الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



بمناسبة الاحتفال بعيد الجلاء الزراعي

هل حققنا فعلا ..السيادة الغذائية !؟


الصحافة اليوم : جيهان بن عزيزة

نزل البرد صباح الأحد الماضي بمعتمديات قلعة سنان والقلعة الخصبة والجريصة من ولاية الكاف مما أسفر عن أضرار كبيرة في مساحات زراعية فاقت الـ12 ألف هكتار بنسب تضرّر تراوحت بين 100٪ و40٪ وذلك وفق تصريحات الكاتب العام الجهوي للاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري بالكاف لأحد المواقع الالكترونية. ويأتي نزول البرد هذا في وقت يحتفل الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري خلال اجتماع فلاحي بقصر المؤتمرات بالعاصمة بالذكرى الخامسة والخمسين للجلاء الزراعي واليوم الوطني للفلاحة الذي يتزامن مع يوم 12 ماي من كل سنة. احتفال بطعم مر في ظل التغيرات المناخية وتقلباتها التي باتت تعصف بالمحاصيل الزراعية بعد أن استبشر وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري بصابة قياسية هذا الموسم.

وفيما يواجه الفلاحون عواقب التغيرات المناخية في انتظار التعويضات لا تسمن ولا تغني من جوع والتي تمنحها الدولة «إن توفرت طبعا» في كل مصيبة مناخية لم تنس رئاسة الحكومة خلال الاجتماع الفلاحي أن تعيد على مسامع الفلاحين وتذكرهم من باب «ذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين» بالانجازات العظيمة التي أقرتها للفلاحين والبحارة منها الترفيع في سعر الحبوب المتأتية من صابة 2018/2019 إلى 7 د/ق للقمح الصلب و5 د/ق للقمح اللين و3 د/ق للشعير والتريتكال والترفيع في سعر الحليب الطازج على مستوى الإنتاج بـ55 مليم للتر ليصبح 945 مي/لتر كسعر أدنى مضمون للفلاح والتي لم ترتق إلى مستوى انتظارات الأسرة الفلاحية كما أنها إجراءات جاءت بعد ضغط من الفلاحين وقيامهم بتحركات احتجاجية متتالية شملت كامل الجهات على اثر الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات.

ولم تكتف رئاسة الحكومة بالتباهي والتذكير بالانجازات العظيمة بل إنها اعتبرت أنه «لا نجاح لأية رؤية اقتصادية اليوم دون اخذ القطاع الفلاحي والفلاحين بعين الاعتبار» بما أنها مسألة بديهية ويخطئ من يظن وفق رأيها انه بإمكان أية رؤية اقتصادية النجاح دون وضع ملف إنصاف البحارة والفلاحين على رأس أولياتها و«انه لا وجود لاتفاق نهائي وقع إمضاؤه أو رزنامة تم وضعها مع الاتحاد الأوروبي في ما يخص اتفاق التبادل الحر والشامل الأليكا» وأنّه «لا يمكن إمضاء أي اتفاق مع الاتحاد الأوروبي تكون فيه تونس خاسرة».

فعن أي إنصاف تتحدث رئاسة الحكومة في الوقت الذي يستغيث فيه الفلاحون في ظل تواصل نزيف التوريد للمواد الفلاحية من اجل تعديل الأسعار لإرضاء المستهلكين على حساب المنتجين وإغراق السوق بمنتجات متوفرة على المستوى الوطني ليحسب للحكومة أنها وفّرت كل السلع في الشهر الكريم وعن أي إنصاف وعن أي رؤية اقتصادية تتحدث فالتكاليف المرتبطة بالفلاحة تشهد ومنذ سنوات ارتفاعا متواصلا إذ ازدادت تكلفة اليد العاملة والأسمدة والتجهيزات الفلاحيّة وخصوصا المحروقات التي ارتفعت أسعارها بشكل متسارع منذ سنة 2011 وهي التي تحتلّ النصيب الأهمّ في تكلفة الإنتاج الفلاحي إذ أنّ استهلاك المحروقات يمثّل 60% من كلفة الإنتاج الزراعي و70% في مجال الصيد البحري وبفعل هذه الزيادات يجبر الفلاحون على الترفيع في أسعار البيع لتغطية تكاليف الإنتاج الإضافية التي تقلّص من هامش الربح وتدفع الفلاحين إلى التفكير في مدى المردودية ومستقبل نشاطهم والذي بات على المحك .

صحيح أننا مدينون اليوم للعائلة الفلاحية بالجهود التي تبذلها من اجل ضمان الأمن الغذائي وصمودها في وجه الأزمات المتتالية للقطاع وتكبدها لخسائر جمة وأمام التغيرات المناخية التي ما فتئت تتواتر في السنوات الماضية ليس حبا في احد بل حبا في الأرض وتشبثا بجذورها لكن ماذا قدمت الحكومات المتعاقبة للأسرة الفلاحية وهل الحكومة الحالية ستنصف فعلا الفلاحة الوطنية وهي التي تمر بأدق مرحلة في ظل التفاوض على اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق مع الاتحاد الأوروبي والتي يصفها المختصون في الشأن الاقتصادي بالوبال على القطاع لما تبيحه من تحرير للمبادلات التجارية في القطاعات المتعلقة بالفلاحة والخدمات وغيرها من القطاعات الحساسة وهي طبعا تخدم مصلحة الفلاح الأوروبي فحسب وتهضم الجانب التونسي لعدم التكافئ بين الجانبين في كل الجوانب سواء المتعلقة بالصحة والسلامة الغذائية أو على مستوى النظم والقوانين المنظمة للنشاط الفلاحي.

