الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



بعد اعتبار تونس ملاذا ضريبيا

هل يمثّل إحداث مجلس أعلى لمناخ الأعمال أحد الحلول ؟


إعداد عواطف السويدي

تتوالى في تونس المؤشرات الخطيرة عن الوضع الاقتصادي من فترة إلى أخرى حول تدهور حالة المالية العمومية وارتفاع المديونية و تفاقم التهرب الضريبي مما ينعكس باستمرار على تراجع تصنيف تونس السيادي من الوكالات العالمية المتعلق بالشفافية والحرية الاقتصادية لكن دون أن تحدث هذه المؤشرات الرجة الحقيقية لدى الطبقة السياسية التي لا تحرك ساكنا نحو الإصلاحات التي يمكن أن تنقذ هذا الوضع تدريجيا ، و لعل تصنيف الاتحاد الأوروبي لتونس ضمن القائمة السوداء للبلدان التي تعتبرها ملاذات ضريبية آمنة، قد تمثل الصدمة الكبرى للتصنيفات الدولية التي ستكون لها انعكاسات رهيبة على التصنيف السيادي و كلفة الاقتراض.

ويأتي هذا التصنيف بعد التدهور الشامل في كل التصنيفات الدولية و التقارير الدولية العلمية المتعلقة بالتصنيفات الاقتصادية والسياسية.

فما هي أسباب هذه التصنيفات السيئة و كيف يمكن تدارك هذا الوضع؟

اختارت «الصحافة اليوم» تسليط الضوء على أهم تداعيات التقارير الدولية الأخيرة حول تصنيف تونس الائتماني من خلال تقييمات الخبراء الاقتصاديين ، وذلك في ظل سكوت السياسيين على هذه المؤشرات وعدم التفاعل مع تداعياتها السلبية على اقتصاد بلادنا.

كانت معظم التصنيفات المنجزة في الفترة الماضية سلبية، ففي مؤشر الحرية الاقتصادية على المستوى العربي احتلت تونس المركز 12 (بحصيلة 7.6 على 10) من إجمالي 22 بلدا عربيا، في تصنيف مؤشر الحرية الاقتصادية في العالم العربي لسنة 2017 متراجعة بمركز واحد مقارنة بالترتيب في السنة المنقضية ، ودعا الوزير المستشار لدى رئيس الحكومة، توفيق الراجحي، في تصريح لـ«الصحافة اليوم» ، إلى تحسين ترتيب تونس وتصنيفها في مختلف المؤشرات الدولية مشيرا إلى أن إحداث «المجلس الأعلى لمناخ الأعمال» سيساعد على تذليل الصعوبات التي تعوق الاستثمار وعلى تحسين مناخ الأعمال وفق تعبيره.

ويستند هذا المؤشر الذي تولى إعداده المعهد الكندي «فرايزر» الى خمس مقاييس رئيسية وهي حجم مصاريف الحكومة و القانون التجاري و حماية حقوق الملكية و السياسية والنقدية و حرية التجارة على الصعيد الدولي و تنظيم النشاط التجاري.

وجدد الراجحي التأكيد على ضرورة التوجه في نفس التمشي الذي طوره قانون الاستثمار من خلال مزيد العمل على تذليل العقبات وتخفيف الاجراءات وتقليص عدد التراخيص وضمان الاستقرار الجبائي، وأفاد المسؤول بان تونس مازالت تجاهد في تطبيق اتفاقات التبادل الحر المبرمة مع بلدان أخرى، ودفع المبادلات مع جيرانها علاوة على الصعوبات المرتبطة بالأداءات الديوانية المرتفعة التي تكبح قطاع الخدمات ونقص السيولة في سوق العمل وأشار إلى أن «مجمل هذه النقائص يؤثر مباشرة على تصنيف تونس في تقرير الحرية الاقتصادية لكن أيضا في تقارير أخرى مثل «دوينغ بيزنس» أو كذلك التنافسية العالمية دافوس».

