الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



بعد تحصيلها سلما اجتماعية واسعة:

الحكومة مطالبة بالتسريع في معالجة ما علق من ملفّات


بقلم: محمد بوعود

أخيرا انفرجت الازمة الاجتماعية، وتمكّنت الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل وكل الفاعلين السياسيين والنقابيين من نزع فتيل الازمة التي كانت ستنفجر يوم العشرين والواحد والعشرين من فيفري الجاري، وتمكّن الجميع من الغاء الاضراب العام، والعودة الى العمل مع وعود وتطمينات بمعالجة باقي الملفات كالتعليم والمهندسين والاطباء وأساتذة الجامعة وغيرها، في ظل أجواء بدت متفائلة كثيرا، وأقرب الى الفرح بالانتصار على كابوس ظلّ جاثما على صدر المجموعة الوطنية منذ شهور، وكانت نتائجه ستكون كارثية بكل المقاييس.

هذه السلم الاجتماعية التي تمكنت الدولة من تحقيقها بنسبة كبيرة اثر اتفاق الخميس الماضي، لا تعفي الحكومة من المسؤولية في باقي المجالات، خاصة وأنها أبدت مرونة كبيرة في المفاوضات، وكانت لا تخفي رغبتها في الوصول الى اتفاق بأي ثمن، بل يقول بعض المراقبين انها لجأت حتى الى تحدّي صندوق النقد الدولي الذي أصرّ على عدم الرضوخ لبعض الطلبات المالية، لكن الحكومة لم تعر تحذيراته انتباها، خاصة في الجولة الاخيرة من الحوار، ورضخت لأغلب الشروط المادية التي كانت تعتبرها «مجحفة» في بداية التفاوض، وسبق أن أفشلت عديد الجولات بسببها.

وتبدو هذه الرغبة في الحسم، والجري وراء تحصيل سلم اجتماعية بأي ثمن كان، دالّة على شيء واحد، وهو ان الحكومة كانت تحدوها رغبة عارمة في ازاحة كابوس الامن الاجتماعي، حتى تتفرّغ للاستحقاقات الانتخابية القادمة.

لكن في الطريق الى هذه الاستحقاقات، لازال أمام حكومة السيد يوسف الشاهد ملفات عديدة تنتظر الانجاز، ولا تكفي السلم الاجتماعية لوحدها في سدّ الثغرات، ولا في الالتفاف على باقي العقبات.

وأولى العقبات التي على حكومة الشاهد تجاوزها، هي بلا شك عقبة الارتفاع الجنوني للاسعار، وكيفية ضمان السيطرة على مسالك التوزيع، وتعديل السوق بالمواد الاساسية التي بدأت تتناقص شيئا فشيئا الى أن وصلت الى درجة فقدان الكثير منها في الاسواق العادية، كزيت الطهي والسكر والحليب والزبدة والسميد، وغيرها، وضمان السيطرة بالخصوص على انسيابية السلع بين المنتج والمورّد من جهة، وبين الاسواق المركزية من جهة ثانية، وضمان انسيابيتها في مرحلة ثانية من الاسواق المركزية الى أسواق التفصيل ووصولها الى المستهلك دون عقبات الوسطاء والمضاربين والمحتكرين، ودون ان تختفي جُلّ هذه البضائع أو كلّها في مخازن التبريد وشاحنات الوسق ومسالك التهريب، ودون أن يقوم وكلاء الفضاءات الكبرى والمغازات التي تتوالد الواحدة من الاخرى في شكل سلسلات احتكارية، تقوم على تجميع كل البضائع عن طريق شرائها بالجُملة، وتخزينها، ومن ثمّة التحكّم في أسعارها عندما تصبح متواجدة فقط في هذه الفضاءات.

ولا شك ان التراخي الحكومي في هذا المجال قد فتح شهية كثير من المحتكرين الذين بسطوا سيطرتهم على كل مسالك التوزيع في كامل البلاد، في ظل غياب شبه كامل للدولة ولأجهزتها الرقابية والتفتيشية ودوائر التراتيب وحفظ الصحة والتفقّد العشوائي والمنظم، واكتفاء وزارة التجارة بتسديد أجور خيالية وامتيازات وسيارات ووقود لجيش من أكثر من ألفي مراقب، لا يفعلون شيئا الا استهلاك أموال الدولة والنوم في مكاتبهم، دون ان يسجّل المتابعون والمواطنون أي حضور لهم في الاسواق والفضاءات التجارية منذ سنوات، إلا في شكل محتشم في المناسبات عندما تكون كاميرا التلفزة برفقتهم.

