الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



اتفاقيات استغلال الثروات الطبيعية

هل في عدم مراجعتها انتهاك للسيادة الوطنية ؟



إعداد: سميحة الهلالي

مازالت الاتفاقيات التي أبرمت في العديد من المجالات الاقتصادية بين تونس وعديد الأطراف الأجنبية تثير جدلا كبيرا في الساحة السياسية و الاقتصادية ولدى مكونات المجتمع المدني خاصة تلك الاتفاقيات التي أبرمت في مجال النفط و الملح والتي اعتبرها هؤلاء اتفاقيات “استعمارية “ تفتح المجال لنهب ثروات البلاد التي لا تنال منها إلا القليل.

بعض الخبراء في مجال الطاقة والاقتصاد وبعض السياسيين دعوا إلى مراجعة كل الاتفاقيات دون استثناء لأنها تمسّ بالسيادة الوطنية للبلاد التي بقت في تبعية للأجانب نتيجة لذلك على غرار اتفاقيات التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي واتفاقية الملح والنفط.... مما يحتم على البلاد عدم التصرف في مواردها بحرية إلا بموافقة الطرف الأجنبي.

فلماذا لم تقع مراجعة بعض الاتفاقيات بما يسمح باستغلال ثروات البلاد لصالحها ولصالح مواطنيها؟ ولماذا اعتبر بعض الخبراء الاقتصاديين و السياسيين أن معظم الاتفاقيات المبرمة تعتبر “اتفاقيات استعمارية”؟

ان الاتفاقيات المبرمة في مجال الثروات الطبيعية للبلاد على غرار الاتفاقيات في مجال البترول والملح هي موضوع طعن أمام المحكمة الإدارية وأمام هيئة الحقيقة و الكرامة. ذلك ما بينته السيدة فوزية باشا أستاذة القانون المختصة في العقود النفطية التي أكدت على ضرورة مراجعة اتفاقيات وعقود استغلال الموارد الطبيعية في بلادنا لأنها اتفاقيات «استعمارية» .واعتبرت أن الحكومات المتعاقبة بعد الثورة رفضت عملية المراجعة خوفا من خروج الشركات الأجنبية الناشطة في هذا المجال من تونس.

وأبرزت محدثتنا في الآن ذاته انه لا مكان في تونس لشركات تضع نفسها فوق القانون. وتضيف محدثتنا أن اتفاقية (لزمة) الملح أثارت جدلا كبيرا بعد الثورة دون أن يتم كشف حقائق هذه الاتفاقية « الاستعمارية » و الإطار العام لعقود النفط والثروات الطبيعية و خفايا الاتفاقيات النفطية . وتبرز محدثتنا أن مهدي جمعة كان أول رئيس حكومة بعد الاستقلال طلب الاطلاع على وثيقة الاستقلال الذاتي الممضاة بباريس في 3 جوان 1955 والتي صادق عليها البرلمان الفرنسي في جويلية 1955 ومنشورة بالرائد الرسمي الفرنسي. وقد أصدر محمد الأمين باشا باي الأمر بنشرها في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية المؤرخ في 6 سبتمبر 1955، وذلك للاطلاع على التزامات تونس تجاه الشركات الأجنبية عموما.

