الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



التاريخ يعيد نفسه «في شكل مهزلة»

قمّة... تحت القصف الثلاثي



بقلم: خليل الرقيق

عدوان ثلاثي عشية قمة عربية، قد يكون في ذلك قمة الاحراج إن بقيت ذرّة انتماء في بيت العرب الذي سكنته العواصف.. وماذا ستقول القمة أكثر مما كانت تقول..؟ ماذا والتاريخ يعيد نفسه في شكل مهزلة، فتعبق رائحة «حرب السويس» 1956 وتقريبا بنفس الفواعل إذا ما اعتبرنا «اسرائيل» سلعة أمريكية مختومة، ومعرّفة بالامضاء..

مصر 1956..

أسندت فرنسا وبريطانيا هجوم الصهاينة على سيناء، وقصفتا بورسعيد من الجو أواخر أكتوبر... ولم يعمر العدوان طويلا، إذ لم يبلغ يومه الثالث حتى وجه الاتحاد السوفياتي إنذارا الى بريطانيا وفرنسا و«اسرائيل» فلم يلبث العدوان إلا أن توقف بداية نوفمبر 1956 ليتلوه انسحاب كامل للقوات الغازية في 22 ديسمبر..

سوريا 2018، الرابع عشر من أفريل، يوما واحدا قبل انعقاد القمة العربية بالمملكة العربية السعودية... عدوان ثلاثي آخر، ضربة أخرى قد لا تدوم كما لم تدم ضربة 1956، لكن بصماتها ستظل شهادة تاريخية على لعبة استعمارية تغير جلدها، ولا تتغير طبيعتها المضادة لسيادة الشعوب...

سوريا 2018، في نفس اليوم الذي رفعت فيه قوات الأمن الداخلي علم السيادة على أرض دوما، قصفت أمريكا وفرنسا وبريطانيا سوريا من الجوّ، تاركة وراءها كل شيء، بما في ذلك بكائيتها السقيمة حول التهديد الإرهابي، ذلك أنها هذه المرة لم تهاجم الإرهاب، بل نظاما منتصرا على الإرهاب... ويصر التاريخ على أن يعيد نفسه «في شكل مهزلة»، فينفذ العدوان، ويقع صده كما كان الأمر في السنوات الخوالي، وبنفس الفواعل دولة عربية وطنية، وحليف روسي صعب المراس.

«تحققت أسوأ المخاوف... تحذيراتنا لم تجد آذانا صاغية، يجري الآن تنفيذ السيناريو المعدّ مسبقا، ويهددوننا من جديد، لقد حذرنا من أن هذه الأعمال لن تمر دون عواقب...» هكذا تكلم أناتولي أونطونوف السفير الروسي لدى واشنطن، في نبرة قد تكون معززة بثقة كبيرة في النفس، تكلمت بها بلاده في عدوان 1956 الثلاثي على مصر...

بنفس النبرة الواثقة، وربما المتهكمة من لعب المعتدين الثلاثة خارج ميزان القوة الفعلي، تكلمت وزارة الدفاع الروسية لتقول أن «المواقع التي تم تدميرها في سوريا كانت مدمرة أصلا» وتضيف أن «الدفاعات الجوية السورية أسقطت 71 صاروخا من أصل 103» وأنها «ستعيد بحث إمكانية تسليم سوريا صواريخ «اس 300»... حديث قد يكون وصل الى بريطانيا «المزهوّة» بمعاداة القضايا العربية منذ وعد بلفور المشؤوم والتي قالت من خارج وقائع الميدان الفعلية على لسان وزارة دفاعها «نفذنا ضربات ناجحة جدا على سوريا»!!!

وقد تُراجع القول أو تتراجع عنه حين تتصفح التصريحات الحذرة لهيئة الأركان الأمريكية التي تصرفت بحذر ما بعد «العاصفة» وقالت «لا نخطط لتنفيذ ضربات إضافية في سوريا في الوقت الحالي»، وبين هذا وذاك، يعمّ الارتباك الشونزيليه الفرنسي الذي قوبلت مشاركته في العدوان باستهجان داخلي، فردت وزيرة دفاعه في ذرائعيّة غير متناسقة مع السياق «لقد أبلغنا الجانب الروسي قبل تنفيذ الهجوم»...

من هنا وهناك، تتتالى التقييمات لهذه الضربة العسكرية الموقعية (المحددة والمحدودة في أهداف جزئية مست قواعد عسكرية ومراكز علمية بذريعة منع تصنيع السلاح الكيمياوي)...

