الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية


تحقيق
مراقبة تمويلات الأحزاب

هل تتجاوز ضعفها من أجل شفافيّة المحطات الانتخابيّة القادمة ؟


إعداد: عواطف السويدي

تعد النزاهة في الحياة السياسية و الحياة العامة أهم دعائم النظام الديمقراطي، وفي تونس لطالما اقترنت شبهات المال السياسي والتمويل الأجنبي بالأحزاب خلال المحطات الانتخابية وفي الفترات العادية هناك أيضا اتهامات متبادلة بين مختلف السياسيين ومكونات الأحزاب بشأن تلقي تمويلات من الخارج.

وبالتزامن مع الانتخابات البلدية التي ستنتظم في ماي المقبل كشف رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد عن ورود عدة ملفات تتعلق بشبهات فساد مالي وإداري لعدد من الجمعيات والأحزاب ، وشدد في هذا الصدد على ضرورة التعجيل بضبط إطار قانوني دائم ينظم عمل الأحزاب والجمعيات للقطع بالخصوص مع حالة التشكيك التي رافقت الاستحقاقات الانتخابية السابقة.

وقد عرف المشهد السياسي منذ 2011 حالة من الارباك والتهافت على النشاط السياسي حيث كون أغلب الفاعلين السياسيين أحزابا دون برامج واضحة فارتفع عددها بين 2011 و2017 إلى 210 أحزاب وهو عدد قابل للارتفاع، وقد ساهم هذا الاسهال في عدد الاحزاب في ضبابية المشهد السياسي خاصة وأن الأحزاب الفاعلة لا يتجاوز عددها تقريبا 15 حزبا، و من اجل تنظيم المشهد الحزبي وحسن مراقبتها ونزاهتها انطلقت وزارة العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان منذ فترة في عقد لقاءات استشارية مع مختلف الاحزاب السياسية وكل المعنيين بالحياة السياسية حول تغيير المرسوم عدد 87 للأحزاب السياسية وتغييره بمشروع قانون جديد يتماشى مع المرحلة الحالية للانتقال الديمقراطي.

وفي هذا السياق صرح وزير العلاقة مع الهيئات الدستورية ، بأنّ 30 حزبا فقط قدمت تقاريرها المالية من بين 210 أحزاب ، وقال بن غربية إنّ كافة الأحزاب الكبرى في تونس وذات الوزن السياسي لم تقدم تقاريرها، مؤكدا انه لا وجود لأي حزب سياسي احترم كل الإجراءات القانونية ، اذ تمت مراسلة الأحزاب في مناسبتين خلال 2017، لتقديم تقاريرها المالية، لكن أغلبية الأحزاب لم تستجب لذلك ما عدا الأحزاب حديثة العهد والتي تكوّنت في 2016.

ولإنجاح الانتخابات البلدية المزمع تنظيمها في ماي القادم لابد من التصدي للمال السياسي و مراقبة المداخيل المالية غير المعلنة التي تتحصل عليها الأحزاب من الداخل و الخارج ، في ظل غياب آليات واضحة للتمويل العمومي وعدم تفعيل فصول المرسوم عدد 87 المنظم للأحزاب السياسية.

فما مدى نجاعة حملة مكافحة الفساد لتكريس النزاهة في الحياة السياسية و الحال انه لا يوجد إرادة حقيقية من الأحزاب للكشف عن تمويلاتها الداخلية و الخارجية بكل شفافية فضلا عن تلكئ الحكومة و الأجهزة الرقابية في تطبيق القوانين وتفعيلها، فما هي ابرز الإجراءات المتبعة لمراقبة المال السياسي وهل يمكن تدارك الثغرات والنقائص في المرحلة القادمة ؟

ينتقد بعض السياسيين ضعف التمويل الخاص والعمومي الذي تعاني منه جل الأحزاب في تونس ، ويرى اغلبهم ضرورة دعم الأحزاب السياسية عبر توفير التمويل للمشاركة في الشأن العام والقيام بمهامها والحيلولة دون ارتهانها للأطراف الأجنبية ، لكن هذه المطالب تبدو صعبة التحقيق في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد وفي ظل غياب تفعيل لآليات الرقابة ، واستفاقت الحكومة مؤخرا مع قرار الاتحاد الأوروبي تصنيف تونس في القائمة السوداء للدول المبيضة للأموال والمموّلة للإرهاب ، فقررت فتح ملف تمويل الجمعيات والأحزاب السياسية الناشطة في تونس خاصة منها التمويلات الأجنبية التي تحوم حولها عديد الشبهات .

