الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



«قفّة رمضان» أو «السخاء» التركي القطري المستراب

... عندما تتخلّى الدولة عن مواطنيها...!!



لطفي العربي السنوسي

لم تشهد تونس إذلالا لمواطنيها كما تشهده الآن في هذه الفترة الكبيسة... ولم تشهد عبر تاريخها القديم والحديث ما يجعل منها بلدا يتسوّل من أجل اطعام مواطنيه في هذا الشهر الكريم...ولم تشهد توظيفا ممنهجا وانتهازيا ونذلا لمواطنيها كما تشهده اليوم على أياد امتدت الى فضاءاتها الاجتماعية في الآفاق التونسية وفي أحواز العاصمة لتلتقط احتياج الناس وفقرهم ولتحوّله الىصورة مهينة على التلفزات يشاهدها العالم بأسره تنكيلا بتونس وأهلها.

تونس التي احتفلت أول أمس بذكرى الجلاء الزراعي... تونس الخضراء التي تغنّى شعراؤها بالأرض والخصب كمطمورة لا ينضب زادها أبدا...

تونس التي تربّت على الخير وعلى السخاء وما تزال أبوابها مشرعة للهاربين واللاجئين اليها كملاذ غذائي آمن...

تونس التي أبهرت العالم ومنظمات الاغاثة عندما فتحت حدودها واحتضنت الآلاف من النساء والرجال والأطفال ممن لاذوا بها وهربوا اليها من ليبيا في بداية ثورتها حيث فتح أهلنا في الجنوب البيوت والديار والمنازل والاقامات لاحتضان الأشقاء الليبيين...آلاف مؤلفة أمّنهم الجنوب التونسي من جوع ومن خوف ولا مزية في ذلك فتلك طبيعة تونسية صميمة وقد تربّت على الكرم والسخاء رغم قلّة الزاد ووحشة المرحلة...

ما الذي حوّل البلاد الى بلاد متسولة في هذا الشهر الكريم...؟ هل نفد زاد المحروسة حتى يمدّ أهلها الأيادي «لحفنة دقيق» ـ كما يقولون ـ؟ هل تونس في حاجة الى «سخاء شحيح» من دولة قطر أو تركيا أو الكويت...؟ من الذي دعاهم الى هذه الأرض ومن سمح لهم بإقامة «قفة رمضان» بعدد من الولايات التونسية...؟ من شرّع لهم الأبواب لهذه الاستعراضات المذلّة المصوّرة تلفزيا..؟.

لقد مرّت تونس عبر تاريخها بأزمات كبرى من مجاعات وأوبئة ولم تمد يدها لغير أهلها... ويذكر المؤرخون أن المجاعة الكبرى التي ضربت منطقة المغرب العربي بما في ذلك تونس سنة 1945 (عام المجاعة)قد دفعت بالتونسيين الى استنباط أنواع وأشكال من الأكلات لمقاومة الجوع ومن ذلك يذكر المؤرخون أن «عصيدة الزقوقو» التي تحولت اليوم الى طبق بورجوازي إنما هي استنباط تونسي صميم اخترعه التونسيون من أهل الحاضرة لمقاومة الجوع وقد شهدت هذه السنة مدّا تضامنيا بين التونسيين لا مثيل له تغلب من خلاله أهل المحروسة على المجاعة التي كانت ضربت عددا كبيرا من بلدان العالم في تلك الفترة... وقبل ذلك شهدت تونس ـ أيضا ـ ما يعرف باسم «عام بوبراك والشلال» (1850 ـ 1867) قاومه التونسيون ـ رغم شدّته ـ وتغلبوا عليه ومات منهم من مات بسبب استفحال الأوبئة...

نحن اليوم لسنا في عام «بوبراك» ولا في عام مجاعة حتى تمتد الأيادي الىموائد قادمة من «مدن القحط» وإنّما نحن في مرحلة تركت فيها الدولة مواطنيها وفرطت في سيادة أراضيها «لدول الملح»... فتونس ما تزال تتقدم المراتب الأولى في إنتاج زيت الزيتون وما تزال أراضيها خصبة وتعتبر الأرقام (أرقام الانتاج الفلاحي) هذه السنة قياسية تفوق انتاجاتها طاقة السوق الوطنية وهي سنة فلاحية ممتازة بحسب الخبراء وبحسب وزير الفلاحة «برمّته» ولها من المخزون الغذائي ما يغطّي احتياجات الجوار وكل اللاجئين اليها الهاربين من جحيم أوطانهم... وعليه نسأل من هؤلاء الذين حوّلوا صورة تونس في التلفزات الى صورة بلد متسوّل يأكل مواطنوه من «موائد الآخرين».

