الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

جهات



بسبب ثقافة «لكل جهة فانتها»

أسبوع «الفانا»: أسبوع «ساخن جدا»


الصحافة اليوم: خالصة حمروني

أيّ ذنب اقترفه هذا البلد الصغير وأي ذنب ابتلي به هذا الشعب الذي أصبح منذ الثورة غير قابل للوصف: غاضب أو ثائر أو فوضوي وأيّ ذنب اقترفته الحكومات في حق كليهما (بلد وشعب) لتصبح تونس مقسّمة وثرواتها مهمشة؟ بلد رقعته الجغرافية صغيرة سرعان ما انقسم وشعب مسالم امتلكته غريزة المطلبية والجهوية فأصبح لا يفرق بين الحق المشروع والفوضى وثروات طبيعية خرجت عن سيطرة الدولة لتصبح وسيلة ضغط ومساومة تسيطر عليها مجموعة من الشبان- طبعا كل جهة تساوم على الثروات الطبيعية الموجودة على ترابها الجغرافي ـ وتطالب الحكومة بالتنمية مقابل ضمان استغلال هذه الأخيرة (الحكومة أو الدولة) هذه الثروات المهدورة.

اسئلة كثيرة تراودنا ونحن نتابع اخبار هذا البلد - الذي تجزأ بفضل سياسات خاطئة وثقافات جديدة استنبطها ابناء هذا الشعب دفاعا عن حقوقهم المشروعة التي ضمنها دستور تونس لكن عجزت الحكومات عن تحقيقها على ارض الواقع ـ ونسرد وقائع هذا الأسبوع ـ الذي اقتصرت اخباره حول الاعتصامات والمطالب وتوقيف النشاط والاهم غلق «الفانا»...حقيقة لقد كان أسبوع الفانا بامتياز.

بدأت ثقافة «الفانا» مع أبناء تطاوين الذين اغلقوا محطة الضخ الرئيسية للنفط في صحراء تطاوين ـ التي تنتج الذهب الأسود (النفط) فيما تغرق الجهة في الفقر والتهميش ويرتفع فيها معدل البطالة لدى الشباب إلى أكثر من 30 في المائة وهو من أعلى المعدلات في البلاد ـ دفاعا عن مصالح جهتهم التنموية ومساومة الحكومة على الاستجابة لمطالبهم المتمثلة في حق أبناء الجهة في التنمية والتشغيل.

بدأت اعتصامات شباب تطاوين سنة 2017 وعرفت سلسلة من الحلقات والتسميات: اعتصامات «الكامور 1» و«الكامور2» و«الكامور 3» لتنتهي بتوقيع «اتفاق الكامور» مع الحكومة الحالية التي استجابت لمطالب المعتصمين لتضمن تواصل أنشطة الشركات الأجنبية المستغلة لآبار النفط المتواجدة في تلك المنطقة. راهن شباب تطاوين على قطاع النفط واستغل منطقة حساسة موقعا لاعتصاماته وساوم الحكومة في ثرواتها الطبيعية وجعل من «الفانا» (محطة الضخ الرئيسية) شمعدانا يتكئ عليه والة ضغط يبتز به الحكومة لتستجيب لمطالبه.

من هنا بدأت حكاية «الفانا» ومنذ ذلك التاريخ أي 2017 ونحن نتابع اخبار «الفانا» ونكتب: «المحتجون أغلقوا الفانا» أو «المحتجون فتحوا الفانا» وقد كانت أخبارها تمر دون أي وقع يذكر رغم ما كلفه غلق هذه «الفانا» على الاقتصاد الوطني لكن ما حدث مؤخرا ـ حين أصر أبناء تطاوين على غلق الفانا الى ان تستجيب الحكومة لمطالبهم واصرارهم على وقف أنشطة الشركات في تلك المنطقة - جعل من اخبار «الفانا» محل متابعة يومية ومحور نقاش حتى انه أصبح مثالا يحتذى به في الجهات الأخرى وتجربة يسعى كل الشباب الى عيشها.

