الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

عالمية





الأزمة الليبية والتطبيع مع العنف المسلح


بقلم: الدكتور منذر عافي (باحث في علم الاجتماع)

 

اعتبرت القوى الكبرى المهيمنة على صعيد كوني أنّ الربيع العربي وانتفاضة بعض الشعوب العربية على غرار تونس ومصر واليمن وسوريا يشكّل ،في مرحلة أولى، فرصة سانحة أمامها للاختراق الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. بعد أن دخلت منعطفا جديدا يقوم على الفوضى والاضطرابات. في انتظار التدفق نحو دول الخليج ا لعربي التي تنعم بموارد كبيرة وبأنظمة أكثر استقرارًا ، حيث كانت الظرفية مناسبة أمامها لاسيما مع انهيار الركائز الاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية الكبرى في المنطقة ونعني بذلك العراق و سوريا . واقتنعت وكالات الاستعلام الغربية والامريكية تحديدا بأن الوقت حان لصياغة نظام إقليمي جديد وتثبيت أسسه بسهولة ودون معارضة تذكر. لكن سرعان ما تبنت قطر وجهة النظر الغربية ،فسعت الى توسيع دائرة الثورات في منطقة المغرب العربي ومصر وتغذيتها بعيدا عن اراضيها .وأمكن لها بفضل عائداتها المالية الضخمة أن تستقطب النخب الاعلامية والسياسية في دول شمال افريقيا وتقوم بتوظيفها لصالح مشاريعها.

ومن المعلوم أن سقوط نظام الزعيم الراحل معمر القذافي بعد ثورة فيفري 2011 كان سببا رئيسيا أدخل ليبيا في متاهة الانقسام و انهيار الدولة، وساهم في خلق جو من القلق واحدث ارباكا على المستويين الاقليمي والدولي . واضافة الى ذلك فقد نتج عن النزاع المسلح في ليبيا هلاك عشرات الآلاف من المدنيين العزل ، وأدت الصراعات العسكرية المتواترة إلى عدم الاستقرار في جميع أنحاء شمال إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء ،فتحولت القارة الافريقية برمّتها الى نقطة محورية متزايدة للمنافسة العسكرية والاقتصادية. و اندلع فتيل الحرب الأهلية في ليبيا خاصة في غرب البلاد، بعد أن حاصر الجيش الوطني طرابلس في محاولة للإطاحة بحكومة الوفاق الوطني. وتحدّثت تقارير أممية عن وجود حوالي 400.000 مواطن ليبي في مناطق المواجهة المباشرة فضلا عن الرعايا العرب ومن بعض الدول الافريقية والاسيوية . كما أشارت ذات التقارير إلى أن أكثر من 500.000 شخص ما زالوا نازحين داخليًا بسبب العنف ، فقد شنّ الجيش الوطني الليبي ما لا يقل عن 900 غارة جوية دقيقة بطائرات بدون طيار و 200 أخرى بواسطة القاذفات المقاتلة الى حدود شهر فيفري 2020. و في الاثناء شنّت حكومة الوفاق الوطني والقوات التابعة لها 300 غارة جوية تقريبا ، في حين كانت الإمارات العربية المتحدة وقطر ومصر وتركيا وروسيا تدعم الأطراف المتنافسة في الصراع الليبي منذ مراحله المبكرة ، وتصاعدت المخاطر الجيواستراتيجية. و في الاثناء تدخلت القوات البرية التركية لدعم حكومة الوفاق الوطني في خطوة اعتبرها المتابعون للشأن الليبي بمثابة ردّة فعل على التدخل المصري الروسي في النزاع وعلى نشر تعزيزات عسكرية روسية لدعم قوات المشير خليفة حفتر..