وما دام الجوّ العدواني عائما في «الكيمياويات»، فلا بأس أن نتذكر على مشارف قمة العرب اليوم، أن التبديد الفعلي للمقدرات العسكرية والردعية للمنطقة العربية، بدأ بمسرحية كيمياوية في العراق اسمها «سلاح الدمار الشامل» وانتهى بمأساة إنسانية، وإرهاب متغلغل ودمار مستفحل.

لا بأس أيضا أن تنظر القمة في مرآة نفسها لتسأل: إذا كان العدوان الثلاثي عشية انعقادها استهانة واستخفافا فكيف سترد عليه، ولو بحرارة الجمل التي صارت منمّطة ومألوفة، المهم أن لا تغوص في الشرعنة للعدوان أو التواطئ معه؟...

والحديث يطول هنا، يطول من جانب أن هناك أصلا دولا عربية شاركت بالتحريض أو بالتمويل في الغزو الداعشي لسوريا، وربما لم تجد وكيلا لها الآن بعد انتصار دمشق على جماعات الإسلام السياسي، غير تحقيق المآرب بأيادي الغير، لكن هذا الغير وإن كشّر عن أنيابه ثلاثيا، فأحاط «قمّة العرب» بروائح القصف، فإنّ حسابات الربح والخسارة لديه ستجبره على التخفيف من السرعة، خوفا من الإنزلاق الى منقلب ما ...

نحن نتحدث الان داخل سياق دولي تتراءى فيه صورة شبه مستنسخة للحرب الباردة، وهي من الحروب التي تجري وقائعها على أراضي الغير .. إنّها تقريبا، ذات أجواء «كسر العظام» المدروس بين روسيا والولايات المتحدة، والذي استمرّ من منتصف الأربعينات الى بداية التسعينات من القرن العشرين : حرب في فيتنام وأخرى في أفغانستان وأخرى في الكوريتين، تصعيد وتهدئة، صدامات وتسويات .. نفس الأمر تقريبا يحصل في سوريا التي أرادتها الولايات المتحدة ميدان اختبار لوزنها الذي بدأ يخسّ على وقع العودة القوية لروسيا على مسرح الفعل الدولي والاقليمي.

وبقطع النظر عن تناقض الخلفيات في واقع الحال، ثمّة فارق قد يجعل من معطيات ما بعد قصف الجوّ تأتي بنتيجة معاكسة على الأرض .. فأمريكا اشتغلت على أرض سوريا بعملاء، وسوريا واجهت هذا الهجوم بحلفاء ومن الوزن الثقيل، وبتمركز قويّ على الميدان، سواء من جهة روسيا التي وضعت كلّ ثقلها في الميزان، أو من جهة ايران التي لا ترى لها مستقبلا اذا تواصلت الأحادية القطبية، أو من جهة حليفها القوي في لبنان أي حزب الله الذي يتقدّم بثبات لإحداث «توازن الرعب» مع الكيان الصهيوني.

هذه العوامل، يضاف اليها طبعا واقع انتصار سيادي لا شكّ فيه على عصابات الإخوان والدواعش، والتوصل الى بسط سيطرة الجيش السوري على أغلب المناطق التي كان يستوطنها التكفيريون، كلها معطيات تنبئنا بعدوان ثلاثي فاشل، كذلك الذي حصل في 1956 ...

ترابط يجب أن يقرأ بتمعن ...

العرب يجتمعون اليوم في قمة ليست الاولى، ولن تكون الأخيرة، لكن لم يحصل وأن طرحت فصول المعادلة الراهنة بتمعن داخل القيادات العربية .. لنفترض جدلا ـ من باب استبعاد اليأس ـ أن القادة العرب قيّموا المسارات المتقاطعة لعمليات العدوان، فماذا سيجدون ؟

هناك على الأقل ثلاث محطات مهمة، وملهمة لمن رزق بنعمة العقل : عدوان ثلاثي في 1956 على مصر، عدوان ثلاثيني في 1991 على العراق، وعدوان ثلاثي في 2018 على سوريا ...

لماذا مصر في 1956 ؟ ببساطة لأنها قدمت بوادر جدية لدولة وطنية عربية قوية ذات سيادة غير منقوصة، وتأثير جيوستراتيجي عميق على دوائر انتمائه القومي والقاري...

لماذا العراق في 1991 ؟ ببساطة لأنّها دخلت طور التسليح الثقيل، والابحاث العلمية المتطورة فشكلت حالة سيادية تبعثر أجندة الصهاينة في المنطقة ...

لماذا سوريا في 2018 ؟ ببساطة لأنها هزمت لعبة اعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر وسائط «الربيع العربي»، والتي لم تكن غير عصابات مرسكلة من جماعات الاسلام السياسي، مدعومة بتمويلات خليجية تخدم بالوكالة مصالح الولايات المتحدة.

