الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



تحوّل الى قوة ضغط ايجابية

إلى أي مدى نجح الإعلام في ترويض السياسة ؟


بقلم: منور المليتي

خلال السنوات الست الماضية قادت وسائل الاعلام بدرجات متفاوتة ومختلفة ما يشبه الحرب الضروس للدفاع عن حرية التعبير والحق في الاختلاف ونجحت الى مدى مقبول في أن تفرض نفسها كسلطة رابعة مهابة أو تكاد تكون ولم تثنها تعقيدات المشهد السياسي وتجاذباته عن الرفع من أدائها سواء في نقل أصوات التونسيين بعيدا عن الخطاب السياسي أو في وضع العملية السياسية تحت مجهر النقد ما ساعد كثيرا على حماية مسار الانتقال الديمقراطي.

رغم عديد الضغوط استمات غالبية الصحفيين والاعلاميين في قيادة جهود وسط تضاريس سياسية ناتئة مهنة شفافة ونزيهة ومحايدة نسبيا ولتنحت صورة جديدة لأداء الاعلام في تعاطيه مع الشأن العام والفاعلين فيه ومن ثمة لتنحت صورة مخالفة للصورة التي يقدمها السياسيون سواء بشأن أنفسهم أو بالشأن الوطني.

اذا كان من المجدي الحديث عمّا تحقق خلال السنوات الست الماضية من مكاسب فإن حرية الرأي والتعبير تكاد تتصدر تلك المكاسب وبدت رافعة للعملية السياسية تتابعها بكل دقة وتحلل مساراتها من وجهات نظر متباينة وتراقبها متسلحة بجرأة وشجاعة لا تخاف سطوة السياسة ورجالها المتنفذين.

بالتأكيد يبقى عنصر النسبية حاضرا وبالتأكيد يتفاوت أداء الصحفيين والاعلاميين، وهذا أمر مقبول، لكن النسبية والتفاوت لا يحجبان أن الاعلام تحوّل الى قوة ضغط ايجابية على السياسيين حتى انهم باتوا يتدافعون على تأمين مشاركتهم وحضورهم في مسعى للترويج لأفكارهم وتوجهاتهم أو توضيح مواقفهم والدفاع عنها لكسب ثقة اتجاهات الرأي العام.

ولعلنا لا نبالغ اذا ما ذهبنا أن غالبية السياسيين باتوا يفاضلون المراهنة على وسائل الاعلام للتموقع في فضاءات الشأن العام أكثر من مراهنتهم على الاتصال المباشر بالناس وعيا منهم بما تتوفر عليه تلك الوسائل من قوة تأثير على الرأي العام.

وحتى لا نقفز على الأحداث لا ننكر ان الاعلام في اعقاب انتفاضة جانفي عصفت به أو تكاد حالة من الفوضى والارتباك ولكنها حالة تبدو عادية جدا نظرا لطبيعة اللحظة علاوة على أنها حالة عكست في النهاية الأوضاع العامة اجتماعيا وسياسيا.

لم تدم حالة الفوضى والارتباك طويلا ونرى انها كانت اقصر من الحالة الاجتماعية والسياسية اذ نجح الاعلام في بداية رسم مسافة مهنية تجاه عواصف الشأن العام لينأى بنفسه عن الارتهان المطلق لا للحكومات المتعاقبة ولا للفاعلين السياسيين ليشق طريقا وعرة باتجاه الانتصار لأبجديات المهنة وشفافيتها ومن ثمة الانتصار للمسار الديمقراطي والحيلولة دون تسلل اي شكل من اشكال المساس من مرتكزاته الفكرية والسياسية.

لا نريد الدخول في التفاصيل اذ بطبيعة الحال هناك اعلام عمومي يختلف في أدائه عن الاعلام الخاص الذي يبدو أكثر تحررا وجرأة.

خلال فترة حكم الترويكا حصلت مواجهة بين غالبية وسائل الاعلام والحكام الجدد استمات فيها الاعلاميون في رفض السياسات المتبعة حتى أن البعض وصف الاعلام بالعدو تحت ضغط محاصرة نزعة تحويل وجهة العملية السياسية الديمقراطية الى غنيمة وتجريدها من هويتها الوطنية.

وكان لوسائل الاعلام دور لا يستهان به في انهاء الترويكا من خلال تقديم صورة سياساتها الحقيقية والاستخفاف بإرادة التونسيين وبمؤسسات الدولة المدنية وعراقة ثقافتها السياسية.

رفض الخطاب الاعلامي غالبية الخطاب السياسي وتعامل معه بحذر شديد وبنقد لاذع منتهجا توجها مدنيا رصينا ومتزنا نسبيا واختار الانحياز للخطاب الذي يعكس صوت التونسيين ليحشد الى صفه جزءا هاما من اتجاهات الرأي العام عززت قوة أدائه.

وإزاء مشهد سياسي يغلب عليه التعقيد والاختلافات العميقة وسط أوضاع عامة مشحونة لم تكن مهمة الاعلاميين بالسهلة حتى انهم بدأوا وكأنهم يقودون معركة وجود ضد سياسيين لا تتسع مرجعياتهم وتوجهاتهم للنقد ويقدمون انفسهم اوصياء على الشأن العام.