في نهاية المطاف نجح شباب تطاوين في افتكاك حقوقه المشروعة ونجحت سياسة غلق «الفانا» واستجابت الحكومة لمطالبه بعد ماراطون من المشاورات والجلسات واللقاءات. نعم نجحت سياسة «الفانا» مقابل التنمية والتشغيل في تطاوين. الامر الذي شجع شباب الولايات الأخرى على تحديد الثروات الطبيعية الموجودة في مناطقه والاعتصام بجوارها...امامها...وراءها وحتى فوقها، المهم تعطيل أنشطة استغلالها ومطالبة الحكومة بالاستجابة لمطالبه مقابل ضمان عودة النشاط المعطل بسبب الاعتصام. لقد اتبع شباب كل ولاية سياسة شباب ولاية تطاوين حتى انه يتحدث عن «الفانا» ويتمسك بسياسة «الفانا» مقابل التنمية والتشغيل ولأن خيرات هذا البلد الصغير كثيرة أصبحنا نتحدث عن «فانا الفسفاط» و«فانا الغاز» و«فانا البترول» و«فانا الحبوب» و«فانا المياه» حتى البحر أصبح له «فانا».

«فانا» الفسفاط والغاز والبترول

على خطى ولاية تطاوين، أتى الدور على ولاية قابس حيث ظهرت تحركات احتجاجية تطالب بنفس مطالب شباب تطاوين حتى انهم اتخذوا نفس تحركات تنسيقية الكامور. ولأن ولاية قابس تنتج الغاز بدل البترول عمد المعتصمون الى غلق المنافذ المؤدية إلى المجمع الكيميائي بالجهة وعطلوا انتاج الغاز.

وحسب ما أكده رئيس هذه التنسيقية «فإنّهم لن يتخلوا عن هذا الاعتصام وأنّ الحكومة مطالبة بمعاملة كل الجهات بالمثل، مشيرا إلى أنّ الدولة تتحدث عن خسائر إن تواصل هذا الاعتصام، ولكنهم لا يتذكرون شباب قابس عند تحقيق أرباح بالمليارات».

مطالب المحتجّين في قابس تكاد تكون نفسها مطالب شباب تطاوين والتي تتمثل أساسا - حسب ما جاء في بيان أصدرته التنسيقية للغرض في فتح باب الانتداب الفوري بمعامل المجمع الكيميائي التونسي وبشركة البيئة والغراسة والبستنة، فضلا عن تفعيل شركة الصيانة التي تم احداثها صلب المجمع الكيميائي التونسي.

كما طالبت التنسيقية بتفعيل كل المشاريع المعطلة المضمنة في محاضر المجالس السابقة، وبإحداث صندوق التنمية والتشغيل الذي تم الاعلان عنه في المجلس الوزاري لسنة 2015، علاوة على الاسراع في إنجاز المستشفى الجامعي وكلية الطب، وبتهيئة ميناء قابس، وتفعيل الخط البحري لنقل الحاويات، والتسريع في إنجاز الطريق السريعة قابس ـ واد سوف بالجزائر.

شباب قابس المعتصم منذ قرابة 3 اسابيع أكد «ان الحكومة تتحمّل المسؤولية الكاملة في الوضع الصعب الذي تشهده ولاية قابس حيث أنها لم تقم بتفعيل القرارات التي تم اتخاذها لفائدة الجهة في العديد من المجالس الوزارية وفي مقدمتها القرارات المتعلقة بالتنمية والاستثمار والتشغيل».

شبّان منطقة «غنوش» الذين أغلقوا المدخل الجنوبي للمجمع الكيميائي التونسي على مستوى معامل تعبئة قوارير الغاز المنزلي عبّروا عن غضبهم من الوضعية التي أصبحت عليها ولاية قابس بسبب التلوّث الصناعي الذي أضرّ حسب قولهم بالبحر وبالهواء وبالفلاحة واستنزف الموارد المائية للجهة وجعل ولاية قابس في مقدمة الولايات التي بها أعلى نسبة بطالة مطالبين الحكومة بوضع حدّ لمعاناة المواطنين وبالاستجابة للاستحقاقات التنموية للجهة وفي مقدمتها استحقاق التشغيل.

ولئن بدت اعتصامات شباب ولاية قابس سلمية ومطالبه مشروعة غير أن حركاته الاحتجاجية أضرت كثيرا بمواطني الجهة ومواطني الولايات المجاورة: فبغلق «فانا الغاز المنزلي» سرعان ما افتقدت قوارير الغاز في كل المدن وتعطلت مصالح المواطنين الأساسية من طبخ وغسيل وتدفئة لاسيما في هذا الطقس البارد.

في ولاية قفصة - ومن منا لا يعرف تاريخ هذه الولاية مع الاعتصامات والاحتجاجات - اندلعت يوم الاربعاء، موجة جديدة من الاحتجاجات في عدّة مناطق تسبّبت في شلل تامّ لنشاط قطاع الفسفاط. وهي موجة أتت عقب الإعلان عن قرارات حكومية جديدة تمخضّت عن مجلس وزاري مضيّق انعقد مؤخرا بتونس العاصمة وخصّص للوضع التنموي بالجهة.

