الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



خوصصة المؤسسات العمومية

هل تمثل حلاّ للإنقاذ من الإفلاس ؟ أم ضربا للقطاع العام ؟


إعداد صبرة الطرابلسي

ما تزال المؤسسات العمومية في تونس تشكو صعوبات مالية ما فتئت تتفاقم منذ سنة 2011 فقد بلغت قيمة العجز المالي المتراكم للمؤسسات العمومية البالغ عددها 104 مؤسسة 5مليار دينار وذلك نتيجة عدة عوامل منها تزايد كتلة الأجور التي تمثل 14.4 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي و تقلص القدرة التنافسية لهذه المؤسسات التي يعاني أغلبها من العجز نظرا لتضخم مواردها البشرية مقابل ضعف الإنتاج والإنتاجية و الأزمة الاقتصادية الخانقة التي دخلت فيها البلاد منذ الثورة إلى جانب غياب إصلاحات هيكلية و حلول عملية قادرة على النهوض بالقطاع العمومي و هو ما جعل مسألة خوصصة بعض هذه المؤسسات من الحلول المطروحة للخروج من هذه الأزمة التي استنزفت ميزانية الدولة حيث لم تعد الدولة قادرة وفق ما يؤكده الخبراء على تحمل هذا الوضع وهو ما يستوجب حلولا عاجلة و عملية قادرة على إنقاذ هذه المؤسسات من الأزمة المالية التي تطوقها .

فما هي أسباب تدهور الأوضاع الاقتصادية للمؤسسات العمومية ؟وهل تمثل خوصصة المؤسسات العمومية حلا لإنقاذها من الإفلاس؟

بالرجوع إلى فترة أواخر الثمانينات حيث شهدت تونس حينها أزمة اقتصادية كانت خوصصة بعض المؤسسات العمومية من الحلول التي تم انتهاجها بانخراط السلط العمومية في برنامج الإصلاح الهيكلي حيث طالت عملية الخوصصة أغلب القطاعات التنافسية من مؤسسات تجارية وسياحية وقطاع الصناعة الكهربائية والميكانيكية والبناء ليتجاوز العدد الجملي للمؤسسات المخوصصة 217 مؤسسة عمومية وشبه عمومية إلى موفى سنة 2010.

وبتفاقم الأزمة الاقتصادية بعد سنة 2011 وتدهور الوضعية المالية لعدد هام من المؤسسات العمومية وتزايد ديونها ووصول بعضها إلى حافة الإفلاس طرحت مسألة خوصصة هذه المؤسسات في إطار توجه إصلاحي تنتهجه الدولة التي تواجه ضغوطات مالية كبيرة نتيجة ارتفاع نفقاتها خاصة المتعلقة بكتلة الأجور التي تمثل 14.4 من الناتج المحلي الإجمالي والتي اضطرت الحكومة إلى تغطيتها عبر الاقتراض مقابل عدم تحقيق نسبة نمو اقتصادي هام وتفاقم العجز التجاري الذي بلغ هذه السنة أقصى درجاته .

وقد تضاربت تصريحات بعض مسؤولي الدولة بين نفي إمكانية خوصصة المؤسسات العمومية و بين التأكيد على أن خوصصة بعض مؤسسات الدولة غير الحياتية وغير الضرورية للمواطن تظل من الحلول المطروحة لتفادي العجز المالي الذي تشكو منه من ذلك البنوك والشركات المحتكرة للسجائر فيما نفى البعض الآخر من مسؤولي الدولة من ذلك وزير المالية رضا شلغوم مؤخرا في تصريح صحفي إمكانية خوصصة مؤسسات الدولة خاصة بعد لقاء الحكومة مؤخرا مع الإتحاد العام التونسي للشغل الذي تمخض عنه اتفاق بعدم خوصصة المؤسسات العمومية حيث أعربت المؤسسة الشغيلة عن رفضها التام لهذا التوجه منذ بداية طرحه اعتبارا إلى تداعياته السلبية على العمالة وإمكانية تسريح عدد هام من الموظفين و العمال إلى جانب أنها ترى في ذلك ضرب للقطاع العام الذي يعد من مكاسب الدولة التونسية وقد نفذ عمال و موظفو عديد المؤسسات العمومية وقفات احتجاجية عبروا من خلالها عن رفضهم التفويت في مؤسساتهم للقطاع الخاص من ذلك الشركة التونسية للكهرباء والغاز .

