الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



أول معتمد بعين دراهم في دولة الاستقلال العروسي بن ابراهيم شاهد على العصر من خلال «الصحافة اليوم»

روضة شهداء تونسيين بالتراب الجزائري!


الصحافة اليوم: مراد علالة

لشهر فيفري طعم خاص في تاريخ تونس والجزائر، وانضمت إليهما بقوة المصير المشترك بقية دول المغرب العربي الكبير، المغرب وليبيا وموريطانيا فأسست ذات 17 فيفري 1989 اتحادا لا يزال يبحث عن الانبعاث الى اليوم، وفي غضون ذلك تتعزز العلاقة التونسية والجزائرية ارتباطا بالماضي والحاضر والمستقبل.

لفيفري المجيد اذن كما يوصّفه نشطاء الحركة التقدمية في تونس مذاق خاص في مستوى علاقة الشعبين الشقيقين التونسي والجزائري أيضا، فالشعبان تقاسما ولازالا يتقاسمان معا مشاق الحياة وطيبها قبل الاستقلال وبعده هنا وهناك، وهما الأحرص من غيرهما على المواصلة في نفس النهج.

هذه المقدمة الضرورية فرضتها علينا شهادة على العصر قدمها لـ «الصحافة اليوم» أول معتمد بعين دراهم في عهد الاستقلال، العروسي بن ابراهيم، رجل باشر الظروف التي مرت بها الثورة الجزائرية أواسط القرن الماضي في الحدود التونسية وله رأي وموقف ونداء في فيفري المجيد بالذات يتعلق بما كشف عنه بخصوص «روضة شهداء تونسيين بالتراب الجزائري» تعود للعام 1956.

شهادة العروسي بن ابراهيم التي تتزامن كذلك مع احياء الذكرى 61 لأحداث ساقية سيدي يوسف (8 فيفري 1958) عندما هاجمت طائرات المستعمر الفرنسي الغاشم هذه القرية الحدودية كرد فعل على الدعم التونسي للثورة الجزائرية وسقط فيها زهاء 72 شهيدا تونسيا وجزائريا من بينهم 12 تلميذا و9 نساء الى جانب 87 جريحا، هذه الشهادة تؤكد أن اختلاط الدم التونسي بالدم الجزائري في هذه الواقعة لم يكن مصادفة ولم يكن للأسف حدثا معزولا بل سبقته ولحقته وقائع أخرى تحتاج الى التخليد والعرفان والوفاء للبررة في البلدين.

في هذا الاطار تحديدا يقول معتمد عين دراهم السابق اننا نحيي هذا العام أيضا الذكرى 63 لموقعة إبادة مجموعة من حماة الثورة الجزائرية يوم 23 فيفري 1956 على أرضنا أي سنتان قبل جريمة ساقية سيدي يوسف.

ويضيف في شهادته الموثقة لـ «الصحافة اليوم» تفاصيل مهمة حول هذه الجريمة أيضا التي جدت خلال السنة الثالثة لاعلان الثورة الجزائرية، يومها شن الثوار الجزائريون انطلاقا من المناطق الحدودية بعين دراهم هجوما على ثكنة الجيش الفرنسي «برمل السوق» التي لا تبعد عن التراب التونسي فكان هجومهم بمثابة الصاعقة على وحدات الجيش الفرنسي.

دام الاشتباك نحو الساعة ولما انتهى الهجوم على ثكنة العدو اتجه الثوار الجزائريون مسرعين الى داخل التراب التونسي بعين دراهم (مشيخة أولاد مسلم) فقام الجيش الفرنسي بمطاردتهم داخل التراب التونسي. وعندما وصل الثوار الجزائريون الى منطقة تعرف بـ «دوار عرقوب الذبان» بمشيخة أولاد مسلم استقبلهم المواطنون التونسيون بمظاهر الفرحة والانتصار والزغاريد وبدؤوا في اعداد العدة للعناية بهم والقيام بعلاج جرحاهم وحسن قبولهم غير مبالين بالنتائج التي يمكن ان تنجر عن ذلك.

ويضيف شاهدنا على العصر، ان فرقا من جيش العدو التحقت بهؤلاء الثوار الى داخل التراب التونسي فأمن التونسيون أشقاءهم داخل الغابة مما أغضب الجنود الفرنسيين الذين سارعوا بتطويق المنطقة واشهار السلاح في وجوه الأهالي واطلاق النار بكثافة لزرع الرعب والاعتداء على النساء والاطفال وتهديم المساكن وحرقها. وفي خطوة تصعيدية لاحقة أجبروا جميع السكان على التجمع في مكان واحد وقوفا وكان لهم ذلك تحت بكاء النساء واستغاثة الأطفال، وأشهر الجنود سلاحهم في وجه الأهالي الذين يزيد عددهم على المائتي شخص ونادوا على 11 مواطنا من بينهم باعتبارهم حسب المعلومات لدى الجيش الفرنسي مجندين لخدمة الثورة الجزائرية فأوقفوهم صفا واحدا واصطفت أمامهم وحدة من الجنود وبمجرد ان اصدر أحد الضباط أوامره حتى انهمر الرصاص على الواحد تلو الآخر والبداية كانت بكبيرهم وعميدهم الشهيد أحمد الفرجاني باعتباره كبير القوم والمحرك الواضح لخدمة الثورة الجزائرية.

الى هنا تنتهي شهادة العروسي بن ابراهيم لكن رجل دولة الاستقلال لا يقف عند هذا الحد بل يستند الى التاريخ بدوره والى شهادات المؤرخين والى مواقف الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة ليذكّر بأن الشدائد هي الامتحان الذي نجحت فيه الأخوة بين تونس والجزائر وعليه فإن العودة الى الماضي وتخليد المحطات المضيئة بين الشعبين وتكريم أولئك الذين قدموا أرواحهم ودماءهم قربانا للثورة وللاستقلال الوطني في تونس والجزائر يقتضي حركة نبيلة وعادلة والتفاتة تأخرت أكثر من اللزوم الى واقعة 23 فيفري 1956 والى أبطالها وخصوصا شهدائها وتحويل مقبرتهم المهملة الضائعة على حافتي الحدود التونسية الجزائرية وهي على ملك عائلة الشهيد أحمد الفرجاني الى روضة لشهداء ثورة التحرير الجزائرية 1954.

اننا لا نحتاج الى شهادات أخرى في التاريخ والجغرافيا لبيان متانة العلاقة بين الشعبين الشقيقين في تونس والجزائر وهو ما جعل شاهدنا على العصر وكثيرا من معاصريه ومن سكان المنطقة يعوّلون على احياء ذكرى 23 فيفري 1956 هذا العام بما يليق بها.