يذكر أن تونس تصنف، على الصعيد العالمي، في المركز 117 من إجمالي 160 بلدا في ما يهم مؤشر الحرية الاقتصادية.

مؤشرات سلبية

و في أواخر شهر نوفمبر المنقضي أكدت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني، تصنيفها للأصول السيادية بتونس عند «ب+» مع نظرة مستقبلية مستقرة وأوضحت الوكالة في تقريرها أن الدولة مرت بظروف اقتصادية وأمنية صعبة منذ عام 2011, ولم تتمكن الحكومة من دعم ميزانيتها ومواجهة العجز في الميزان التجاري وتوقعت الوكالة في تقريرها، أن تحقق تونس نموًا في الناتج المحلي الإجمالي للعام الجاري بنسبة ٪2.2 مع زيادة عائدات السياحة بنسبة ٪19 وزيادة الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة ٪13.

وتوقعت الوكالة نمو الاقتصاد التونسي بنسبة تتراوح بين ٪2.8 و٪3 في عام 2019, وتراجع عجز الميزانية إلى ٪5.8 و إلى ٪5.3 في 2019 من الناتج المحلي الإجمالي كما توقعت الوكالة تراجع الدين العام إلى ٪70 من الناتج المحلي الإجمالي مع تراجع متوقع بسعر صرف الدينار بنسبة ٪18 أمام اليورو وبنسبة ٪10 أمام الدولار .

وفي وقت سابق منحت وكالة «فيتش» تونس المرتبة 110 على مستوى 201 دولة ضمن تقرير اعدته الوكالة حول «المخاطر الحقيقية» و المرتبة التاسعة بمنطقة شمال افريقيا و الشرق الاوسط وسط 18 دولة شملها التقرير .

وكانت وكالة «فيتش» أكدت في شهر ماي 2017 تصنيف تونس عند «ب+» مع نظرة مستقبلية مستقرة وفي شهر اوت الماضي قامت وكالة «موديز للتصنيف الائتماني» بتخفيض تصنيف تونس السيادي الى «ب 1» آفاق سلبية.

غياب الإصلاح الجبائي

وعزت الوكالة دوافع التخفيض الى 3 عوامل تكمن في استمرار التدهور الهيكلي للقطاع الجبائي في تونس واستمرار اختلال التوازنات الخارجية (عجز الميزان التجاري) وضعف المؤسسات والتي أبرزها التأخر المسجل في برنامج تنفيذ الإصلاح المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي .

كما صنفت الوكالة ديون البنك المركزي التونسي بالعملة الأجنبية، التي تتحمل الحكومة التونسية المسؤولية القانونية في سدادها وهو ما يعكس مخاطر استمرار تراجع احتياطيات النقد الأجنبي أكثر مما كان متوقعا .

وقامت موديز كذلك بتخفيض السندات طويلة الأمد بالعملة المحلية والسندات المصرفية التونسية وسقف الودائع البنكية بالعملات الأجنبية طويلة الأجل وسقف السندات بالعملات الأجنبية و مازال تصنيف سقفي العملات الأجنبية وسندات الإيداع البنكي قصيرة الأجل دون تغيير .

وتعكس الآفاق السلبية، حسب بيان الوكالة، استمرار مخاطر تراجع احتياطات النقد الأجنبي أكثر مما كان متوقعا مع ما يصحب ذلك من ضغوط قد تؤدي إلى تفاقم الدين العام .

وشددت الوكالة على ضرورة الأخذ بعين الاعتبار متطلبات التمويل المتزايدة في تونس بالنظر إلى عمليات تسديد السندات الدولية القادمة بداية عام 2019 وسط عدم وضوح الرؤية حول الوصول إلى مصادر التمويل الخارجية.

تحسن مشروط

و قد أكد الخبير الاقتصادي و وزير المالية السابق، حكيم بن حمودة، ان تثبيت وكالة «فيتش رايتينغ» لترقيم إصدارات تونس من العملة الصعبة (الديون طويلة المدى) في مستوى «ب +» ايجابي نسبيا مع آفاق مستقرة يمثل رسالة للحكومة التونسية والمؤسسات والهياكل المالية الدولية للتأكيد على أهمية ودقة العلاقات والاتفاقات بين الحكومة وهذه المؤسسات باعتبارها الضامن لتمويل الاقتصاد الوطني.

