الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



مرشّح للعب دور مهم في الاستحقاقات القادمة

هل يُصلح المجتمع المدني ما أفسده السّياسيون؟!



بقلم: منور مليتي

يضجّ المجتمع التونسي بالعديد من قوى المجتمع المدني التي لا تصنف لا في خانة السلطة ولا في خانة المعارضة ولا أيضا في خانة الأحزاب وإنما هي قوى جعلت من النشاط المدني رهانها الوحيد في المشاركة في الشأن العام دون الولاء السياسي وهي نقطة تحسب لصالح المسار الانتقالي من حيث المبدإ.

رأسا القوى المدنية في تونس هما الاتحاد العام التونسي للشغل ونقابة الأعراف لكن لا يحجب ذلك قوى أخرى وفي مقدّمتها الرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان وعمادة المحامين وغيرها في مختلف المجالات إضافة إلى قوى نشأت حديثا لتنشط في قطاعات حيوية تمسّ مباشرة الشأن العام.

لكن هذه القوى التي يحظى أغلبها بالمصداقية نتيجة أدائها بدت متحررة ومشتتة تركز نشاطها على ملفاتها المباشرة على الرّغم من أن عمق دورها وأهدافها يكاد يكون واحدا مما جعلها في كثير من الأحيان تزجّ في جانب الدفاع عن ملفاتها بطرق احتجاجيّة كثيرا ما أنهكت أهدافها الوطنيّة.

وعلى الرّغم من أن الخيط المشترك بين قوى المجتمع المدني التونسي هو نشر الثقافة السياسية المدنية والدفاع المدني السلمي عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسيّة والثقافية لكل التونسيين إلا أنها لم تتوصل بعد إلى بناء قوة واحدة في شكل رابطة أو جبهة تعزز بها ثقتها في مشهد استحوذت عليه أحزاب سياسية غالبيتها تفتقد لثقافة سياسيّة متينة تسند الدولة وتستقطب فئات مؤهلة للنشاط المدني في مختلف المجالات.

لا أحد بإمكانه إنكار الدور الوطني لهذه القوى وخاصّة اتحاد الشغل المنظمة العريقة التي مثلت عبر تاريخها فضاء ديمقراطيا لم يدافع فقط على حقوق العمال إنما تشارك إلى حدّ كبير في إحداث نوع من التوازن مع السلطة المركزية لكنه وجد نفسه في الكثير من الأحيان رهن المطلبيّة.

والحال أن العمل النقابي تطوّر جذريّا وتحوّل إلى نشاط يشارك مباشرة أو غير مباشرة في إدارة الشأن العام في جانبه المدني ويمثل حصنا منيعا ضدّ الهيمنة السياسية أو الإيديولوجية ليمثل آلية تعديل سواء تجاه السلطة أو تجاه المعارضة ويفرض بذلك توازنا ضروريا في مختلف المسارات.

وبالمقابل من الإجحاف تجاهل دور منظمة الأعراف في الدفاع عن المؤسسات الصناعيّة والتجاريّة ومن ثمة عن شرايين الاقتصاد الوطني وفق رؤيتها ولكن أيضا وفق الرّفع من الأداء الاقتصادي في تونس التي تشكو من محدوديّة الثروة والموارد الطبيعيّة لتدافع في النهاية عن التوجّهات العامّة للدولة.

ومن يصنّف اتحاد الشغل ونقابة الأعراف في خانة الخصمين أو العدوين فهو جاهل بأبجديات العمل المدني وبالآليات الكفيلة بتعديل التوجّهات والقرارات، إذ تشتغل المنظمتان في نفس الفضاء وتقومان بنفس الوظيفة كل حسب اختصاصه.

بل تشتغل المنظمتان على نفس الأهداف وهي الرّفع من النشاط المدني بما يحقق التوازن بين إنتاج الثروة وتوزيعها وبين حقوق العمال لتحدث التوازن المطلوب في ظل هشاشة الأوضاع العامة وأيضا في ظل أطر مدنية متحرّرة من نفوذ السياسيّين الذين كثيرا ما يتجاهلون أهميّة المسوغات المدنيّة في بلورة القرارات مستخفين بالمجتمع المدني ودوره في إرساء مسارات وطنيّة لا تفاضل بين مصلحة الدولة وبين مصلحة مختلف الفئات الاجتماعية الميسورة والفقيرة.

اليوم تعيش تونس نوعا من الحراك، وهو حراك مرشح للرّفع من نسقه ومن الخطإ أن يكون حراكا سياسيّا صرفا لعدّة اعتبارات موضوعيّة.

أوّلها أن مشروع نحت ملامح تونس الحديثة ليس حكرا على السياسيّين وإنّما يجب أن يكون له واقع مدني قويّ يغطي الفضاءات التي فشلت الكيانات السياسية في تأثيثها ما أنهك النشاط المدني.

وثانيها أن كسب الحرب التي أعلنها رئيس الحكومة تحتاج بالضرورة إلى ثقافة سياسيّة مدنيّة تفتقدها عديد القوى السياسية أو هي في أحسن الحالات ثقافة هشة تتغذى من طبيعة الأحزاب وتعبّر عن توجّهات أكثر مما تتغذى من المفاهيم المدنية بمعناها الحديث وهي مفاهيم تستبعد الاعتبارات السياسية المباشرة.

النشاط المدني نشاط مستقل عن السياسة، مستقل تنظيميّا ومرجعيّا لكن في نفس الوقت ليس مستقلا عن الشأن العام، وبمعنى آخر فإن قوى المجتمع المدني تدور في فلك عالم السياسة دون أن تعرف فيه وتشارك في الشأن العام دون أن ترتهن لأي جهة سياسيّة وتساهم في صناعة الملامح السياسيّة الكبرى مع رسم مسافة تحافظ على هويّتها.