المسار الرقابي

ويحصر قانون الأحزاب وهو المرسوم 87 لسنة 2011 المنظم للأحزاب السياسية مصادر تمويل الحزب في اشتراكات أعضائه والمساعدات والتبرعات والعائدات الناتجة عن ممتلكات الحزب السياسي ونشاطاته ، بالإضافة إلى القروض والتمويل الحكومي ، ويمنع الفصل 18 من المرسوم أن يتلقى الحزب تمويلا مباشرا أو غير مباشر نقديا أو عينيا صادرا عن أي جهة أجنبية أو مصدر مجهول.

وفي هذا السياق أبرز معز بن محمود، المكلف بالإعلام في وزارة العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان في تصريح لـ «الصحافة اليوم» انه تم إجراء 3 استشارات مع الأحزاب السياسية في سبتمبر ونوفمبر 2017 وجانفي 2018 و من المنتظر أن يتم استكمال الدراسة ومشروع القانون في نهاية الثلاثي الأول لسنة 2018 .

وأفاد بان الوزارة تتعهّد بالتصرف وتحيين ملفات الأحزاب كما تقوم بدراسة ملفات التصريح بتأسيس الأحزاب السياسية الجديدة، وقد بلغ العدد الجملي للأحزاب 210 أحزاب ، وفي إطار تطبيق ما نص عليه المرسوم 87 لسنة 2011 ، و بعد توجيه مراسلة أولى في جانفي 2017 للأحزاب السياسية ، تولت الوزارة في شهر ماي 2017 توجيه مراسلة ثانية للأحزاب التي لم تجب وذلك للتذكير بمقتضيات المراسلة الأولى. وبلغ عدد الاحزاب التي اجابت على هذا الطلب الى حد ذلك التاريخ 35 حزبا فقط.

وأشار معز بن محمود الى أنّ الوزارة قد قامت بمراسلة المحكمة الإدارية بتاريخ 9 جانفي 2017 لتفعيل اللجنة المكلفة بتلقي التقارير السنوية لمراقبة حسابات الأحزاب والمصادقة على قوائمها المالية المنصوص عليها بالفصل 26 من هذا المرسوم والتي يترأسها الرئيس الأول للمحكمة الإدارية ، كما ذكر أن الوزارة تولت مراسلة المحكمة الإدارية من جديد بتاريخ 27 جويلية 2017 لطلب موافاتها بالمعطيات حول الأحزاب التي قدمت تقارير مراقبة حساباتها للجنة المذكورة بداية من تاريخ صدور المرسوم ، وعملا بأحكام الفصل 27 من نفس المرسوم الذي ينصّ على أن «يقدّم كلّ حزب تقريرا سنويا يشمل وصفا مفصلا لمصادر تمويله ونفقاته إلى دائرة المحاسبات»، فقد قامت الوزارة بمراسلة الدائرة لطلب مدّها بقائمة الأحزاب التي أرسلت تقاريرها منذ صدور المرسوم. وفي جوابها، أفادت الدائرة أنّ 13 حزبا فقط تولت على الأقل تقديم تقرير واحد (أو التصريح بعدم القيام بأي نفقات)، مبرزة في المقابل عدم استيفاء أي حزب لواجب إيداع التقارير بالنسبة لجميع السنوات المعنية.

وبخصوص مشروع القانون الجديد المنظم للأحزاب السياسية ، بين محدثنا أن الوزارة قامت باستقراء المرسوم عدد 87 لسنة 2011 المتعلق بتنظيم الأحزاب السياسية ، وحددت جملة النقاط الايجابية والسلبية التي يتضمنها، ثم اعتمدت مقاربة تشاركية لإعداد قانون أساسي في الغرض، وفق ما ينص عليه الدستور من وجوب تعويض القوانين التي تنظم الحياة العامة والحريات بقوانين أساسية.