وكما عوّدتنا في خطتها الاتصالية المعتمدة أساسا على نفي الأخبار الرائجة أكدت رئاسة الحكومة خلال الاجتماع ألفلاحي الذي انتظم بمناسبة الاحتفال بالذكرى 55 للجلاء الزراعي وللعيد الوطني للفلاحة أن تونس لن تتبنى أي اتفاق يسمح بالمساس بالقطاع الفلاحي في إشارة إلى اتفاق «الاليكا» و«انه لا وجود لاتفاق نهائي وقع إمضاؤه أو رزنامة تم وضعها مع الاتحاد الأوروبي في ما يخص اتفاق التبادل الحر والشامل الأليكا» وأنّه «لا يمكن إمضاء أي اتفاق مع الاتحاد الأوروبي تكون فيه تونس خاسرة « وهو تصريح يأتي في سياق ضغط الأسرة الفلاحية والعديد من نشطاء المجتمع المدني الرافضين لهذا الاتفاق غير أن هذه التأكيدات المجانبة للصواب لا تعدو أن تكون تطمينات مؤقتة في ظل سعي الحكومة المحموم من اجل إنهاء هذا التفاوض بالتوقيع على الاتفاقية وختم نهاية القطاع الفلاحي والعديد من الخدمات الأخرى. فرغم رفض المنظمة الفلاحية وضغطها في وقت سابق من أجل عدم المصادقة على مشروع القانون المتعلق بالسلامة الصحية للمواد الغذائية وأغذية الحيوانات إلا أن الحكومة ومن ورائها مجلس نواب الشعب لم تصغ إلى كل تلك النداءات اضافة الى مجموعة أخرى من القوانين على غرار مشروع القانون الأفقي للاستثمار وتحفيز مناخ الأعمال يوم 24 أفريل 2019 والتي تندرج جميعها في إطار التحضير للتوقيع على اتفاقية التبادل الحر والمعمق والشامل مع الاتحاد الأوروبي وهذا بشهادة الخبراء في هذا المجال .

من جانبه اقتصر رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري على تعداد مشاكل الفلاحة والفلاحين و التي تتخبط فيها اغلب منظومات الإنتاج والانتكاسات التي تشهدها سواء عند الوفرة أو في زمن الندرة هي أقوى دليل على أن الفلاحة غائبة تماما عن دائرة الاهتمام الرسمي ولم ينس رئيس المنظمة الفلاحية أن يحث البحارة والفلاحين باعتبارهم أوسع شريحة اجتماعية على إنجاح الاستحقاق الانتخابي القادم الذي ستعيشه تونس أواخر هذه السنة واختيار من يرونه قادرا فعلا وبصدق على خدمة قطاع الفلاحة والصيد البحري ومناصرة قضاياهم على الصعيدين التشريعي والتنفيذي وقد «شهدنا والحمد لله نوابا صادقين عملوا على خدمة القطاع بالمصادقة على قوانين ستقضي على المنظومة الإنتاجية وتضعها على طبق من ذهب لهيمنة رأس المال العالمي والشركات العالمية».

رئيس المنظمة أكد كذلك أن يوم 12 ماي هو عيد وطني اكتسبت فيه تونس السيادة الغذائية معتبرا أن الجلاء الزراعي هو الاستقلال الحقيقي للبلاد فهل نحن فعلا نتمتع بالاستقلال الزراعي ونحن نأكل من وراء البحار أين ناهزت قيمة الواردات الغذائية خلال الثلاثية الأولى من السنة الحالية ما يعادل 1554,5مليون دينار مسجلة زيادة بنسبة %18,8 مقارنة مع نفس الفترة من السنة المنقضية وفق إحصائيات رسمية لوزارة الفلاحة وذلك جراء ارتفاع واردات بعض المواد الغذائية منها الشعير (%181) والذرة الصفراء (%105) والقمح اللين (%97) بالإضافة إلى ارتفاع وتيرة توريد مواد غذائية أخرى كالحليب ومشتقاته (%33) والشاي والموز بنسب على التوالي بـ%108 و%38 مما أدى إلى تسجيل عجز مالي في الميزان التجاري الغذائي بلغ 211.8 مليون دينار (وهو ما مثل 5.3 % من إجمالي عجز الميزان التجاري) وهو ما ينبئ بمرحلة الفقر الغذائي .

وفي الأثناء تحول الاحتفال بعيد الجلاء وباليوم الوطني للفلاحة إلى مجرد بروتوكول تسهر المنظمة الفلاحية على حشد عدد كبير من الفلاحين والبحارة لتأثيثه ووزارة الفلاحة على حضوره وإلقاء خطاب منمق بالمناسبة ترفع خلاله اللافتات والشعارات ويدلي كل طرف بدلوه في الشأن الفلاحي وتعيد الحكومة على مسامعنا بان الفلاحة هي المحرك الحقيقي للاقتصاد وبأنها ضمن أولوياتها فيما تثبت الأرقام والإحصائيات عكس ذلك .