الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



على الحكومة الإسراع بالإصلاحات.. واعتماد المصارحة والمكاشفة

حتى لا يمتد سوق الأحد إلى باقي الأسواق



بقلم: محمد بوعود

اندلعت أمس الخميس صباحا، احتجاجات من بعض شباب معتمدية سوق الاحد في ولاية قبلي، أشعل على اثرها محتجون النار في معتمدية المكان وفي منزل معتمد المنطقة، كما عمد المتظاهرون الى التوجّه نحو نقطة الامن المرتكزة حديثا واشتبكوا مع القائمين عليها في محاولة لاقتحامها.

الاشتباكات اندلعت احتجاجا على فقدان اثنين من شباب المدينة، واثنين آخرين من معتمديتي دوز وقبلي المدينة، في حادث غرق مركب الحرّاقة الذي جدّ قبالة سواحل قرقنة، اثر اصطدامه بخافرة عسكرية.

وفي انتظار ان تقول لجنة التحقيق التي شكلها وزير الدفاع يوم الاثنين الفارط كلمتها النهائية، فان الشباب يحتجّون على القارب العسكري الذي يقولون أنه هو من أغرق المركب عمدا، وقد تسرّبت على مواقع التواصل الاجتماعي أشرطة فيديو تظهر نوعا من المعاملة القاسية من قبل طاقم الخافرة العسكرية وجعلت أهالي الضحايا يعتقدون أن الجيش هو من قام باغراق المركب عمدا. حتى أن عددا من أمّهات الضحايا من قبلي اتصلت بهنّ بعض وسائل الاعلام وكنّ يصرخن ملتاعات «قتلوهم الجيش قتلوهم الجيش».

ولا شكّ أن السبب الرئيسي في هذا الاحتقان، بعيدا عن الاسباب الاخرى التي لا يعلمها الا أهل المنطقة والقائمون عليها، هو بالاساس الصمت الذي دخلت فيه المؤسسة العسكرية والجهات الرسمية منذ وقوع الحادث.

ذلك أن مثل هذه الحوادث تقع في كامل بلدان العالم، ووقعت سابقا في تونس، بل وتقع بشكل شبه يومي في البحر الابيض المتوسط، فما كان على وزارة الدفاع الا أن تصرّح منذ اللحظات الاولى بحقيقة ما وقع وتحمّل المسؤولية لمن يتحمّلها، وتتصل بأهالي الضحايا، وهم ليسوا مئات ولا آلافا، بل عدد قليل من العائلات المكلومة، التي كانت مكالمة تليفونية من مسؤول وتطييب خاطر واعتذار إن كان الخطأ متعمّدا، كفيلة باطفاء نيران ذوي الغرقى والمفقودين، ولم تكن المسألة تتطلّب كل هذه المدّة من التحقيق، فطاقم الخافرة محدود العدد ومعروف ومهمتها واحداثياتها وكل ما تقوم به مسجّل على لوحتها الالكترونية وفي تقريرها العملياتي، وبالتالي يكفي اطلاع المسؤولين على التقرير واصدار بيان يفصّل كل الجوانب المحيطة به وعدد الضحايا وأسباب الغرق وعدد المفقودين وهل بالامكان ايجادهم أم لا. وتُختتم بكلمات طيّبة لاهالي الضحايا، مع التأكيد على أن مهمّة الجيش الوطني هي حماية الحدود البحرية وليس من مهامه تسهيل مهام الحرّاقة ولا المساعدة على اجتياز الحدود خلسة، وبذلك ينتهي الامر ويُطوى ملفّ هذه الكارثة التي خلّفت لوعة وحُرقة لعشرات العائلات التونسية.

وهو أمر ساري المفعول في كل بلدان العالم، وجار به العمل في كل الاحداث الشبيهة بغرق المركب قبالة قرقنة، لكن صمت وزارة الدفاع والجهات الرسمية عن الادلاء بحقيقة ما جرى، هو الذي يدفع الى نتائج قد لا تُحمد عُقباها، خصوصا في مناطق تُعتبر خارج حضور الامن.

ذلك أن ما جرى في معتمدية سوق الاحد يدعو بدوره الى التساؤل عن الجدوى من بناء مناطق ومخافر للأمن اذا كان لا يتدخّل حتى لفضّ تجمهر لا يتجاوز العشرين شخصا، ويتركه حتى يحرق المقرات الرسمية، ويغلق الطريق، ويهاجم حتى المناطق الامنية ويحرقها. وهي ليست المرة الاولى في ولاية قبلي، فتقريبا لم يسلم فيها مركز ولا منطقة ولا حتى نقطة حدودية متقدمة من الحرق مرات ومرات، طيلة السنوات الفارطة، دون أن يتدخّل الامن، رغم أن التعداد كان كافيا، والدفاع عن المقرات الرسمية كان ممكنا، ودون احداث خسائر بشرية، وأحيانا كان عدد العناصر المسلحة بالنقطة الرسمية أكثر من عدد المهاجمين، ومع ذلك تتكرر العملية في كل مرّة، ولا يعلم احد ما هي الاسباب الحقيقية الكامنة وراء هذا التخاذل في حماية المقرات الرسمية، رغم أن كل القوانين الى جانب المتواجدين فيها، ورغم أن عدد المهاجمين لم يتجاوز أبدا بضع عشرات. وهذا موضوع آخر يستوجب ربما لجان تحقيق أخرى قد تكشف حقائق لا يريد البعض أن يكشفها.