فاتحاد الشغل مثلا من حقه أن يشارك في رسم التوجّهات الاقتصادية والاجتماعية كذلك هو الشأن بالنسبة لنقابة الأعراف حفاظا على التوازنات الكبرى لكن دون أن يعني ذلك أنه تجرّد من هويته المدنيّة ليتحوّل إلى كيان سياسي.

لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن هناك فراغا مدنيّا خاصة في الجهات في ظل فراغ سياسي مردّه أن كل قوّة مدنيّة ترى أنها معنية فقط باختصاصات وظيفتها والحال أن أي قوى معيّنة مباشرة بالشأن الوطني سواء منها حالات الاحتقان والكوارث الطبيعيّة هي مدعوة إلى معاضدة جهود الدولة في معالجة أي ملف أو طارئ من الطوارئ.

ان الأوضاع مرشّحة أكثر إلى المزيد من التفاعلات التي لا تخلو من التعقيدات وهي تفاعلات تستوجب الرّفع من أداء قوى المجتمع المدني ولا يتسنى ذلك إلا في حال بناء قوّة مدنيّة واحدة تمتلك من الأداء والنفوذ ما يؤهّلها لإحداث نقلة نوعيّة بشأن النشاط المدني من جهة وبما يجعل منها قوّة قادرة على فرض التوازن في مواجهة نزعات تسييس مختلف المجالات والقطاعات التي طالت مع الأسف عديد مؤسّسات الدولة.

ان استمرار الوضع الحالي لقوى المجتمع المدني في ظل التحديّات التنمويّة والسياسيّة القادمة سيساهم بشكل أو بآخر في تعميق حالة الفراغ وقد يساهم في فسح المجال لطغيان ما هو سياسي على ما هو مدني ومن ثمة يتمّ الإجهاض على التجربة المدنية التي تعدّ تجربة عريقة مقارنة بدول المنطقة.

لا يمكن أن نغترّ بالخطاب السياسي الذي تروّج له الأحزاب السياسية وانحيازها إلى مدنيّة حزبيّة، ذلك أن تجذير النشاط المدني لا يحدّده الخطاب مهما كانت مصداقيته وإنّما تفرضه قوّة فاعلة قادرة على لجم الشراهة السياسية، قوة تنبني على قواسم مشتركة وأهداف مشتركة لعل أهمّها صياغة ثقافة مدنيّة وطنيّة وفرض النشاط المدني كمحرّك أساسي لمسارات الانتقال الديمقراطي.

من الغباء تجاهل تدني الثقافة المدنية في تونس اليوم، فثقافة «رزق البيليك» مازالت تعشّش في الأذهان حتى انها استباحت بدوافع سياسيّة كيان الدولة والإدارة بعدما تسلّلت إليها عمليات التسييس وهو مؤشّر قوي على أن الأحزاب ماضية في تعزيز تموقعها في فضاءات تعد خطوطا حمرا لا يجب الاقتراب منها.

الديمقراطية التونسية عمليّة ناشئة تستبطن هشاشتها في ذاتها ومن الإجحاف القفز على هذا المعطى والدليل على ذلك أنها كادت تنسف من الأساس لولا مبادرة الرباعي الراعي للحوار الوطني، وهي مبادرة تعني في العمق أن ما هو مدني انقذ ما هو سياسي وأن الأزمات السياسيّة لا تنقذها سوى قوى المجتمع المدني نظرا لطبيعة المشهد السياسي الذي كثيرا ما استخف بغالبية اتجاهات الرأي العام التي تتوجّس من أداء السياسيين وتثق أكثر من القوى المدنيّة.

لقد تمّ تسييس المسار الانتقالي بطريقة فجة ونعتقد أن هذا التسييس سيأخذ نسقا تصاعديّا ممّا قد يعمق التعقيدات أمام الحكومة وكسب حربها، تعقيدات ليس بإمكان الأحزاب على وضعها الحالي توفير الإسناد اللازم طالما أن همّها الوحيد الترويج لنفسها على أنها عنصر توازن والحال أنها عنصر انخرام تتخفى وراء مؤسّسات الدولة حرصا على ضمان مواقعها أكثر ممّا تقدّم من الجهد ما يرفع من أداء الحكومة ويحصّن المسار بآليات مدنيّة تنأى بالعمليّة السياسيّة عن الانتهازيّة.

قد تبدو فكرة بناء قوّة تجمع مختلف مكوّنات المجتمع للبعض نوعا من الحلم واقعا مازال يتحسّس آليات توازنه، ولكننا نرى أن هذه نقطة لصالح الفكرة إذ أن مؤشرات الشأن العام تؤكد أن قوى المجتمع المدني مرشحة لأن تضطلع بدور أكبر خلال الاستحقاقات القادمة خاصّة وأن الملفات المطروحة مثل مقاومة الإرهاب وتوفير التنمية والتشغيل والرّفع من أداء الدولة هي في جانب كبير منها ملفات تستوجب مشاركة قويّة لمختلف مكوّنات المجتمع المدني.

ان المفهوم السياسي التقليدي الذي يركّز إدارة الشأن العام بين يدي السياسيين قد انتهى ولم يعد قادرا على إحكام التوازنات الكبرى التي تلعب فيها القوى المدنية دورا محوريّا إن لم نقل ضروريّا وهو حالة تفرض نفسها على تونس اليوم من خلال ضبط إيقاع السياسة وترويض السياسيّين وهي عملية موكولة في جانب منها إلى قوى المجتمع المدني من أجل إحداث توازن بين أوزان الثقافة السياسية والثقافة المدنيّة.