونسبة البطالة ارتفعت ونسبة انقطاع التلاميذ عن الدراسة ارتفعت أيضا ونسبة الإدمان هي الأخرى زاد معدلها. واقتصاديا ارتفعت مؤشرات المديونية وعجز الميزانية وعجز الميزان التجاري ومعدل التضخم . مخزون البلاد من عملتنا الصعبة تراجع وقيمة صرف عملتنا تدهور مقارنة بالعملات الأجنبية. ولتوضيح صعوبة الوضع اقتصاديا يكفي القول أن نسبة النمو ظلت تحت سقف 2 بالمائة منذ 2010.

تونس اليوم تحسّن صيتها خارجيا وتجمل صورتها لأنها برهنت للعالم أنها رغم ما عاشته من أحداث وعرفته من إرهاب، نجحت في المحافظة على مقومات الدولة وحماية شعبها وقد كان لكل من المؤسستين الأمنية والعسكرية دور في ذلك. لكن ما يعاب على بلدنا أن صورتها جميلة، لكن ظروف العيش فيها صعبة في كل الجهات على حد سواء. جهات تعاني الجوع والعطش وهي التي كانت سابقا تسمى «مطمور روما» وأخرى تعاني التلوث وانتشار الأمراض جراء المناطق الصناعية المحاذية للتجمعات السكانية وأخرى تعاني بنية تحتية مهترئة ونقصا في عدد المدارس وغياب الأدوية في المستشفيات.

ومن هذا المنطلق فقد بات ضروريا البحث عن حلول جذرية لمثل هذه المشاكل والحد منها قدر المستطاع لان المواطن التونسي في حاجة ماسة إلى مثل هذه الحلول خاصة. وهذه الحلول لن تأتي من عدم ولن تكون وليدة الصدفة بل ستكون نتاج عمل جماعي.عمل يجمع الدولة والحكومة وأعضاء مجلس النواب والمواطن أيضا.

وحده الإحساس بالمسؤولية قد يساهم في تحسين وضعية هذه المناطق والنهوض بواقعها الصعب.

فقط عندما يتحمل رئيس الجمهورية مسؤوليته تجاه المواطنين... وعندما تتوفر الإرادة للحكومة للإصلاح..وعندما يتفاعل عضو المجلس التأسيسي مع مشاكل جهته ويدافع عنها بشراسة..وعندما يتفهم المواطن حدوده ويتبنى فكرة العمل عوض الاحتجاج، ستنجح تونس في رسم منوال تنموي بديل قادر يستجيب لمتطلبات المرحلة.