وقال بن حمودة في تصريح لـ»الصحافة اليوم» أن التقارير التي تنشرها هذه الوكالات دائما تشير الى مسألة هامة وهي ان التوازنات المالية للبلاد مرتبطة شديد الارتباط بعلاقاتنا مع المؤسسات المالية الدولية.

و لفت محدثنا الى ان الوكالة قد قامت بالتقليص في الترقيم السيادي لتونس خلال شهر فيفري الفارط فيما قررت حاليا الابقاء على ترقيم اصدارات تونس من العملة الصعبة (الديون طويلة المدى) مع آفاق مستقرة مفسرة هذا الموقف بتحسن الوضع الامني من جهة وبداية تحسن الوضع الاقتصادي من جهة أخرى مع إشارتها الى عودة النمو وآفاق التقليص في عجز المالية العمومية والعجز التجاري.

وشدد بن حمودة في نفس الوقت على أن تقرير «فيتش رايتينغ» قد ذكر الى جانب هذه التطورات الايجابية نسبيا المخاطر التي قد تعترض البلاد في الاشهر والسنوات القادمة وهي تتعلق بالمجالين السياسي والأمني.

ويعود الجانب السياسي الى عدم استقرار الوضع السياسي في البلاد وهشاشة المؤسسات السياسية فيما يشير التقرير بخصوص الجانب الامني الى انه رغم تحسن الوضع الأمني مقارنة بالسنوات الماضية وتنامي قدرة المؤسستين الامنية والعسكرية على محاربة الارهاب فان الاخطار الامنية مازالت محدقة بالبلاد وتتطلب تواصل اليقظة و هو الأمر الذي تمت الإشارة له خلال المؤتمر الاقليمي الثاني عشر حول الحرية الاقتصادية في العالم العربي المنعقد أواخر نوفمبر المنقضي.

واعتبر «بن حمودة» أن موقف الوكالة هو موقف ترقب ويؤكد أهمية قرارها السابق الذي اتخذته في فيفري بشأن التخفيض في الترقيم السيادي لتونس إلى «ب ايجابي» في انتظار تطور الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في الأشهر القادمة .

و قال الخبير الاقتصادي حكيم بن حمودة انه بإمكان الحكومة التونسية تحسين التصنيفات الدولية و العالمية في المؤشرات الاقتصادية بشرط الالتزام بكل القرارات و الإجراءات التي تتخذها في مجال الاستثمار و التنمية حيث بين أن إحداث مجلس أعلى لمناخ الأعمال إجراء ايجابي من شانه ان يحسن في المؤشرات الاقتصادية إلى جانب جهود بقية المؤسسات الاقتصادية وأكد الحاجة الأساسية و الماسة اليوم للانجاز إذ أن مشكل جميع الحكومات المتعاقبة هو في عدم تحويل القرارات والاجراءات الى انجازات و أفعال تطبق على ارض الواقع.

و بالرغم من عديد المحاولات و التحركات التي تقوم بها الحكومة الحالية لتحسين مناخ الاعمال و دفع الاستثمار إلا أن المتابعة ومراقبة الاجراءات غائبة و لذلك تبقى الحكومة اليوم مطالبة بوضع الاطر الضرورية للمراقبة كعملية اساسية و هامة وإلا فلن نحصل على النتائج المرجوة.

توضيح الرؤية

ولفت من جهته الخبير الاقتصادي نبيل عبد اللطيف إلى أن تحسين مناخ الاعمال في تونس اليوم لا يحتاج الى احداث مجلس اعلى بقدر ما يحتاج الى تنظيم العمل و التنسيق الناجع بين مختلف الهياكل المعنية و بين في تصريح لـ«الصحافة اليوم» إن الحكومة يجب أن تسعى الى الاجابة عن الاسئلة التي توجهها الوكالات العالمية لتونس المتعلقة بالمؤشرات الاقتصادية والتي ستساهم في تحسين التصنيف العالمي بنقاط هامة .