كما يرى بعض الخبراء أن طرح مسألة خوصصة بعض مؤسسات القطاع العام له علاقة بإملاءات خارجية متأتية أساسا من صندوق النقد الدولي الذي منح تونس قروضا مقابل تنفيذ جملة من التوصيات منها إصلاح القطاع المصرفي وتسريح الموظفين والتقليص من كتلة الأجور و الترفيع في الضرائب و إعادة هيكلة القطاع العمومي .

و تجدر الإشارة إلى أن الحكومة كانت تدرس في وقت سابق تطبيق حزمة من الإصلاحات تمس المؤسسات الحكومية من ذلك التفويت في حصصها في 3 بنوك والخطوط التونسية وتسريح ما لا يقل عن 10 آلاف موظف بشكل اختياري خلال العام الجاري .

سياسة ممنهجة

كانت مؤسسات الدولة قبل الثورة تحقق فائضا في موازناتها المالية لكن شبح الإفلاس سرعان ما خيم عليها بعد سنة 2011 لتشهد تدهورا في أوضاعها المالية من سنة إلى أخرى لتطرح نقاط استفهام حول الأسباب التي تقف وراء تراجع مردودها المالي واقترابها من الإفلاس و من ثمة طرح مسألة خوصصة هذه المؤسسات .

هذا ما أكده ابراهيم الميساوي رئيس الجمعية التونسية لمكافحة الفساد موضحا أن اعتماد معيار الكفاءة في العهد السابق كان من أسباب نجاح المؤسسات العمومية آنذاك وتحقيقها أرباحا هامة لكن بعد الثورة دخلت المحصاصة الحزبية على الخط وأصبحت هي المعيار الأساسي الذي يقع اعتماده عند تعيين المسؤولين على رأس مؤسسات الدولة وهي تجربة أثبتت فشلها وعدم جدواها بتفاقم ديون عديد المؤسسات من ذلك شركة الفولاذ والصندوق الوطني للتأمين على المرض الذي بلغت قيمة عجزه المالي 100مليون دينار وهو ما يعكس سوء تصرف في هذه المؤسسات .

وبيّن في الإطار ذاته أن خيار خوصصة مؤسسات الدولة هو ضرب من ضروب المؤامرة على مؤسّسات الدولة و هي سياسة ممنهجة و عملية مقصودة للتفويت في القطاع العمومي لفائدة القطاع الخاص يقف وراءها سماسرة السياسة الذين يخدمون مصالحهم الشخصية الضيقة ويغلبّونها على المصلحة العامة للبلاد.

ويضيف محدّثنا أنه توجد حلول بديلة دون اللجوء لخيار الخوصصة وهي أساسا تتعلق بتعيين كفاءات حقيقية على رأس مؤسسات الدولة خاصة أن بعض التجارب الناجحة في هذا الصدد أثبتت نجاعتها على غرار الصيدلية المركزية التي كانت تعاني من عجز مالي يقدر بـ50 مليون دينار بعد سنة 2011 وبتعيين رئيس مدير عام جديد على رأس هذه المؤسسة سنة 2012 تم خلال 3 سنوات استخلاص كل ديونها وتحقيق فائض مالي يقدر بـ63 مليون دينار وهو ما يؤكد أهمية عنصر الكفاءة وحسن التصرف في الموارد المالية للمؤسسات العمومية وإمكانية إخراجها من الأزمة الخانقة التي تطوقها فعملية الخوصصة ليست سوى حلا سهلا لمعالجة الصعوبات المالية التي تواجهها لذلك يجب أن يقع التعامل مع مسألة التعيينات على رأس مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة لا المحاصصة الحزبية التي أثبتت فشلها في تسيير هذه المؤسسات.

إفلاس

ما يزال البنك التونسي الفرنسي يشكو أزمة مالية حادة جعلته على مشارف الإفلاس إذ بلغت مجمل خسائره نحو 350مليار دينار ورغم المقترحات التي تقدم بها موظفو البنك الممثلين في نقابة أعوان البنك الفرنسي التونسي إلا أن الإدارة الحالية للبنك والسلطة المركزية ممثلة في البنك المركزي تواصل سياسة التجاهل لوضع هذا البنك الحرج.