نحن أمام حقيقة لا غبار عليها: نفس الجهات ونفس الأطراف ونفس الجمعيات التي كانت فتحت أبواب تونس أمام الدعاة الوهابيين فترة حكم الاخوان (وجدي غنيم وأشكاله) هي ذات الجهات التي فتحت الأبواب ـ اليوم ـ لجمعيات ومؤسسات من تركيا ومن قطر ومن الكويت لإقامة «قفة رمضان» بشكل استعراضي مذل... وهي ذات الجهات التي سفّرت شبابنا ـ في الفترة الاخوانية ـ الى سوريا عبر قطر وتركيا... ولا نقول هذا الكلام جزافا باعتبار أن هذا «السخاء» التركي ـ القطري ـ الكويتي انما يتم تحت رعاية وباشراف وبحضور قيادات اخوانية وقد رأيناهم وهم يتصدرون حفلة توزيع «القفة الرمضانية».. وهذا يعني ان المخطط الاخواني لم يتبدل وانما هو بدّل من عناوينه...

ففي زمن حكمهم ـ كما أشرنا ـ حولوا البلاد التونسية الى بلد مستباح هتك عرضه الدعاة الوهابيون وامتدت فيه الايادي التركية والقطرية ـ مالا وعتادا ـ وكلنا يذكر ما فعله الدعاة بتونس وأهلها واطفالها ونسائها وما روّجوا له من فتاوى مريضة حدث ذلك برعاية الاخوان وبدعمهم وقد نشطت في هذه الفترة الجمعيات الخيرية المدعومة ماليا من حليفي الاخوان قطر وتركيا وشيدت جسرا اجراميا تم من خلاله فتح باب التسفير لشبابنا الى سوريا عبر تركيا...

اليوم ـ ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية ومع إدراكهم بفساد كيانهم المحاصر اقليميا ودوليا ومع ادراكهم ـ ايضا ـ بان التونسيين قد عافوا الوجود الاخواني فانهم يعيدون التحرك من ذات الابواب ومن ذات العناوين ومع الحلفاء ذاتهم... قطر وتركيا ليستهدفوا هذه المرة فئة من التونسيين المتعبين في هذا الشهر الكريم ممن غفلت عنهم الدولة وتركتهم للانذال وللانتهازيين.

وهنا نسأل دولة الرئيس الباجي قائد السبسي ودولة رئيس الحكومة السيد يوسف الشاهد عن هذه الحال المذلّة التي وقع فيها مواطنون تونسيون تحولوا بدورهم الى «سلعة مصوّرة» وعليها طابع حصري... قطري تركي .. وقد نجد لهؤلاء المواطنين أعذارا بما أنهم اندفعوا الى «موائد» قطر وتركيا والكويت دون ادراك لما وراء الموائد من «نوايا خبيثة»... لكننا لا نجد اي مبرر لصمت الرئيس السبسي امام هذا التوظيف المذل لمواطنيه لتلميع صورة الاخوان وحلفائهم... كما لا نفهم صمت السيد يوسف الشاهد وحكومته ووزيره للشؤون الاجتماعية امام هذا الاختراق القطري التركي الذي افتك دور الدولة التونسية وأوكله لنفسه ولا أحد كلفهم او دعاهم الى ذلك... وكان من المفترض ان تتدخل دولة يوسف الشاهد لمنع المهزلة التي يرعاها الإخوان شركاؤه في الحكم...

على كل حال تبقى تونس ـ في الأخير ـ بلادا سخية ومنارة للفن والجمال واكبر اكبر من هذا الإفساد المتعمد والممنهج لصورتها ولأهلها ولأرضها شعبا وعشبا...

لسنا في عام «بوبراك»... نحن ـ هنا ـ امام حكام تركوا مواطنيهم للمسخرة...