وعلى الرغم من ذلك أخذ الأداء الاعلامي نسقا تصاعديا باتجاه تحويل نفسه الى قوة موازية لقوة السياسيين ان لم نقل قوة مضادة خاصة ضد مساعي الهيمنة عليه وقاد ذلك الى التخفيف من الخطاب السياسوي الفضفاض وتراجع تأثيره ليبرز خطاب اعلامي هو أكثر تجذرا في التجربة التونسية وأكثر اقترابا من ثقافتها السياسية ولم يجد السياسيون من مخرج سوى الاقرار بأن مواجهتهم لحريةالرأي والتعبير هي مواجهة مفلسة مسبقا سياسيا وشعبيا.

بدت شراسة السياسيين تتأثر تدريجيا امام شراسة لا تقل أهمية تنتهجها وسائل الاعلام ترى أن نجاحها يبقى رهن مدى قدرتها علىترويض السياسة المتنطعة ولجمها وتقديم صورتها الحقيقية وفضح خطابها الأجوف.

ويمثل كسر حاجز الخوف اول المرتكزات اذ تمكن الاعلاميون من تخطي حالة الرهاب وتجريد السياسيين من صورة القادرين على حماية انفسهم من النقد او فضح مخاطر أفكارهم او حتى تهديدهم للمسار الانتقالي الديمقراطي.

ويمكن القول أن هذه النقلة قادت الى قلب المعركة اذ بات السياسيون يخشون الصورة التي يعكسها الاعلام ليتسلل اليهم الخوف من مغبة الاستخفاف بها أو تجاهلها.

المرتكز الثاني يتمثل في تجريد السياسيين الذين يقدمون انفسهم على أنهم اوصياء على الشأن العام وانهم يمتلكون الحقيقة المطلقة من خلال خطاب اعلامي رسخ في الاذهان ان الوصاية تتناقض مع العملية الديمقراطية وتنسف الحق في الاختلاف ولا تعكس الاعتراف بتعددية المشهد السياسي.

المرتكز الثالث يتعلق بفضح الخطاب الثورجي الشعبوي اذ ركزت وسائل الاعلام على محاصرة السياسيين بخطاب يدفعهم الى تقديم برامجهم التنموية والسياسية والكف عن الترويج لمرجعيات وشعارات تبتز اتجاهات الرأي العام.

اليوم يحاول السياسيون أن يظهروا في وسائل الاعلام في صورة الحكماء والعقلاء في تحليلهم للشأن العام بل يتنافسون فيما بينهم على أنهم أكثر واقعية والنأي عن التجييش الذي كثيرا ما راهنوا عليه.

المرتكز الرابع الذي نرى ان وسائل الاعلام ساهمت فيه بشكل فاعل هو ترويض السياسيين على أن تموقعهم الاجتماعي والسياسي يبقى رهن عدم المساس بهوية التجربة الوطنية المدنية وان الاسقاطات ساقطة سلفا لأن محاولة اجتثاث تونس من تاريخها وجغرافيتها وهم لا يعشش سوى في اذهان اصحابه.

بامكان المراقب ان يلاحظ اليوم ان الخط الوطني يتنازعه سياسيون كانوا يروجون الى قطيعة مع تجربة تونس ويسعون من خلال وسائل الاعلام الى الترويج لا فقط للالتزام بالتجربة الوطنية بل الى التأكيد على ان نجاح المسار الديمقراطي يجب ان يكون وطنيا.

المرتكز الخامس يشمل عملية ترويض المرجعيات الفكرية والايديولوجية والعقائدية حيث اصطدم السياسيون باعلام يرفض الانغلاق ويناضل من اجل الانفتاح اكثر ما يمكن على البراغماتية السياسية.

لقد مارست وسائل الاعلام ضغوطا ايجابية على هذا الصنف من السياسيين حتى انتهى بهم الأمر الى تنازلات موجعة بالنسبة اليهم وقبلوا كرها باشتراطات العمل السياسي المدني التي روضت مرجعياتهم وتمثل عنوان انبتاتهم ولن تقود سوى الى عزلتهم.

وبطبيعة الحال كانت عملية الترويض مسنودة بحكماء قوى سياسية ومدنية وبجزء من اتجاهات الرأي العام اذ وجدت فيها وسائل الاعلام حاضنة كثيرا ما تغذت منها لصياغة علاقة جديدة مع السياسيين.

الأكيد انه من الصعب القول أن ترويض وسائل الاعلام للسياسيين على العملية السياسية الديمقراطية المدنية اكتملت ذلك ان عالم السياسة مازالت تشقّه نعرات تستوجب المزيد من الجهود.

ولا نبالغ حين نلاحظ ان غالبية وسائل الاعلام تحولت الى قوة يبدو انها حاصرت سياسيين مهزوزين وبعد ان كانوا يعادونها اصبحوا لا يترددون في الاتصال بها وتمكينهم من الظهور في محاولة الى نحت صورة الحكماء المتعقلين الذين يتصدر الشأن الوطني اهتماماتهم بناء على رؤية براغماتية.