الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



الإنتخابات قادمة... ولا مستفيد :

هل تجني تونس ثمارأخطاء الرئيس؟!


بقلم: الهاشمي نويرة

تشهد عملية التسجيل للإنتخابات نسقا تصاعديا وهو أَمْرٌ محمود في حدّ ذاته لأنّه يدلّل بوضوح على أنّ التونسي قرّر أن ينخرط في العملية السياسية والتي كان هَجَرَها جرّاء رذالة وانحطاط المشهدين السياسي والحزبي وتهاوي المنظومة القيمية وانصراف هذه النخب إلى قضاء مصالحها ومنافعها على حساب البلاد والعباد.

ويـبدو أنّ عملية التسجيل ستشمل أكثر من مليون مواطن وهم أساسا من الشباب والنساء وهو مــا يؤكّد على أنّ المواطن التونسي قرّر الإنتقال من مرحلة المقاطعة السلبية للحياة السياسية والتي كان مظهرها الأساسي العزوف عن المشاركة في الانتخابات إلى التعبير الفعلي عن هذا الرفض للسّياسات وللأحزاب وذلك من خلال المشاركة والتأثير في نتائج هذه الإنتخابات.

وقد يكون من المهمّ والمطلوب الإشادة بالإتحاد العام التونسي للشّغل الذي قرّر أن يكون فاعلا في الإنتخابات المقبلة بَدْءًا بالتشجيع على التسجيل ووصولا إلى احتمال دعمه لقائمات يستأنس فيها إلتزاما بالأجندة الوطنية.

وبالطبع فإنّ نزول الاتحاد إلى الميدان هو عاملُ قَلَقٍ لعديد الأطراف الحزبية والسياسية ولا يُنْظَرُ إليه بعين الرضى وهم لذلك في حيرة من أمرهم لأنّهم على وَعْيٍ شديدٍ بتضاؤل حجمهم الإنتخابي والذي سيزداد تضاؤلا كلّما اتّسعت القاعدة الإنتخابية وازداد عدد المرسّمين في القائمات الإنتخابية.

ولا يجب كذلك إغفال دور هيئة الانتخابات ودور قطاع الإعلام عموما وبعض وسائل الإعلام العمومي والخاصّ في دَفْعِ المواطنين الى الإنخراط بقوّة في العملية الإنتخابية.

إنّ بداية الحلّ هو وَعْيُ المواطن بضرورة ممارسة حقّه في المشاركة السياسية بما يضمن ويؤمّن عدم إنفراد نخبة سياسية وحزبية تمكّن منها الفساد والإنتهازية بالقرار وبتسيير الشّأن العام وِفْقَ أجندة معادية في الغالب لمصلحة الوطن والمواطن.

هي نخبة استقرّت في أسفل درك الإنتهازية ولم يعُدْ يحرّك أغلب مكوّناتها سوى المنافع والمصالح الضيّقة وعقلية الغنيمة.

وإنّ ما وصل إليه المواطن من حالة انسداد أُفُقٍ ومهانة وضيق ذات اليد جرّاء تسارع وتيرة الأزمة الإقتصادية وانهيار جلّ مؤشّرات التنمية وبلوغها مستويات غير مسبوقة قد يكون ساهم كذلك في تحقيق بداية النقلة النوعية في وعي المواطن الذي قرّر في ما يبدو الخروج من حالة الإستقالة بالعمل على تعديل أوتار المشهد السياسي بما يخدم المصلحة العليا للوطن.

ويبقى من المهمّ التفكير في الطُّرق المثلى التي تكفل الإستفادة من هذا الوضع الجديد حتى لا يقع توظيف هذا الوعي الإيجابي من طرف أحزاب وأطراف سياسية إحترفت التحيّل وتحويل وِجْهَة كلّ ماهو إيجابي وإفراغه من كلّ شحناته البنّاءة.

وتقع مسؤولية ذلك على الأطراف التي تستأنس في نفسها تمسّكا بمصلحة البلاد والعباد وبالنموذج التونسي الحداثي والديمقراطي المتفرّد في محيطه الإقليمي.

إنّ هذه الهَبَّة المواطنية والتي كان مظهرها الأساسي الإقبال المتزايد على التسجيل لن تكون مجدية إذا لم تَحْمِلْ في طيّاتها تعبيراتها السياسية الخاصّة أو هي على الأقلّ كانت لها القدرة على فرض أجندة الوطن والمواطن على الأحزاب والقائمات التي قد تدعمها في الإنتخابات القادمة.