ومن جهتها قامت القوى الاقليمية الفاعلة سياسيا في ليبيا بتجنيد المرتزقة من جنسيات مختلفة ووظّفت الطائرات دون طيّار وأنظمة الدفاع أرض-جو وغيرها من المعدّات ذات التقنية العالية، في محاولة منها لتغيير موازين القوى لصالحها. بعد أن اصطفت هذه القوى الخارجية الى جانب الفصيلين الليبيين الرئيسيين وهذا الوضع كان سببا مباشرا في تدويل الصراع في ليبيا . وفي هذه الاثناء تضاعف تعقيد المشهد الليبي ، حيث أخذ تدويل الصراع يشكل كابوسًا جغرافيًا واستراتيجيًا واقتصاديا في القارة الافريقية ومنطقة البحر الابيض المتوسط .وهذا الوضع المتسم بعدم الاستقرار والتوتر أعاق جهود الأمم المتحدة من أجل تحقيق الاستقرار ،وزاد من مخاطر الحرب الأهلية في ليبيا وهو في النهاية يشكّل تهديدًا أكبر للأمن الدولي.

 

معارك استراتيجية بهدف التموقع

 

حظيت تدخلات منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) منذ الثورة الليبية سنة 2011 ، التي جرت في جزء كبير منها عبر سلاح الجو، باهتمام كبير من المتابعين . كما تم تمهيد الطريق للتدخلات العسكرية من قبل قطر والإمارات العربية المتحدة لتجهيز وتدريب الميليشيات الليبية المتقاتلة ومساعدتها ميدانيا ، فسح التوتر والعنف المجال للتدخل الاجنبي وشجع على المنافسة المتعاظمة بين القوى المالية والعسكرية الاقليمية والدولية. والثابت أن دولا مثل الامارات وقطر ومصر وتركيا وروسيا وفرنسا قد حشدت دعمها المالي واللوجستي من خلال عملاء تم استقطابهم سابقا . و هم يمثلون مصالح قوى متباينة ومتناقضة. وكان -من بين الذين انضموا الى معسكر قطر -معارضون لنظام العقيد معمر القذافي من ذوي الانتماءات الاسلامية الراديكالية ، ومن المساجين السياسيين السابقين. وفي الوقت نفسه حافظت الإمارات على صلات الوصل مع رجال الاعمال والاداريين الذين كانوا غالبًا من أنصار سيف الاسلام القذافي .واستمرت حينئذ القوى الاجنبية المتمركزة في ليبيا في مواجهة بعضها البعض في سعي محموم نحو الاستحواذ على مقدرات الشعب الليبي وموارده وثرواته ويعتبر استخدام الميليشيات المسلحة من أجل تحقيق نتائج سياسية داخلية، مدخلا مناسبا وسببا رئيسيا في العنف والاحتقان بمباركة القوى الاقليمية والدولية وبدعم منها. وفي الوقت نفسه ، دمّرت المنافسة على المعاملات التجارية الفاسدة مع الشركاء الدوليين شرعية مؤسسات الدولة الليبية وقوّضت فعاليتها واضعفت نزاهتها.

ورغم جهود منظمة الأمم المتحدة وسعيها الى الاشراف على جولة جديدة من الانتخابات النزيهة والشفافة ، التي قد تؤدي إلى عملية انتقال سياسي سلمي وديمقراطي ينعم به الشعب الليبي الموحد والمنسجم ، فإن هذه التطلعات الاممية ضاعت سُدى بعد أشهر من العمل الشاق والصعب والمعقد .ويعود ذلك الى جشع اغلب السياسيين وعدم نضج النخب الحاكمة أو المتنافسة على الحكم بقوة السلاح ،وطبيعي أن يفتح هذا الوضع المأزوم شهية القوى الأجنبية ويشجعها ،بل حفّزها ،على مواصلة تمركزها في ليبيا وتحقيق اطماعها في السيطرة على الموارد الطبيعية الليبية ، و للأسف دخل عموم الشعب الليبي نتيجة لذلك في مرحلة تطبيع مع العنف المسلح ومع الموت والدمار في انتظار اعادة اعمار ليبيا ...لكن من سيشرف على هذه العملية الحضارية ان وقعت؟ .