وبموجب البحث في عقود النفط المبرمة بين تونس والشركات الأجنبية ورغم المخالفات والخروقات التي ارتكبتها هذه الشركات في حق بلادنا إلا أنها تتمتع بحصانة فوق الدولة على حد تعبير محدثتنا التي دعت لسحب الرخص وإلغاء العقود النفطية للشركات الأجنبية ومراجعة الاتفاقيات المبرمة في قطاع النفط . وتبين محدثتنا أن تاريخ بعض العقود يعود إلى ما قبل الاستقلال و تواصل بعده. فالاتفاقية الاقتصادية وهي الاتفاقية السادسة ضمن مكونات الاتفاقيات الست للاستقلال الذاتي المبرمة بين فرنسا وتونس في 3 جوان 1955 تنصّ في المادة 29 منها في الباب الرابع تحت عنوان: التعاون الاقتصادي وتشغيل رؤوس الأموال الخاصة على أن : «تضمن الحكومة التونسية للمالكين الفرنسيين بقاء أملاكهم ومشاريعهم الخاصة وبقاء مؤسسات التعاضد والتعاون كما تضمن صيانتها من كل حرمان لسبب غير الانتزاع للمصلحة العامة وذلك مقابل غرامة عادلة تقدم سلفا ». ويعني هذا أن الفرنسيين الذين كانوا بطبيعة الحال مسيطرين بصفة مطلقة على جميع الصناعات والمناجم والتنقيب على النفط سيحافظون على وضعياتهم دون تغيير ولن يتم تأميم هذه الشركات المستغلة للمناجم وحقول النفط وجميع الثروات الطبيعية بما فيها الملح لفائدة الدولة باعتبارها كانت مغتصبة من المستعمر. ويتأكد الاتجاه نحو انعدام السيادة الوطنية على المجال الاقتصادي بالمادة 33 والمادة 34 من اتفاقية الاستقلال الذاتي المؤرخة في 3 جوان 1955 حيث تقتضي المادة 33 : «تلتزم الحكومة التونسية بأن تفضل، عند تساوي الشروط، المشاريع الفرنسية أو التونسية، أو المشاريع المؤسسة لهذا الغرض باتفاق الحكومتين، للتحصيل على رخص التفتيش والاستثمار، وعلى اللزم، وتحتفظ الحكومة التونسية بحقها في المساهمة في رأس مال هذه المشاريع».وتفسر محدثتنا أن ذلك يعني أن التنقيب عن النفط واستغلال المناجم لا يمنح إلى أي مستثمر مهما كان إلا بموافقة الحكومة الفرنسية وان الدولة التونسية لا تكون شريكا أصليا في هذه المشاريع باعتبارها مالكة الثروة، بل يمكنها فقط المساهمة في رأس مال هذه المشاريع.

و توضح المحامية فوزية باشا أن المادة 34 من اتفاقية الاستقلال الذاتي تنص على كون « آجال اللزم والاتفاقات ورخص التفتيش والاستثمار التي هي الآن مبرمة أو ممنوحة لا يمكن للسلطة العامة أن تغيرها إلا بموافقة المستلزم أو المتعاقد أو الممنوحة له». أي انه حتى مجرد الموافقة المبدئية على اللزمة لا يمكن لحكومة الاستقلال التراجع فيها أو تغييرها.

أرفع من القانون و الدستور التونسي

إن كل الاتفاقيات التي تمت قبل 1954 لا يمكن أن تتغير إلا باتفاق الطرفين الأجنبي والتونسي وتعتبر هذه الاتفاقيات ارفع شأنا من القانون و الدستور التونسي. ذلك ما عبر عنه الخبير في مجال الطاقة السيد رضا مأمون مضيفا انه بموجب هذه الاتفاقيات سيطرت فرنسا على القطاع النفطي و احتكرت ثرواتنا الطبيعية. كما انه نتيجة لهذه الاتفاقيات تحصلت فرنسا على قطاع النفط من خلال حصولها على 210 ألف كم مربع تشمل البحر و الأرض أي أنها استحوذت على كل الثروات الطبيعية للبلاد واليوم هذه الاتفاقيات نافذة ولا يمكن مراجعتها.ويرى محدثنا انه كان حريّا بالحكومة إلغاء كل الاتفاقيات مع الثورة لأنها لا يمكن تغييرها باعتبارها تعد حقا مكتسبا ولكن فقط يمكن إلغاؤها عند تغير النظام ولكن الحكومة أعلنت رفض التخلي عن هذه الاتفاقيات. ويقول محدثنا انه إلى يومنا هذا ليست لدينا وثيقة استقلال ولكن لدينا فقط بورتوكول استقلال واتفاق مبدئي في اتجاه الاستقلال والخطوات نحو الاستقلال لم تتم إلى الساعة الحالية .