لماذا كل هؤلاء ؟ لأن كلهم قد شرع في نسف مشروع «التفوق العسكري الاقليمي» للصهيونية في منطقة الشرق الأوسط ...

واذا أضفنا ما حصل من هتك مكثف وفظيع لسيادات دول كليبيا واليمن، الى هذه العمليات العدوانية الدالة والمترابطة، سنفهم ان جوهر المخطط هو «استباحة الدول بغياب الدولة» أي تهيئة بنى سلطوية مترهلة ـ وهذه لا يبدع فيها غير الإخوان والظلاميون عموما ـ لتسهيل عملية نهب الثروات.

ببساطة شديدة، يمكن ان نقف على هذه الحقيقة، حقيقة ان الدولة التي منعت الولايات المتحدة والاخوان من استكمال مسرحية «الربيع العربي» هي سوريا، وحقيقة ان الدولة التي أثبتت أنه يمكن الانتصار في معركة طويلة الأمد ضد تحالف دولي وميليشياوي لاحتلال الأرض، هي سوريا ...

وربما كان هذا سبب التزامن بين العدوان الثلاثي، وبين رغبة أمريكية في «تحقيق انتصار صغير داخل هزيمة كبرى»، ربما كان هذا سبب «الاستبشار» المفضوح لكل جماعات الاسلام السياسي بالضربة الثلاثية، لكنه «استبشار» قد لا يستمر في ظل اصرار معطيات الارض على تكذيب معطيات «الجوّ» ... وقد لا يستمر في ظلّ التداعيات العسكرية المحتملة لهذا الاعتداء، على جبهة الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث تبدو «اسرائيل» اول المستهدفين برد فعل حزب الله اللبناني، والذي لم يسبق أن تأخر في الردّ و«الردع» ...

نعود الان الى القمة المنعقدة «تحت القصف الثلاثي»، طبعا من جهة انها قمة لدول عربية تدور تزامنا مع اعتداء على دولة عربية : هل ستطرح القمة سؤال سوريا ؟ وان طرحته فكيف ؟ أفستطرحه باستحضار لفكرة الاستقواء بالغير ؟ أفستطرحه بدعوة «بروتوكولية» الى التهدئة وضبط النفس ؟ أفستقوى على التنديد بالثلاثي «المرجعي» لدى بعض حكام العرب : أمريكا وبريطانيا وفرنسا ؟ الأكيد أن أطرافا ما داخل قمة العرب تضمر نزوعا انتقاميا من الجانب السوري الذي أفسد عليها وليمة استخلاف «الاخوان» في الارض ... والأكيد ان أطرافا أخرى ستكون متشظية، بين احساس دفين باستهداف العدوان للسيادة، واحساس مكين بـ «حتمية» اللعب على التوازنات، وابقاء شعرة معاوية ممدودة الى «شرطي العالم» ؟

لكن هل سيقرأ أحد في القمة درس «شرطي العالم» من جديد.

لو فعلها وقرأ، لألفى الشرطي على غير العادة، لفهم أنّ «الكاوبوي» لم يعد بوسعه التحرّك وحده في فضاء تمركز فيه الدبّ الروسي ...

سؤال آخر ـ وهذا لا يطرح إلاّ في قمة «خارقة للعادة» ومن نوع خاص : اذا كانت روسيا هي التي أوقفت العدوان الثلاثي على مصر، وهي التي تصدّت للعدوان الثلاثي على سوريا، فلماذا لا يباشر العرب مسار اعادة تعريف للعلاقات معها باتجاه التجسير والتطوير والاستفادة المشتركة ؟

اذا كانت حرب سوريا قد أشرت لنهاية حقبة الأحادية القطبية، وعودة نذر الحرب الباردة، فلماذا لا تلتقط الدول العربية الاشارة، وتبني عليها أساسيات جديدة في التعامل مع الفضاء الاقليمي والدولي ؟ .. الفرضية أشبه بانتظار «معجزة» في عصر انتهاء المعجزات، ويبدو أن اعزّ ما نتمناه الان من هذه القمة وكل القمم ان لا تخرج ببيان «يدين» سوريا وينحاز لأعدائها.

لقد وصلنا الى وقت يمكن ان يتصنف فيه الصمت العاجز في خانة الموقف، وهذا مؤلم جدا ...

أما ان خرجنا قليلا من بيت العرب المتداعي الى فضاء العالم المفتوح، فلا نخال هذا العدوان الثلاثي إلا معمّرا لأيام، كما الذي كان قبله، والكل يعلم أن كنس الدواعش من سوريا والعراق، هو بداية مرحلة لن تكون فيها اليد العليا في الشرق الأوسط ملكا أمريكيا حصريا ... هناك قوى أخرى على الارض ... وفي «الجوّ» أيضا.