الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



عندما يجانب الوزير الصواب

ثمة فرق بين الطمأنة ... والمغالطة


بقلم: جنات بن عبد الله

عبّر وزير التجارة عمر الباهي عن استغرابه مما يتداول بشأن ارتفاع الأسعار ومسؤولية قانون المالية لسنة 2018في ذلك، موضحا في الندوة الصحفية التي عقدها يوم أمس بمقر الوزارة لتقديم نتائج الحملة الوطنية لمراقبة المواد المدعمة ان الزيادات المنجرة عن الترفيع في نسب الأداء على القيمة المضافة لا تتعدى 10 مليمات و40 مليما بالنسبة للمواد الغذائية الأساسية الخاضعة لحرية الاسعار، وهي زيادات اعتبرها السيد الوزير ضئيلة ولا تستوجب احتجاجات وتحركات خاصة في ظل الضغوط التي تعاني منها ميزانية الدولة وهاجس الحكومة التخفيض في عجزها الى 4،9 % من الناتج المحلي الاجمالي مقابل 6،5 % في سنة 2017.

وزير التجارة أكد ان هذا الحرص على التقليص من عجز الميزانية يمر ايضا عبر التقليص من الاعتمادات المخصصة لصندوق التعويض التي تراجعت هذه السنة الى مستوى 1570 مليون دينار بالنسبة للمواد الأساسية و1500 مليون دينار لفائدة المحروقات و450 مليون دينار لفائدة النقل وهو ما مكن من محافظة المواد المدعمة على أسعارها.

وفي هذا السياق نوّه السيد الوزير بسياسة الحكومة المحسوبة على الليبرالية واهتمامها بالعائلات المعوزة وبمواصلة سياسة الدعم التي تبقى خيارا لم يتم التفريط فيه رغم الضغوط واللجوء المتواصل الى الاقتراض الخارجي.

التعاطي الاتصالي الذي اعتمده وزير التجارة في تحليله لحركة الاسعار «التصاعدية» اعتمد اسلوب التعويم، وكأنه يؤاخذ من خرجوا للاحتجاج على غلاء المعيشة وتدهور المقدرة الشرائية والمطالبة بمراجعة سياسة الأسعار ومراعاة قفة المواطن. وحتى لا نتجنى على السيد الوزير الذي برأ قانون المالية ونحافظ على رسالة الطمأنة التي بعثها للمواطن التونسي وللمحتجين، فقد قدرت الحكومة تداعيات تطبيق قانون المالية على الأسعار فيما بين 10 و40 مليما بالنسبة للمواد الأساسية الخاضعة للأداء على القيمة المضافة في حين حافظت المواد المدعمة على أسعارها.

وزير التجارة حمل مسؤولية ارتفاع الاسعار الى الزيادة في الاسعار العالمية للمحروقات، وهي زيادات حسب ما جاء على لسانه اثرت على كل الاقتصاديات بما في ذلك اقتصاديات البلدان المصدرة للنفط مثل السعودية والجزائر.

تحليل السيد الوزير كان مفعما بالتفاؤل حيث طمأن الشعب التونسي وبناء على مؤشرات كارثية بأيام أفضل بفضل تحسن المؤشرات المرتبطة بالسياحة والفلاحة والتصدير والتي بفضلها سيتعافى الدينار التونسي.

كما طمأن الشعب التونسي على توفير كل ما يحتاجه باللجوء الى التوريد اذ ما عجزت منظومة الانتاج عن تغطية هذا الطلب مثل اللحوم الحمراء والبطاطا والبصل حيث تراجع الانتاج بسبب نقص المياه وتوجه الحكومة نحو التقليص من المساحات المخصصة لذلك عوض البحث عن حلول انجع تجنبنا مزيد التوريد ومزيد تدمير الفلاح.

وفي ظل هذه الخيارات الواعية والتي تستند الى ارادة سياسية واضحة، يبدو أن اسلوب التعويم الذي اتبعه وزير التجارة يتجه نحو ارساء نمط استهلاكي جديد للمجتمع التونسي يقوم على استهلاك الخبز والكسكسي والمقرونة والتخلي التدريجي عن استهلاك المواد الخاضعة لحرية الاسعار ومن بينها مواد التنظيف لفتح الابواب امام الامراض والأوبئة ليتحول التونسي الى فريسة سهلة لها باعتبار ان اسعار الأدوية تأثرت هي ايضا بارتفاع اسعار المحروقات والمواد الأولية الموردة وبانزلاق الدينار.

كما يبدو ان السيد الوزير التي تبنى خطابا بسيطا ومعوما قد ابتعد عن التحليل الاقتصادي الشامل الذي يقوم على احترام الترابط بين كل العناصر والأسباب المساهمة في اسعار المواد المكونة لقفة المواطن وادراجها ضمن نموذج يأخذ بعين الاعتبار هذا الترابط لضبط وزن تأثير الترفيع في الأداء على القيمة المضافة من جهة وتأثير ارتفاع اسعار المحروقات من جهة ثانية، وتأثير انزلاق الدينار من جهة ثالثة ... فضلا عن ضرورة احترام واعتبار تآكل المقدرة الشرائية في السنوات الماضية وارتفاع نسبة التضخم المسجلة في سنة 2017، واعتماد تقنيات احتساب علمية.

وفي غياب هذه المقاربة يبدو ان هذه الحكومة اختارت طريقة تعاط تعود الى ثمانيات القرن الماضي وقبل الانخراط في سياسة الانفتاح وتحرير الاقتصاد وتحرير المبادلات التجارية وتفاقم العجز التجاري وتعميق الارتهان لصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي.

لقد كنا ننتظر من حكومة الاصلاحات الكبرى ان تتجند بالدراسات والتحاليل الاقتصادية الحقيقية والابتعاد عن التعويم الذي لا يفرز الا المغالطات، بما يزيد في تعميق القطيعة بين الشعب وحكام تونس الجدد.

وزير التجارة في الندوة الصحفية رفع الستار عن ضعف المستوى العلمي والاكاديمي لفئة من المسؤولين وصلوا الى السلطة بفضل المحاصصة الحزبية والولاءات السياسية وانخرطوا بارادة ووعي، في منظومة «ليس بالامكان افضل مما كان».

ان ما يعيشه المواطن التونسي من ضغوط تضخمية، وما تسجله المؤشرات المالية وخاصة في مستوى العجز الجاري وانزلاق قيمة الدينار، تتعاطى معه حكومة الشاهد على أساس الظرفية، في الوقت الذي ستأتي هذه المؤشرات على الاخضر واليابس وتعمق البطالة والفقر والجهل والتهميش.

صحيح ان قانون المالية لا يتحمل لوحده مسؤولية انهيار المقدرة الشرائية، ولكن الأكيد ان الخيارات الاقتصادية تقف وراء انهيار المقدرة الشرائية وتدهور كل المؤشرات.

هذه الخيارات هي التي فتحت باب التوريد وتخلت عن حماية الدينار وأخفت حقيقة الارقام المتعلقة بالمبادلات التجارية وادماج صادرات الشركات غير المقيمة عند احتساب الميزان التجاري في حين ان مداخيل صادراتها لا يتم استرجاعها الى تونس وبالتالي لا نجد لها اثرا في الاحتياطي من العملة الصعبة، لتعجز حكومة الشاهد عن فهم ما يحدث في الميدان، وتبرئ قانون المالية الذي روجت له كمنقذ لتونس من مزيد الاقتراض الخارجي.