عدم التوافق بين الطرفين

من جهته، قيّم السيد جمال الدين العويديدي (خبير في الاقتصاد السياسي والصناعي) تداعيات اتفاق الشراكة الذي تم توقيعه بين الجمهورية التونسية و الاتحاد الأوروبي في سنة 1995على انه منذ أواسط الثمانينات واثر الأزمة الاقتصادية التي تعرضت لها بلادنا في علاقة مباشرة مع انخفاض سعر البترول الذي كان يُؤمّن 70 بالمائة تقريبا من مداخيل الدولة من العملة الأجنبية. وعلى امتداد أكثر من عشر سنوات متتالية واثر تعرض البلاد إلى ثلاثة مواسم فلاحية عجاف متتالية وافقت تونس مقابل التحصل على قروض متداولة تطبيق وصفات صندوق النقد الدولي تحت عنوان «برنامج الإصلاح الهيكلي» في سنة 1986 التي كانت تتمحور حول الدفع نحو الانخراط في نظام الاقتصاد الليبرالي الجديد «الاقتصاد النيو ليبرالي» عبر فرض خصخصة المؤسسات العمومية و ترك المجال إلى آليات السوق لتحديد التوجهات الكبرى للاقتصاد الوطني والإقلاع عن العمل بالمخططات الخماسية التي كانت ترسم أهم توجهات السياسة الاقتصادية في البلاد و العمل على تقليص دور الدولة في كل المجالات. و قد تزامن مع برنامج الإصلاح الهيكلي بروز ظاهرة «العولمة» في إطار ما يسمى بـ«توافق واشنطن» الذي تم تجسيمه على مستوى بلادنا اثر التوقيع على الاتفاق العام للتعريفات الديوانية و التجارة في سنة 1990 ثم اثر الانخراط في المنظمة العالمية للتجارة التي عوضت الاتفاق العام للتعريفات الديوانية و التجارة في سنة 1995.و قد تزامن أيضا هذا التوجه بالتوقيع على ما سمي «باتفاق الشراكة بين تونس و الاتحاد الأوروبي» الذي تم بمقتضاه التفكيك التدريجي للرسوم الديوانية المفروضة على المنتوجات الصناعية المستوردة من بلدان الاتحاد الأوروبي لتصبح في وضع تنافسي حر و مباشر مع المنتوجات الوطنية رغم عدم التكافؤ الواضح بين الطرفين.

ويضيف محدثنا أن بلادنا لم تقم بأي دراسة استشرافية حول تداعيات هذا الاتفاق خاصة على مستوى المؤسسات الوطنية الصناعية الصغرى و المتوسطة ويمكن القول أن هذا الاتفاق لم يكن محاطا بخطة منهجية قادرة على السيطرة على الوضع في حال أدى الأمر إلى انزلاق مضر بالنسيج الصناعي الوطني. وهو ما نبه إليه تقرير قام به البنك الدولي في سنة 1994 و الذي خلص إلى أن هذا الاتفاق يمكن أن يؤدي إلى اضمحلال 48 بالمائة من المؤسسات الوطنية الصناعية نتيجة عدم قدرتها على تحمل المنافسة المباشرة مع الشركات الأوروبية خاصة إذا ما لجأت هذه الأخيرة إلى الممارسات المخلة بقواعد المنافسة بما في ذلك عمليات إغراق السوق كما ثبت ذلك بعد تنفيذ الاتفاق كما نبه إلى خطورة هذه النتيجة على المستوى الاجتماعي و الاقتصادي للبلاد حيث سيؤدي إلى ارتفاع نسبة البطالة و اختلال التوازنات المالية الداخلية و الخارجية للبلاد.

من هذا المنطلق يذكر محدثنا بالملابسات والظروف التي تم إثرها التوقيع على هذا الاتفاق الملزم و المصيري بالنسبة لتحديد المسيرة التنموية للبلاد: حيث لا يخفى على أحد و خاصة على الطرف الأوروبي طبيعة النظام التونسي المتسم بالحكم الفردي و المستبد حيث لم يقم بأي استشارة وطنية حول هذا الموضوع المصيري والخطير مثلما كان الشأن حاليا في بريطانيا التي قررت القيام باستفتاء شعبي لاتخاذ القرار الذي أفضى إليه هذا الاستفتاء بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي .

و تأكيدا لما تم ذكره سابقا يذكّر محدثنا أن الاتفاق تم التوقيع عليه بتاريخ 17 جويلية لسنة 1995 و قد نص الفصل الثاني منه على أن «كل بنود الاتفاق تتم عبر احترام مبادئ الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان». غير أن النظام التونسي خرق هذا البند منذ البداية حيث قرر تطبيق هذا الاتفاق بتفكيك المعاليم الديوانية على جملة من المنتوجات التونسية بداية من سنة 1996 بطريقة أحادية و قبل المصادقة على الاتفاق من طرف مجلس النواب آنذاك (حتى الصورية نظرا لتركيبة المجلس) بينما الطرف الأوروبي لم ينفذ الاتفاق إلا بداية من سنة 1998 بعدما تمت المصادقة على هذا الاتفاق من برلمانات كل البلدان الأوروبية الموقعة عليه. لذلك لابد من التأكيد أن هذا الاتفاق الذي سمي «باتفاق شراكة» ليس له في الحقيقة من الشراكة إلا الاسم حيث اقتصر في نهاية الأمر على تفكيك المعاليم الديوانية على المنتوجات الصناعية بطريقة تدريجية شملت في سنة 2008 كل المنتوجات الصناعية التونسية و منتوجات البلدان الأوروبية. فهو إذن اتفاق تجاري بحت. غير أنه تعرض في عديد من فصوله إلى ضرورة توسيع هذا الاتفاق ليشمل عديد المجالات الأخرى من بينها مجال الخدمات و المنتوجات الفلاحية وهو ما يعرض حاليا من طرف الاتحاد الأوروبي في صيغة منطقة تبادل حر شامل و معمق. وانعدام القيام بتقييم تداعيات هذا الاتفاق سواء أثناء تطبيق الاتفاقية للقيام بالتعديلات اللازمة خاصة بعد ظهور بوادر أزمة اقتصادية و اجتماعية نذكر من بينها انتشار ظاهرة الهجرة السرية و التي لم تكن موجودة قبل انطلاق تطبيق اتفاق الشراكة حيث توفي مئات من الشباب التونسي غرقا ضحية البطالة و الفقر و التهميش و انسداد فرص التشغيل داخل الوطن في علاقة مباشرة بغلق المؤسسات الوطنية و سياسة الخصخصة مما أدى إلى تدهور الوضع الاجتماعي وصل أوجه بداية بانتفاضة الحوض المنجمي في سنة 2008 و مرورا باندلاع ثورة 17 ديسمبر 2010 – 14 جانفي 2011 وسقوط النظام. و ما زال هذا الوضع متأزما إلى اليوم نظرا لتواجد العوامل الأصلية لهذه الأزمة والمتعلقة بتطبيق اتفاق غير متكافئ أنهك اقتصاد البلاد وجعل منه بلدا موردا ولا ينتج و لا يملك اقتصادا منتجا من شأنه أن يوفر الشغل لأبنائه و يخلق القيمة المضافة و الثروة و يصدر من أجل تحسين موازناته المالية الخارجية. كما أنه بعد اندلاع الثورة و انتخابات 2011 لم تقم أي حكومة بدراسة تقييمية لهذا الاتفاق وذلك إلى اليوم.من هذا المنطلق بين محدثنا أهم التداعيات الاقتصادية و الاجتماعية لهذا الاتفاق حسب بعض الدراسات التي قام بها بمشاركة مع بعض الخبراء .وهي فقدان موارد مالية هامة للخزينة العمومية من جراء تفكيك المعاليم الديوانية على المنتجات المستوردة من الاتحاد الأوروبي تم تقديرها بين 19 مليار دينار و 23 مليار دينار في المدة بين 1996 بداية التطبيق الأحادي من الجانب التونسي لهذا الاتفاق و 2008 عند الانتهاء من تفكيك كل المنتجات حسب الرزنامة المحددة في الاتفاقية باثني عشر سنة. أما في المدة الكاملة من 1996 إلى 2017 تقدر خسائر المداخيل المالية ما يناهز38 مليار دينار تونسي أي تقريبا ما يعادل 55 بالمائة من المديونية الحالية للبلاد. وهي موارد كانت تستعمل لتحسين المرافق العمومية و البنية التحتية حرمت منها البلاد و انتفعت بها البلدان الأوروبية في شكل زيادة نسبة المرابيح على منتجاتها بحكم استفرادها بالسوق التونسية و تحسين قدرتها التنافسية من جراء التفكيك الديواني. و قد تم اللجوء بإيعاز من الاتحاد الأوروبي للزيادة في الأداء على القيمة المضافة و الخصم من المورد الذي تحمله الشعب التونسي. غير أن دخول البلاد في حالة الاقتصاد الموازي و التهرب الجبائي أضر بخزينة الدولة مما أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية و الاجتماعية في البلاد. وأيضا إفلاس أكثر من 3500 مؤسسة صناعية وطنية كانت تساهم في تعزيز الخزينة العمومية عبر دفع الضرائب و كذلك تعزيز رصيد البلاد من العملة الأجنبية عبر التصدير كما كانت توفر مواطن شغل قارة و ذات قيمة علمية نظرا لاحتياجات هذه المؤسسات لإطارات عالية. و قد نتج عن هذا الإفلاس فقدان أكثر من 300 ألف موطن شغل قار بحسب دراسة قام بها المعهد الوطني للإحصاء بالتعاون مع البنك الدولي صدرت في سنة 2013. وتفاقم ظاهرة التوريد المكثف الذي أدى إلى تفاقم العجز التجاري للبلاد حيث ارتفع إلى 20 مليار دينار سنويا منذ سنة 2014 إلى اليوم و يمكن أن يبلغ 25 مليار دينار سنة 2017 إذا ما تمادى التوريد على النسق الذي دأب عليه بين بداية جانفي و موفى شهر أوت من هذه السنة حيث سجل العجز التجاري في الثمانية أشهر الأولى لسنة 2017 رقما قياسيا بلغ 16مليار دينار. هذا العجز المهول أدى إلى اللجوء للمديونية لتعزيز ميزان الدفوعات حيث فاقت نسبة المديونية 70 بالمائة من الناتج الإجمالي المحلي.كما أدى العجز التجاري المتفاقم إلى الضغط على طلب العملة الأجنبية مما جعل قيمة الدينار التونسي تنهار حيث فقدت العملة الوطنية أكثر من 60 بالمائة من قيمتها (من 1,19 دينار لليورو الواحد في سنة 2000 إلى أكثر من 3,0 دينار حاليا) مما أدى إلى تفاقم قيمة المديونية للبلاد بنسبة تفوق 20 بالمائة مباشرة من تدهور قيمة العملة الوطنية فقط.