ونعتقد أنّ هذا العمل الجبّار والضروري موكولٌ إلى وسائط سياسية واجتماعية ديدنها المصلحة العليا للوطن والمواطن.

وقد كنّا استبشرنا خيرا بقرار الإتحاد وضع يده في معمعان العملية السياسية والانتخابية بعدما خذلت أغلب الأطراف السياسية والحزبية وفِي الحُكْمِ أيضا المواطن وانحرفت بمسار التأسيس لمجتمع يضمن ديمومة الديمقراطية ويحقّق الكرامة للمواطن والعزّة للوطن.

ويقيننا أنّ الإتّحاد اضطرّ لهكذا قرارٍ لأنّه كان ينتظر أكثر من رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي والذي أضاع في ما يبدو فرصا مواتية وسانحة للتقدّم في اتّجاه تحقيق أهداف هبّة التونسيين من أجل الكرامة والحرية.

إنّ الرئيس الذي دخل مجدّدا غُمارَ الحُكْمِ في سنة 2011 بقوّة وبذكاء وفطنة مكّناه من أن يكون حامل مشعل أمَلِ التونسيين في المحافظة على مكاسبهم وتطويرها ، هو ذاته الذي أساء تقدير الأشياء وجانب الصواب في عدد من القرارات وقضّى الجُزْءَ الأكبر من عُهدته الرئاسية يعاني أخطاء البدايات والتأسيس.

هو أخطأ أوّلا لأنّه لم يبذل العناية الكافية من أجل بناء تحالف حاكم ينسجم مع برنامجه ووعوده الانتخابية، وهو اقترف خطيئة كبرى بدخوله في تحالف ضدّ طبيعة الأشياء مع النهضة بما سدّ الطريق أمام تركيز تقاليد حُكْمٍ قويّ بمعارضة قويّة الشيء الذي قطع الطريق أمام دُرْبة التداول السلمي على السلطة وبما أضعف الأحزاب الأخرى وقضى على التنوّع داخل المشهد الحزبي والسياسي.

هو أخــطأ كذلك لأنّه سلّم مشعل الحزب والحُكْم لغير أصحابه وأسقط من حساباته التوازنات السيــاسية لفائدة توازنات أخرى يُفترض أنّ ذكاءه وفطنته يمنعانه من السقوط فيهـا.

هو إلى ذلك أخطأ لأنّه أسقط المسائل الإستراتيجية وربط علاقاته فقط على أسُسٍ تكتيكية ومناوراتية يغيب عنها الفعل الجماعي وترتبط بالشّخص ولاشيء غير الشّخص فأضحى بذلك لقمة سائغة لحركة سياسية مواقفها بحسب الظرف والطلب أحيانا وبراغماتية حدّ الإنتهازية المقيتة ولكنّها في ما يهمّ الإستراتيجية والأصول فهي ثابتة أيّما ثبات.

البـاجي قايد السبسي رجل «الحداثة» كما هو حال يسارنـا «التقدّمي»، الأوّل مناورٌ إستثنائي و«إمْحَاسْبِي» لكنّه يفتقد الى استراتيجية وخارطة طريق واضحة والثاني يمتلك استراتيجية أو بالتحديد شعارات وتغيب عنه التكتيكات الموصلة لتحقيق الأهداف وهو ما قد يفسّر عدم التقائهما وحتّى تنافرهما.

والرئيس أخطأ أوّلا وأخيرا وهو مُصِرٌّ في ما يبدو على التمادي في الخطإ لأنّه في كلّ مرّة أسقط من اعتباراته مسألة التوقيت وفِي السياسة يمثّل حسن إختيار التوقيت عاملا مهمّا في إنجاح السياسات والبرامج.

نكاد نرى لاعبا على درجة كبيرة من الموهبة الفنية ، يقوم بكلّ شيء ويأتي بالمعجزات ولكنّه يفشل في كلّ مرّة أمام المرمى ويأسف المرء لذلك لأنّه ما كلّ مرّة يجود علينا الزمن بلاعب مثله.

وتقديرنا أنّ الإتحاد وصل الى هكذا استنتاج فقرّر الخروج من جلبابه الجمعياتي لحينٍ، ولكن يبقى من الضروري أن تلعب أطراف سياسية وحزبية دورها المنوط بها حتّى تحصل الفائدة من بصيص الأمل هذا الذي حملته لنا تطوّرات التسجيل في القائمات الإنتخابية.