هذا ما أكده السيد زياد الكافي كاتب عام نقابة أعوان البنك التونسي الفرنسي موضحا أن أزمة البنك بدأت منذ سنة 2011 ورغم وضعيته المالية التي تزداد تدهورا سنة تلوى أخرى إلا أنه لم ينتفع بأي إجراء من شأنه أن يحسن من هذه الوضعية مثلما تمتعت به البنوك العمومية الأخرى على غرار الشركة التونسية للبنك الذي قامت الدولة باتخاذ إجراءات إصلاحية لفائدته حيث تم استثناء البنك التونسي الفرنسي من إجراء رسملة البنوك العمومية والحال أن تحسين الوضعية المالية للبنك التونسي الفرنسي رهينة ضخ مبلغ قدره 400مليون دينار وبين في الإطار ذاته أن النقابة العامة للبنك تقدمت الى مجلس النواب بحزمة من المقترحات لإصلاح الوضع المالي للبنك من بينها خوصصة البنك التونسي الفرنسي الذي يمكن أن يمثل حلا للوضع الراهن للبنك لكن أمام التجاهل المتواصل للبنك المركزي التونسي لوضعية هذا البنك و عزوفه عن اتخاذ إجراء لفائدته وصمت الدولة يبقى الوضع على ما هو عليه وقد يفضي به إلى الإغلاق وبالتالي أصبح إنقاذ البنك رهين قرار سياسي .

 

إن إصلاح الأوضاع المالية للمؤسسات العمومية التونسية التي يشكو أغلبها صعوبات اقتصادية يجب أن تقع معالجتها حالة بحالة لا أن يتم اتخاذ قرار بالتفويت فيها للقطاع الخاص إذ يعتبر ذلك من الحلول السهلة التي لن تحل المسألة بل يمكن أن تعقدها

هذا ما أوضحه السيد شمس الدين اليعقوبي عضو الهيئة المديرة للجمعية التونسية للمراقبين العموميين مضيفا أنه يجب استثناء المؤسسات العمومية التي تقدم خدمات أساسية من عملية الخوصصة من خلال دعمها على غرار الشركة التونسية للكهرباء و الغاز و الشركة الوطنية للاستغلال و توزيع المياه في حين يمكن التفويت في المؤسسات التي تمثل عبءا ماليا على الدولة والتي لا تنشط في قطاع تنافسي .

وأوضح في السياق ذاته أن الوضع الاقتصادي الحرج الذي وصلت إليه الدولة اليوم يعود إلى عدم اتخاذ إجراءات جريئة في شأنه و في الوقت المناسب و الوصول به إلى مرحلة أصبح فيه الإصلاح مسألة معقدة لما تشهده الدولة اليوم من ضغوط مالية مشيرا أن الجمعية التونسية للمراقبين العموميين ستعلن قريبا عن مؤشر تقيم حوكمة المؤسسات العمومية مؤكدا على ضرورة الاهتمام بجانب حوكمة المؤسسات العمومية التي تمثل أحد الحلول العملية التي من شأنها الحدّ من الأزمة الخانقة التي تعرفها المؤسسات العمومية.

لا للخوصصة

لقد تم الاتفاق مع الحكومة التونسية خلال الجلسة التي جمعتها بالمنظمة الشغيلة في 27 نوفمبر 2017 على عدم خوصصة المؤسسات العمومية ومعالجة الصعوبات التي تواجهها حالة بحالة و قد تم إمضاء محضر الجلسة يوم الأربعاء 6 ديسمبر الجاري .

هذا ما أكده السيد سامي الطاهري الأمين العام المساعد للإتحاد العام التونسي للشغل موضحا أنه لا مجال اليوم إلى التفويت في مؤسسات الدولة لفائدة القطاع الخاص مبينا أن ذلك يعد ضربا للدولة فلا توجد أي دولة في العالم دون مؤسسات عمومية فإلى جانب الدور الاقتصادي الهام الذي تلعبه فهي تضطلع بدور اجتماعي هام .