المحتجون اعتصموا بأغلب منشآت ووحدات إنتاج وإدارات شركة فسفاط قفصة واغلقوا «فانا الفسفاط» وأوقفوا أغلب أنشطة

قطاع الفسفاط الفنّية منها والادارية بكلّ من المتلوي والمظيلة والرديف وأم العرائس، بما في ذلك إنتاج الفسفاط التجاري ووسقه نحو الحرفاء.

وحسب ما صرح به مصدر من شركة فسفاط قفصة «فإن نشاط قطاع الفسفاط متوقّف حاليا بنسبة 90 بالمائة وأنّه باستثناء استمرار نشاط بعض مقاطع استخراج الفسفاط الخام، فإنّ كلّ منشآت الانتاج ومسالك نقل الفسفاط متوقفة تماما».

وعبّر عدد من المحتجين عن رفضهم لقرارات هذا المجلس الوزاري باعتبار أنّها أغفلت اتفاقات ووعود حكومية سابقة تجاه المعتصمين بعدد من مناطق الولاية. وأكدوا بهذا الخصوص أن هذا التحرك الاحتجاجي جاء على خلفية القرارات المعلن عنها التي لا ترتقي - حسب آرائهم - الى انتظارات أهالي الجهة، خاصة وأنها لم تتطرق الى موضوع أصحاب الشهائد العليا ولم تقترح حلولا لمشكلة بطالتهم.

غير بعيد عن ولاية قفصة وبالتحديد في ولاية القصرين دخل شباب المنطقة محتج في اعتصام مفتوح على مقربة من حقل الدولاب للبترول في معتمدية العيون من ولاية القصرين منذ أسبوعين، مطالب بالتنمية والتشغيل مقابل عودة انتاج البترول بمنطقة الدولاب.

وحسب ما نشرته «تنسيقية الدولاب» عبر صفحتها على «الفايسبوك» فقد تم تكوين لجنة لحماية المنشأة بعد خروج الوحدات العسكرية التي كانت تؤمن المنشأة بعد تعطل الإنتاج بالمؤسسة البترولية منذ بداية الأسبوع.

وفي ولاية القيروان هدّد عدد من شباب عمادة «سرديانة» التابعة لمعتمدية السبيخة الحكومة بغلق «فانا» الغاز المتواجدة على أراضيه والمتمثلة في مضخّة محطّة الغاز بشركة الخدمات لأنبوب الغاز العابر للبلاد التونسية.

وأعلن أنه سيمهل الحكومة أياما قبل اقتحام الشركة يوم 3 ديسمبر القادم الذي يتزامن مع موعد الإضراب الجهوي بالقيروان في حال لم تتحقق مطالبه المتمثلة أساسا في التشغيل والتنمية في الجهة ومنحهم تعويضات عن الأضرار الفلاحية والبيئية التي لحقت بكامل المنطقة «بسبب تسرب الغازات من المحطة» حسب تقديره.

وندّد المحتجون بمماطلة الحكومة وسياسة التسويف من قبل الشركة والسلط المعنية تجاه أبناء المنطقة.

القيروان وتوزر «على الخط»

في الوقت الذي تبحث فيه الحكومة عن حلول لتخفيف وتيرة التوترات الاجتماعية وتجنب إيقاف الإنتاج من جديد، أعلنت بعض الولايات عن إقرار سلسلة من الإضرابات.

ولاية باجة كانت سباقة اذ نفذت إضراب عام جهوي بالولاية يوم الأربعاء 25 نوفمبر الجاري بدعوة من تنسيقية المنظمات الوطنية التي تضمّ كل من اتحاد الشغل ورابطة حقوق الإنسان وفرع هيئة المحامين ومنظمة الأعراف واتحاد الفلاحين والاتحاد الوطني للمرأة، ويأتي هذا القرار على خلفية تمادي رئيس الحكومة في إقصاء الجهة وعدم الاستماع إلى الطلبات المباشرة منها رسالة الاتحاد الجهوي للشغل.

في ولاية القيروان قرّر المكتب التنفيذي الموسع للاتحاد الجهوي للشغل تنفيذ إضراب عام بكامل ولاية القيروان يوم الخميس 3 ديسمبر القادم.