وشدد على أن الوزارة ستسعى إلى تطبيق و تفعيل المرسوم عدد 87 للأحزاب السياسية في مجال الرقابة إلى حين إعداد قانون جديد ، ولاحظ في الاثناء ضعف آليات الرقابة على الاحزاب والحياة العامة في المرحلة الحالية وضعف التنسيق و عدم الجدوى لذلك سيتم تفادي كل هذه الثغرات في المشروع الجديد للأحزاب السياسية.

واعتبر وزير الهيئات الدستورية مهدي بن غربية في تصريحات اعلامية أنه لا وجود لحياة سياسية ديمقراطية دون أحزاب ، مؤكدا بخصوص التمويل العمومي ضرورة وضع شروط معينة تجنب الأحزاب البحث عن التمويل اللامشروع ولكن في إطار إمكانيات الدولة ، كما اقترح وضع منصة الكترونية للأحزاب تكون مفتوحة للعموم من أجل مزيد مراقبتها وشفافيتها وحوكمتها .

شبهات تمويل أجنبي

وتتبادل قواعد الأحزاب في تونس وخاصة منها الأحزاب الكبرى، الاتهامات حول ارتباطها ماليا بأطراف خارجية، ويتهم خصوم النهضة الحركة بالحصول على تمويل من دول داعمة للأحزاب الإسلامية في المنطقة ومن بينها قطر ، وأعلن الحزب الدستوري الحر، في أوت الماضي أنه أودع شكوى لدى وكيل النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بتونس، للمطالبة بفتح تحقيق عاجل ضد حزب حركة النهضة وكل من سيكشف عنه البحث في ما نسب إليه من اتهامات بتلقي تمويل من دولة قطر، وأكدت رئيسة الحزب عبير موسي حينئذ أن حزبها يمتلك قرائن جدية تفيد تلقي حزب النهضة لتمويلات من قطر.

لكن النائب عن حركة النهضة «عماد الخميري» أكد في تصريح لـ«الصحافة اليوم» أن تمويل حزبه يقتصر على اشتراكات شهرية لـ«مناضليه»، و اعتبر ان هذا الكلام للحزب الدستوري الحر كان في اطار المنافسة غير الجدية و الحديث من دون حجة قائلا ان عبير موسي تتحدث على اليمين و على اليسار لتشويه حركة النهضة فقط.

وأوضح الناطق الرسمي باسم حركة النهضة عماد الخميري أن حزبه من الأحزاب القليلة التي قدّمت تقريرها المالي السنوي إلى دائرة المحاسبات في العام الماضي ودعا الخميري إلى ضرورة تنظيم الدولة للتمويل العمومي بناء على نتائج الانتخابات والحضور الشعبي و هذا ضمانة للأحزاب حتى تكون قوية و مهيكلة وديمقراطيتنا قوية و خارج تأثير المال السياسي ، و من اجل استقلال القرار السياسي والاستقلال الداخلي، وطالب الخميري بتطبيق القانون ومراقبة التجاوزات خلال الحملات الانتخابية، وقال عماد الخميري أن حركة النهضة حزب كبير يناضل منذ سنوات ولديه عدد كبير من المنخرطين.

فراغ تشريعي

ومن جهته قال أمين عام حزب التيار الديمقراطي والنائب «غازي الشواشي» ان نواب حزبه قدموا مقترحا تضمن مواصلة تمويل الدولة للانتخابات مثلما كان معمولا به في التجربتين الانتخابيتين السابقتين وتم رفضه من قبل الاغلبية معتبرا ذلك خطرا على الديمقراطية الفتية ، واعتبر غازي الشواشي في تصريح لـ «الصحافة اليوم» أن عملية التأسيس لديمقراطية ناجحة تقتضي على الدولة الاستثمار في الديمقراطية ويمر ذلك ضرورة برأيه عبر تمويلها للأحزاب السياسية والحملات الانتخابية على اعتبار ان تمويل الدولة للطبقة السياسية هو الكفيل الوحيد بإنجاح التجربة الديمقراطية وبإبعاد شبح المال السياسي الفاسد في الانتخابات وضمان تكافؤ الفرص بين الاحزاب الصغرى والكبرى وفي انجاح المسار التعددي وذلك اقترانا بالتجارب الديمقراطية على غرار الولايات المتحدة الامريكية و فرنسا.