و اقترح عبد اللطيف ان يتم احداث مصلحة صلب رئاسة الحكومة تضم البنك المركزي والمعهد الوطني للإحصاء و المنظمات الوطنية الكبرى لتسهر على إعداد استراتيجية كاملة خاصة بتحسين مناخ الاعمال عوضا عن الاكثار من احداث الهياكل و المؤسسات دون الحصول على النتائج المرجوة.

وأوصى محدثنا بان يتم اعتماد توصيات الوكالات العالمية مثل «فيتش رايتينغ» و«منتدى دافوس» التي استشرفت الإشكاليات للأعوام القليلة القادمة ويقع تركيز المجهود لتغيير الواقع الاقتصادي وهي المرتبطة أساسا بتحسين المناخ الأمني والمناخ الاجتماعي وتوسيع سوق الشغل و انجاز الاصلاحات الكبرى في المستقبل القريب والمتوسط مشيرا إلى أن استراتيجية الدولة تنحصر في تعدد المؤسسات والهياكل التي تعمل دون رؤية ودون تنسيق بينها.

إجراءات الحكومة

ولتحسين ترقيم تونس السيادي دوليا و عربيا في المؤشرات الاقتصادية وفي كل التقارير الدولية سواء تقرير «دافوس» او دوينغ بزنس» او غيرها اوضح الوزير المستشار لدى رئيس الحكومة المكلف بالإصلاحات الكبرى توفيق الراجحي في حديثه لـ«الصحافة اليوم» أن تونس تسعى إلى ان يكون هذا المجلس الاعلى لمناخ الأعمال تحت إشراف رئيس الحكومة لأنه سيشمل كل الوزارات وهو مرتبط بكل القطاعات الاقتصادية وكل المؤشرات من ذلك المسائل البيروقراطية والولوج الى التمويل والاستشارات الخارجية ومسألة الاستقرار الجبائي، ولذلك سيكون برنامج المجلس الاعلى لمناخ الاعمال حسب ما ذكره توفيق الراجحي برنامجا سنويا ويحمل اهدافا مرقمة وواضحة مع اعتماد طريقة عمل حسب النتائج، لأن هذه النتائج سنراها في كل تقرير وتصنيف دولي حسب قوله.

وبخصوص تحسين التبادل التجاري مع الدول العربية أبرز الوزير توفيق الراجحي ان هناك اشكالا متعلقا بالنقل وتكلفته المرتفعة بسبب الحواجز القانونية والاجراءات ولذلك ستعمل الحكومة على تحسين البنية التحتية للنقل واذا لزم الامر سيتم التفكير في ايجاد طائرات عسكرية لنقل البضائع الى قطر والدول العربية ككل والتفكير في احداث خط بحري لنقل البضائع و هذه فرصة كبيرة للتصدير بالنسبة لتونس التي تملك بضائع غذائية فلاحية توفر عائدات مالية هامة لتونس.

وأوضح عزان البوسعيدي ممثل عن مؤسسة البحوث الدولية بعمان ومشارك في المؤتمر الاقليمي الثاني عشر حول الحرية الاقتصادية في العالم العربي أن مؤشر الحرية الاقتصادية في الدول العربية يمكن ان يتحسن في السنوات القادمة بعد ان كانت متفاوتة هذا العام، وذكر أن تونس بإمكانها أن تجري تحسينات اقتصادية ترفع من مستوى الحرية الاقتصادية وتعود عليها بالنفع خاصة في مجال القطاع الخاص وشدد ان هناك امكانية تعزيز التبادل التجاري بين تونس وعمان في ظل وجود بنية اساسية للنقل مثل الخطوط الجوية والبحرية وأيضا بشرط ايجاد طلب من الاطراف السياسية في البلدين.