الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

عالمية



حفل لـ «تبويس اللحي» وترتيبات جديدة للمنطقة:

قمة المصالحة خطوة في طريق مجهولة العواقب


بدأت الحياة تعود الى طبيعتها على مستوى المطارات والمعابر الحدودية بين قطر وجيرانها، وبدأ التفاؤل يعم المنطقة على أساس ان ازدهارا تجاريا وخدماتيا واقتصاديا ينتظرها مباشرة بعد انزياح غُمّة الكورونا وانتهاء هذا الوباء.

لكن المتمعن في هذه الخطوات يرى أنها لا تزال محتشمة، بل تبدو وكأنها فقط من نوع ما كان يسميّه الرئيس الراحل صدام حسين بـ «تبويس اللحيّ»، والقائم أساسا على ان يلتقي قادة الدول الخليجية او العربية كلما دعت الضرورة، فقط من أجل أن يسلّموا على بعضهم البعض أمام الكاميرات، ويحبّروا بيانا مجاملاتيا، متفقا عليه قبل التفكير حتى في موعد القمة، يحمل كلاما عاما، لا يمكن أن نقرأ من خلاله لا استشرافا للمستقبل، ولا نوايا تغيير، ولا مقترحات حلول، فقط هو ترديد للغة خشبية تتمحور حول التعاون بين الاشقاء ودرء المخاطر عن المنطقة والعمل على نصرة القضايا العادلة، والنهوض بمستقبل الشعوب العربية، والخليجية تحديدا.

وهذه العبارات هي نفسها التي تكررت في قمّة العلا الاخيرة، مضافا اليها كلمات عن طيّ صفحة الماضي، وعبارات كثيرة حول السلام القادم للمنطقة، والخطر الايراني الداهم، وهي معادلة صاغها كوشنار بعناية وتابع تصفيفها داخل البيان بانتباه وتركيز، حتى تؤدي المعنى المقصود من قمة المصالحة الخليجية حرفيا، وحتى يفهم الاخرون ان ادارة ترامب حتى وان كانت في آخر ساعاتها المتبقية الا انها حريصة كل الحرص على مستقبل اسرائيل في المنطقة، وحريصة أكثر على ان تترك لها أرضية مهيّأة لتتمدد وتزدهر وتستثمر في مجالات آمنة وحقول لم تكن تحلم أن تطأها في السابق حتى مجرّد العبور.

فالقمة في هندستها الرئيسية لا تقوم على مبدإعودة قطر الى حضن الاشقاء الدافئ، ولا على منطق رفع القيود على السفر والسياحة والاستثمار والعلاقات العائلية والعشائرية بين بلدان الجوار الخليجي، بقدر ما هي قائمة على معادلة دقيقة وتتطلب هذه الخطة لتكتمل، فكان لا بد من انجازها، وفورا ودون اعتراض من اي كان، وحتى الاشتراطات التي كانت تضعها الامارات والسعودية، سقطت كلها فجأة ولم يعد أحد يتحدث عن الثلاثة عشر طلبا خليجيا من قطر، ولا أحد يتطرق الى التعليمات الخمسة التي لا بد من تطبيقها، بل حتى ان الهجمات الاعلامية لم تتوقف بعد بين الاشقاء رغم تلاوة البيان الختامي وبدايات فتح الحدود والمطارات.

هذه المعادلة قوامها ضلعين لا ثالث لهما، والضلعان لا يمتان الى شعوب المنطقة بصلة، ولا يتطرّقان الى دول الخليج الا باعتبارها وسائل تنفيذ لا أكثر.

*الضلع الاول في المعادلة، والرئيسي والهام، هو فتح المنطقة بشكل كامل أمام النفوذ الاسرائيلي، وجعلها سوقا ضخمة شاسعة ثرية، مفتوحة على مصراعيها للاستثمار الاسرائيلي وينعم فيها العدوّ بطمأنينة كاملة، ولا تعوقه حواجز الخلافات ولا حدود الصراعات، بل هو حرّ طليق في منطقة اسلمت قيادها بالكامل للتطبيع، ودخلت عالم «الصلح والاعتراف والتنسيق والتعاون» سيرا او بالاحرى هرولة نحو التطبيع الكامل مع هذا الكيان، وتحويله الى الفاعل الرئيسي رقم واحد في المنطقة، دون عراقيل من اي نوع كانت.

*الضلع الثاني، هو الرسالة التي يريد كوشنار ان يوجهها الى ايران، والتي هي عماد السياسة الخارجية للادارة الامريكية القادمة، رغم انها من هندسة ادارة ترامب المنتهية صلاحياتها، الا ان العقل المخطط لا يتوقف عند تغير الادارات، فالرسالة الى ايران هي اننا قادرون ان نجند كل عرب المنطقة ضدك، ونستطيع ان نضرب عسكريا بأيدينا وبايدي غيرنا أيضا متى أردنا، لكننا لا ننوي الان الحرب، فقد جربناها في عهد ترامب وقتلنا القائد سليماني والمهندس وغيرهما لكننا لا نستطيع المواصلة في نفس الطريق غير مضمونة العواقب، اذن فما عليكم في طهران الا ان تفهموا الرسالة بوضوح، تعالوا الى المفاوضات، وتعالوا نقوم بمحاولة شبيهة بما قامت به ادارة أوباما ونحقق نتائج أفضل عن طريق فتح صفحة جديدة في المنطقة.