وحسب ما صرح به الكاتب العام الجهوي للشغل، سيد السبوعي «فأن الإضراب العام سيشمل كافة القطاعات وسيكون بمعية الشركاء من المنظمات والجمعيات، داعيا «كافة أبناء الجهة وكل نشطاء المجتمع المدني إلى الانضمام إلى هذا التحرك والى توحيد الصفوف وخوض المعركة معا من أجل الدفاع عن أحقية ولاية القيروان في التنمية».

من جهته أعلن الاتحاد الجهوي للشغل بتوزر عن اعتزامه تنظيم سلسلة من التحركات الاحتجاجية في الفترة المقبلة والتي تندرج في إطار المطالب الجهوية الخاصة بالتنمية والتشغيل، وفق ما أفاد به، الكاتب العام الجهوي للاتحاد الجهوي للشغل بتوزر محمد علي الهادفي.

وأوضح الهادفي، في تصريح لـ «وات» أن هذه التحركات ستنطلق بتجمّع عمّالي تليه مسيرة مطالبة بالتنمية ثم اضراب جهوي، وذلك في حال عدم تفاعل الحكومة مع مطالب الجهة. وأشار الى أنه رغم ما تعيشه الجهة من وضع تنموي صعب إلا أن مؤشرات الحكومة تصنفها ضمن الولايات المحظوظة وهو ما دفع الى دعوة المنظمات وجمعيات المجتمع المدني لبرمجة تحركات.

ذنب الخيارات التنموية «الفاشلة»

ان المتابع لأخبار البلاد يدرك ان سلسلة الاحتجاجات هذه لن تتوقف بل من الواضح انها ستزداد رقعتها الجغرافية لتشمل كل الجهات ذلك أن كل جهة ترى انها أحق بالتنمية والتشغيل وتطالب بالتنمية والتشغيل. الامر الذي سيساهم في تواصل الحركات الاحتجاجية الرافضة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية وتوسع الحراك الاجتماعي ليشمل شرائح اجتماعية عديدة.

ومن هذا المنطلق سيصبح الاحتجاج وتعطيل العمل في قطاعات حيوية واقعا يوميا سيمس جل القطاعات الاقتصادية الحساسة وتتحمل مسؤوليته أولا الفئات الهشة المطالبة بحقها في ضمان العيش الكريم عبر توفير ضروريات الحياة من شغل وصحة وتعليم وثانيا الخيارات التنموية الخاطئة المعتمدة منذ عقود أدت الى احتكار الثروة والسلطة من طرف أقليات وساهمت بشكل مباشر في ارتفاع البطالة وفي تفاقم الفوارق الاجتماعية والجهوية وتدهور أهم الخدمات الاجتماعية واكتساح الفساد لكل القطاعات.

إن تشخيص الوضع التنموي «الخاطئ» لا يختلف فيه اثنان وعلى الحكومة الحالية استدراك ما فات الحكومات السابقة والعمل على امتصاص موجة الغضب هذه قبل فوات الأوان. وان قلنا الحل يكمن في امتصاص هذا الغضب فنحن نستبعد الحلول الأمنية بل نؤكد ان لغة الحوار والتشاور هي الأساس علاوة على البحث عن سياسة تنموية جديدة.

رئيس الحكومة المشيشي أكد مؤخرا «ان السياسة التنموية الجديدة سترتكز على الاستجابة لتطلعات المواطنين في الجهات وسيتم إيفاد فرق عمل تتألف من خبراء إلى كل الولايات من أجل تفعيل المشاريع بالتعاون مع المنظمات الوطنية بالجهات في إطار المجالس الجهوية للتنمية التي سيترأسها عضو من الحكومة».

الحل سيكمن حسب ـ رئيس الحكومة ـ في إيجاد الحلول لمختلف الإشكاليات التنموية العالقة منذ سنوات والتخلي عن إتباع السياسات المسقطة مركزيا التي لا تراعي متطلبات التنمية الجهوية معتبرا أن النهوض بالوضع الاجتماعي يتطلب انتهاج سياسات تنموية عادلة ومتضامنة مشيرا إلى أن الجهات الداخلية ظلت تعاني لعقود من التأخر التنموي الذي مثّل أحد أهم أسباب الشعور بالضيم وانعدام العدالة والمساواة.

سياسة رئيس الحكومة في تشخيص الوضع تبدو سليمة والحلول المقترحة تبدو منطقية لكن من المهم الإشارة الى أن المواطن الفاقد لموطن شغل...الذي يفتقد قارورة غاز...الذي فقد قريبا جراء بالوعة... الذي يتربص به الموت في كل اتجاه...الذي يعاني الفقر والبرد والجوع في مثل هذه الأيام الممطرة لا يتحلى بصبر أيوب.