كل هذه التداعيات الخطيرة و المتأتية مباشرة من تطبيق اتفاق شراكة غير متكافئ مع الطرف الأوروبي و الذي يضغط حاليا لتنفيذ اتفاق جديد أطلق عليه اتفاق تبادل حر شامل و معمق ليشمل كل القطاعات الأخرى منها الفلاحة و الخدمات بعد تحرير المنتجات الصناعية منذ 1996 . وهي خطوة جديدة شديدة الخطورة على المسيرة التنموية و على السيادة الوطنية و على استقلال القرار الوطني. ومن هذا المنطلق وصف «جوزيف ستيقليتز» الخبير الاقتصادي صاحب جائزة نوبل لسنة 2001 و الموظف السامي السابق و المستقيل من البنك الدولي الذي ألف كتابه حول العولمة تحت عنوان «الأكذوبة الكبرى» وصف هذه الاتفاقيات بأنها “اتفاقيات منظمة من طرف البلدان الغنية تُنفّذ في بلدان الجنوب لصالح البلدان الغنية”. غير أن بعض الخبراء قاموا بمزيد تصحيح هذه المقولة بالتأكيد على أن هذه الاتفاقيات هي في الحقيقة “اتفاقيات يمهد لها أغنياء البلدان الغنية بالتوافق مع أغنياء بلدان الجنوب التي تغلب عليها حالة الفقر و التهميش و لصالح البلدان الغنية في آخر المطاف”.

التوجه العام للحكومة

إن مراجعة الاتفاقيات مرتبط بالتوجه العام للحكومة وبالخيارات الاجتماعية و الاقتصادية ذلك ما عبر عنه السياسي محمد الكيلاني معتبرا انه إذا كانت الخيارات المعتمدة تهم مصلحة البلاد و العدل الاجتماعي و حماية السيادة الوطنية من التدخل الأجنبي فانه من الضروري إعادة تقييم اتفاقيات الدولة فاغلب الاتفاقيات التي يتم العمل بها أبرمت في عهد الاستعمار و ما بعده و كانت عامة تحت الضغط نتيجة لأوضاع سياسية واقتصادية معينة و أجبرت الدولة على القبول بها نتيجة لظروف معينة حينها و حماية للبلاد آنذاك .لذلك فانه من الضروري اليوم مراجعة هذه الاتفاقيات ومنها الاتفاقيات المبرمة مع الاتحاد الأوروبي والتي تتضمن ما يقارب 400 بند ليست في صالح البلاد و كلها لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية كما دعا محدثنا إلى ضرورة مراجعة اتفاقيات الملح و النفط التي لا يكون نصيب البلاد فيها إلا الفتات وبأي حق تتمتع الشركات الأجنبية بنسبة تقدر بحوالي 50 بالمائة لذلك فإننا بحاجة إلى مراجعة كل الاتفاقيات وفي جميع المجالات .