والقائمون على شؤون الحكم والاستراتيجيا في طهران فهموا الرسالة جيدا، وعرفوا ان لا مناص من القدوم الى هذه الطريق ان طوعا أو قسرا، وبدؤوا في تقديم التنازلات المقنّعة، وكانت بداياتها ايقاف تمدد الدولة السورية نحو تحرير مزيد من أراضيها المتاخمة للتواجد الامريكي في شرق الجزيرة السورية وغرب العراق، والثانية كانت بتحويل دعوات الثأر لسليماني والمهندس الى حفلات رمزية، خلقت الصورة /الاسطورة بدل ان تخلق الحدث/ الثأر.

والخطوة الثانية كانت بالاعلان عن الترفيع، نظريا، في قيمة التخصيب العالي للاورانيوم، الى حدود عشرين في المائة، واعلام المنظمة الدولية والاتحاد الاوربي بذلك عمدا حتى تكون المسألة ورقة على طاولة المفاوضات لا سعيا جديا لامتلاك السلاح النووي.

وبالتالي فعملية شدّ الاصابع أو كما يقال عضّ الاطراف بين الادارة الامريكية والايرانيين انطلقت من جديد، وهذه المرة عبر ممر الخليج، الذي عليه أن يجتمع ويتصالح ويلملم بقايا هزائمه في اليمن وسوريا والعراق ولبنان والسودان وليبيا، وأن يركّز فقط على «العدو الايراني الخطير والمتربص» كما جاء في بيان قمة العلا، وعلى اسرائيل ان تستغل هذه المخاوف وهذه الهواجس التي يغذيها الاعلامي الامريكي والاوروبي على مدار الساعة من أجل ان توطّد وجودها وتقوّي حضورها الشاطئ الشرقي من الخليج، وعلى الفاعل الايراني ان يرى ويتفرّج على الخطر الزاحف قرب سواحله، وبعدها يقرر كيف سيتعاطى مع الادارة الامريكية الجديدة، في ظل هذه التطورات التي حولت حدوده الشرقية الى سياج معاد، من أقصى شمال سوريا والعراق الى أقصى جنوب سلطنة عمان وبحر العرب، وما عليه الا ان يراجع كل تكتيكاته القائمة على استعراض القوة في الخليج وتجريب الصواريخ وتدريب المجموعات المقاتلة، لانها كلها عجزت عن هزم المجموعات الارهابية المدعومة امريكيا واسرائيليا وتركيا في سوريا والعراق والقضاء عليها نهائيا، وعجزت عن الثأر للقائدين سليماني والمهندس وعجزت عن الحسم الحوثي في اليمن، وعجزت أيضا عن اخراج قطر من الجسم الخليجي أو بالأحرى من الحضن الامريكي وادخالها الى الحضن الايراني.

وفي خضم هذه المعادلات الجديدة التي تُصاغ للمنطقة، وعلى ضوء المخططات التي تفهمها ايران وتستوعبها تركيا، وتستثمرها اسرائيل وترسمها الادارة الامريكية، يبقى الحاضر /الغائب هو الجانب العربي، الذي لا يشارك في صياغتها الا باعتباره عنصر توتير او تهدئة، أو باعتباره ساحة افراغ لفائض السلع والمنتوجات الاسرائيلية التي ستجلب الامان والازدهار لتل أبيب وستدوس أكثر على الفلسطينيين، والا باعتباره أيضا منصة لاطلاق التهديدات بين الخصمين، اما يستعملها الامريكي للضغط على طهران، أو تربكها طهران لانتزاع أوراق أكثر من الامريكي.

وبالتالي فقمة العلا، او قمة المصالحة الخليجية كما يسميها الاعلام الرادح ليلا نهارا، لا تعدو ان تكون محطة أخرى في طريق المفاوضات العسيرة بين الايراني والامريكي، لم يتعدّ دور العرب فيها أكثر من دور الكومبارس الذي يقوم بتبويس اللحي والابتسام أمام الكاميرا متى طلب منه ذلك، ويقوم باغلاق الحدود وفرض العقوبات متى ارادوا له ذلك ايضا.

وما يمكن استنتاجه من هذه القمة وما تبعها لا يتجاوز فقط بعض التغريدات المتفائلة من هنا وهناك، او بعض الخطوات على الارض، المطلوبة ايضا لاتمام العملية، كفتح المطارات او الحدود البرية والبحرية، وكلها في نهاية المطاف لا تعدو ان تكون خطوات عملية مطلوبة لاتمام ما بدأه كوشنار ووصل فيه الى مراحل متقدمة من الانجاز، وما على الادارة الامريكية القادمة الا ان تتم الباقي، وهو الوصول الى تركيع ايران وجرها الى ساحة التعاطي مع الواقع الامريكي الاسرائيلي الذي يُرسم للمنطقة. فهل ستقدر ادارة بايدن على اتمام المهمة كي يرتاح ناتانياهو ويستقر سيدا الىالابد على المنطقة، ام ان لمحور المقاومة أوراقا أخرى لازال يحتفظ بها لتغيير قواعد اللعبة من جديد.

 

 


محمد بوعود