لكن واقع الحال اليوم أن احتجاجات انطلقت، وحرائق اندلعت، في وقت تستعد فيه الحكومة لتقديم مشروع قانون المالية 2018 الى مجلس نواب الشعب، وفي وقت بدأت فيه اعتصامات القطاعات الرافضة لهذا القانون حتى قبل أن يعلن عنه، وفي وقت تزداد فيه الاسعار ارتفاعا كل يوم بل أحيانا كل ساعة، وفي وقت لا تظهر فيه ملامح مشهد سياسي سليم، بل تبدو الساحة أقرب الى ميدان حرب تسوده كل عوامل الاحتقان والتوتّر، ومشوب بالحذر والترقّب، وليس فيه ما يمكن ان يطمئن التونسيين.

وهذه الاوضاع الاستثنائية تتطلّب بدورها حلولا استثنائية، ذلك أن لا ضير في أن يطلب رئيس الحكومة من وزير الدفاع أن يخرج على التلفزة ويتحدّث عن حقيقة ما حدث، ولا ضير على وزير الدفاع ان هو صرّح بمسؤولية المسؤولين عمّا حدث، ذلك أن مصلحة البلاد العليا تعلو على كل الحسابات وعلى كل النواميس والاجراءات المتّبعة، ومن خرق آلاف القوانين ليس محرجا اليوم ان هو تجاوز في حالة استثنائية، ليمنع حريقا من الاندلاع أو ليكفّ فوضى قد تعصف بما تبقّى من في البلاد.

فالحكومة اليوم تحتاج الى شيء اسمه «الشجاعة السياسية» أو أخذ زمام المبادرة، والتسريع في نسق الإصلاحات، حتى وان كانت مؤلمة، والمصارحة الشعبية التي من شأنها وحدها ان تخلق نوعا من الاطمئنان الجماهيري الى خطاب الحكومة، أما البقاء متسترة وراء كواليس القوانين والاجراءات والانتظارات والمراسيم والحسابات الحزبية والتدخلات والضغوطات، فلن يؤدّي الا الى نتيجة واحدة وهي توتير الأجواء والذهاب الى احتقان جديد، سبق وأن جرّبته الدولة التونسية في مراحل متقاربة وقريبة أيضا.

وكما يعلم الجميع، فان الأطراف التي تعمل في الظلام، ومن وراء الستار، عادة ما تستغل المناسبات الوطنية وخصوصا تقديم قانون المالية، أو الأشهر الأخيرة من السنة، وشهر جانفي خاصة، لتشتغل على إشعال حرائق في بعض الجهات، امّا تكون معارضة للحكومة ومن أجل الضغط حتى لا يمرّ القانون، أو قد تكون قريبة منها، وتثير هذه الاشكالات من أجل الضغط نحو تعديله او تنقيحه، أو حتى مقايضة المجتمع بين تمرير بعض القوانين أو بين انفلات أمني لا يعرف أحد مصيره.

وهي من الألعاب السياسية التي بدأ الشارع التونسي يتعوّد عليها، ولم تعد تشكّل طلسما بالنسبة اليه، وبالتالي ما على القائمين على شأن الحكم إلا أن يختاروا الطريق الأوحد والأسلم، وهو المصارحة، واعتماد الشفافية في مخاطبة الشعب وإعلامه بما يقع، وبحقيقة الاوضاع، وبما يجري في كل الساحات والقطاعات، وبدرجات التضحية التي عليه تقديمها، وبالتواريخ التي من الممكن أن يحصّل فيها استقرارا في مستوى الدخل والعمل والأسعار والسلم الاجتماعي.

أما الإبقاء على حالة الغموض، والتعاطي مع الشعب على أنه غير واع، وتغييبه من سلطة القرار، والمراهنة فقط على طبقة سياسية أثبتت تجربة سبع سنوات أنها مفلسة وأنها عاجزة عن تقديم البديل، فهذا ليس إلا إمعانا في توتير الأجواء، ومزيدا من صبّ الزيت على النار بصمت على نار توشك أن تشتعل في أي لحظة.

كما ان واقع الحال المعاش اليوم، يفرض على الحكومة، أن تكون صريحة مع الطبقات الشعبية التي هي مستعدة لتحمّل ضغط الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وأن يكون خطابها شفّافا معها، وان لا تعتمد ازدواجية المكاييل والمعايير في حجم الفوائد للأثرياء، وحجم التضحيات للفقراء.

ذلك أن بناء السلم الاجتماعية التي تُبنى عليها التنمية ومن بعدها الرفاه، لا يمكن أن يتمّ الا متى أصبحت الحكومة واعية تماما بما ينتظرها، ومحيطة علما بما يجري، وصريحة مع المحكومين، وواضحة مع الشعب.