ولاحظ الشواشي عدم تفعيل المرسوم 87 المنظم للأحزاب بدليل تقديم 30 حزبا فقط من جملة 210 لتقاريرها المالية مطالبا دائرة المحاسبات والهياكل الرقابية بتفعيل دورها ، وذكر في هذا السياق ان حزبه رفع قضية بثلاثة احزاب تقدم اعانات و هدايا للمواطنين و ذلك استنادا للفصل 13 من مرسوم الاحزاب الذي يمنع هذه العملية والتي لا تكون إلا من مشمولات الجمعيات.

وفيما يتعلق بغياب اطار تشريعي يوزع بمقتضاه التمويل العمومي للأحزاب قال غازي الشواشي أن هناك خروقات بالجملة في الحملات الانتخابية حيث يتم تجاوز السقف في عديد المرات وشدد على ان غياب القانون يجعل الاحزاب والانتخابات رهينة رجال المال والشركات واللوبيات والتدخل الأجنبي وهذا تشويه للديمقراطية، وأضاف محدثنا أن الدولة مطالبة باتخاذ كل الاجراءات و سنّ كل القوانين من أجل منظومة تشريعية قادرة على تكريس الشفافية في الحياة السياسية ومن أجل انتخابات نزيهة وشفافة في مرحلة ما قبل الصندوق .

ويرى غازي الشواشي أن ضمان النزاهة مشروط بمراجعة مرسوم الاحزاب ودعم عمل دائرة المحاسبات واعطاء صلاحيات اوسع لهيئة الانتخابات.

نزاهة شاملة

وقال المستشار القانوني للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «مهدي بن جمعة» ان الهيئة قررت ان تكون سنة 2018 سنة النزاهة السياسية عبر ارساء جملة من التشريعات والاجراءات في كل ما يتعلق بتمويل الاحزاب السياسية والانتخابات وأيضا تضارب المصالح و ذلك استنادا على عديد التوصيات في تقرير الهيئة لسنة 2016 الذي تناول مراقبة تمويل الحملات الانتخابية و وجود شبهات تمويل اجنبي في انتخابات 2011 و 2014 .

وأوضح بن جمعة في تصريح لـ«الصحافة اليوم» إن مرسوم الأحزاب يتضمن عديد الثغرات ولم يأت على جميع المجالات في مراقبة المال السياسي مشيرا الى ان البلدان الديمقراطية لديها عديد الهيئات الرقابية التي تقوم بدور هام وهو ما يستوجب أن تقتدي به تونس كديمقراطية ناشئة. وفي هذا الاطار ذكر عضو هيئة مكافحة الفساد ان الهيئة ستنظم ندوة كبرى يشارك فيها مختصون تونسيون وأجانب لإقرار جملة من الإجراءات بعد النقاش وأهمها بعث هيكل يعنى بمراقبة الحياة العامة على غرار الهيئة العليا لشفافية الحياة العامة في فرنسا ، واعتبر مهدي بن جمعة ان مصطلح النزاهة في الحياة السياسية هو مصطلح شامل للدخول في قواعد التشريع التونسي لضمان الحد الادنى من النزاهة في الحياة السياسية.

وأقر بأن تونس بعد سبع سنوات من الثورة تحتاج على ارساء منظومة شاملة للنزاهة تستفيد من النماذج المقارنة وفي نفس الوقت يأخذ بعين الاعتبار خصوصية السياق التونسي لان اللوبيات المالية اليوم لازالت تتحرك بصفة قانونية وشرعية ولهذا ستفتح الهيئة حوارا يضم كل الاطراف لاستنباط حلول تساهم في النزاهة في الحياة العامة ككل وليس الحياة السياسية فقط.

و السؤال المطروح هو انه في انتظار إعداد قانون جديد منظم للأحزاب و في انتظار تفعيل رؤية الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد كيف سيتم تكريس النزاهة و الشفافية في الاستحقاق الانتخابي القادم ؟