و بيّن في السياق ذاته أن طرح مسألة خوصصة المؤسسات العمومية هي طريقة اعتمدتها بعض الأطراف للاستيلاء على مؤسسات الدولة بأرخص الأثمان واستغلال عقارات هامة بأقل مجهود ممكن مضيفا أن تجربة خوصصة مؤسسات الدولة التي عرفتها تونس خلال فترة الستينات و السبعينات أثبتت عدم جدارتها و ساهمت في هشاشة الاقتصاد الوطني مبينا أن المسألة غير مرتبطة بجانب إيديولوجي بل هي مسألة متعلقة بعدم نجاعة هذه التجربة وعدم جدواها الاقتصادية إلى جانب انعكاساتها السلبية على الطاقة التشغيلية التي ستشهد تراجعا لتعمق من أزمة البطالة الراهنة وتغذي الاحتقان الاجتماعي.

وأكد في الإطار ذاته أنه في غياب الاستثمار الخارجي و عدم مبادرة القطاع الخاص الوطني للاستثمار لم يبق للدولة خيار سوى إصلاح القطاع العمومي الذي يمثل الضامن الوحيد لديمومة الدولة والنهوض باقتصادها .

عجز

لقد بلغت قيمة العجز المالي المتراكم للمؤسسات العمومية البالغ عددها 104 مؤسسة نحو 5 مليار دينار وهي شركات لا يتجاوز رأس مالها 448 مليون دينار قام العديد منها باستهلاك رأس مالها لتغطية نفقاتها لتلجأ للدولة لسدّ هذا العجز و هو ما تسبب في استنزاف ميزانية الدولة و ساهم في الوضعية الحرجة التي تعيشها اليوم.

هذا ما بينه الخبير الاقتصادي الصادق جبنون مضيفا أنه أمام رفض الاتحاد العام التونسي للشغل لخوصصة مؤسسات الدولة تم تقديم مقترح يتمثل في إعادة هيكلة هذه المؤسسات وإحداث صندوق لتمويل هذه العملية يموّل رأس ماله الخواص كما تم الحديث عن معالجة الصعوبات التي تمرّ بها المؤسسات العمومية حالة بحالة لكن لم يقع إلى حد الآن تفعيل هذه المقترحات بل بقي الوضع كما هو عليه وزاد في إثقال كاهل ميزانية الدولة التي لم تعد قادرة أكثر على تحمل أعباء الخسائر المالية لهذه المؤسسات وبين محدّثنا في السياق ذاته أنه يجب تنظيم حوار وطني يجمع مختلف الأطراف ذات العلاقة للنظر في وضعية المؤسسات العمومية التي تشكو صعوبات وإعطاء الأولوية للمؤسسات الإستراتيجية التي تقدم خدمات حيوية للمواطن في عملية الإصلاح على غرار شركات النقل في حين يمكن لبعض المؤسسات التي ثبت بالتجربة نجاعة القطاع الخاص في تسييرها التفويت فيها لفائدة القطاع الخاص على غرار البنوك مثلا .

وأوضح الصادق جبنون في الإطار أن خوصصة المؤسسات العمومية من شأنها أن تضغط على نسبة العمالة وتقلّص منها لأن القطاع الخاص لا يعتمد المعايير نفسها المعتمدة من قبل القطاع العام لأنه يفرض نسق عمل أكبر وهي من المخاوف المطروحة على مستوى توجه الخوصصة مضيفا أن الحلول تكمن في أن تقع إعادة هيكلة مؤسسات الدولة بطريقة ناجعة وغير عشوائية والتفويت في المؤسسات البنكية الصغيرة لفائدة القطاع الخاص والإبقاء على المؤسسات البنكية العمومية الكبرى التي تلعب دورا اجتماعيا هاما و تضطلع بمهام شمولية كما يجب الاعتماد على آليات الحوكمة الرشيدة للنهوض بالوضع الحرج الذي يمرّ به عدد هام من مؤسسات الدولة .

لئن تعرف عديد المؤسسات العمومية صعوبات مالية منذ سنة 2011 ما فتئت تتفاقم في غياب حلول عملية لإنقاذها من الإفلاس وطرح مسألة الخوصصة كإحدى الحلول فإن هذا التوجه لم يجد طريقه إلى التجسيد خاصة برفض الإتحاد العام التونسي للشغل لهذا التوجه ليبقى الحال كما هو عليه في انتظار حلول أكثر نجاعة.