أما ثاني التحديات أو الملفّ الأهم بالنسبة للحكومة فهو بلا شك مكافحة الإرهاب، والذي يُقال الكثير عن المنجز فيه، وعن التقدّم، والنجاعة وغير ذلك من بلاغات وزارة الداخلية التي تنوّه في كل مرة بعمليات استباقية وبانتصارات كبرى تحققها، ولا أحد يستطيع ان ينكرها، لكن على ارض الواقع فان الإرهاب لازال موجودا، بل انه انتقل الى ميادين جديدة، وطوّر من أساليبه، وغيرّ من طرق عمله، واستطاع احداث اختراقات مريبة، سواء عموديا داخل أجهزة الدولة الامنية والقضائية والسياسية، أو أفقيا عن طريق استحداث حواضن متشابكة من مدارس وكتاتيب ومساجد وجمعيات وحتى وسائل إعلام وتواصل توفّر الغطاء لنشاطاته، وتكون مخزنا للموارد البشرية يمده بخزّان من المغرّر بهم متى أراد ذلك.

كما استطاع الارهاب أن يبقي على حضوره في سلسلة الجبال الغربية، ويهدد في كل مرة المتساكنين في السفوح، بل وأصبح يتجاوز القرى والدّشرات النائية، الى المدن، ويحتطب من أموال البنوك، في عزّ الظهيرة، دون رادع ولا مانع.

وفي الوقت نفسه تتحدّث كل التقارير الاستخبارية العالمية والاقليمية عن موجة جديدة من العودة بالنسبة لمن استطاع ان ينجو من جحيم سوريا والعراق، باتجاه تونس وليبيا ومنطقة شمال افريقيا والساحل والصحراء، في ظل صمت تونس لا يمكن فهمه ولا استيعابه، خاصة اذا ما علمنا ان المئات من الارهابيين الذين قاتلوا في الشرق قد عادوا أفرادا وجماعات، دون أن تُفتح في شأنهم تحقيقات ودون أن نسمع عنهم أخبارا رسمية، لا حول اقامتهم ولا محاكمتهم ولا حتى التحريات عنهم والتحقيقات معهم، ما يجعل الباب مُشرعا أمام كثير من التأويلات، التي تنصبّ في أغلبها حول العجز الرسمي عن مواجهة هذه الظاهرة، اذا لم يكن تواطؤا مع أطراف سياسية من أجل تمرير عودتهم على أساس أنها اضطرارية أو لا تحمل صفة الخطورة الارهابية.

وغير بعيد عن عالم الارهاب، يكمن ملفّ آخر لا يقل أهمية عنه، هو ملفّ استشراء العنف والجريمة والاعتداء وتطور عمليات السلب والسطو المسلّح، وانتشار ظاهرة القتل والبراكاجات والاعتداء على الاشخاص والممتلكات في ظل غياب تام لاجهزة الامن، التي لا تتحرك الا متى اتخذت القضية منحى اعلاميا وظهرت للعيان، وفي ظل أحكام قضائية مشجّعة للجريمة اكثر منها رادعة لها، وفي ظل بسط مافيات المخدرات وحبوب الهلوسة والسلب المنظم سيطرتها شبه المطلقة على الشوارع ليلا، وعلى محلات السهر وبيع الخمور وتجارة الدعارة وما شابهها، وخروج هذه القطاعات نهائيا من رقابة الدولة، وتحولها الى شبه مزارع مشاعة لمحترفي السطو والعنف وتجارة الممنوعات.

احدى الاحصائيات تحدثت عن بلوغ نسبة سرقة المواشي – ليلا ونهارا –أرقاما قياسية لم تعرفها منذ الاستقلال الى السنة الماضية، وكثيرون تحدّثوا عن تواطؤ وغضّ طرف من مراكز الامن، وعجز أيضا في بعض المناطق الاخرى، دون ان تحرّك وزارة الداخلية ساكنا، ودون ان تفكّر في طريقة للقضاء او الحد من هذه الظاهرة، التي كانت في جزء منها سببا من أسباب انقطاع الحليب ومشتقاته في عديد المناسبات، باعتبار الأغلبية الساحقة من مربي المواشي والفلاحين تركتهم الدولة، عُزّلا، يواجهون مصيرهم بأيديهم أمام عصابات السطو المسلّح المدعومة من أطراف نافذة في الأمن والسلطة.

أما التحدي الذي لا يقلّ أهمية هو الآخر، فهو تحدّي التخفيض من عدد العاطلين، وإيجاد موارد ومواطن شغل لمئات الآلاف من العاطلين، سواء من حملة الشهائد أو حتى من المستويات التعليمية المتوسطة والعادية، والذين لازال عددهم يتضاعف كل عام دون أن تجد الحكومات المتعاقبة سبيلا للخروج من هذه الأزمة، رغم محاولات إيجاد صيغ وآليات تشغيلية، ثبت بمرور السنوات أنها صيغ هشة ولا ترتقي الى مستوى البديل الذي يمكن أن تعتمد عليه الدولة في حلّ معضلة البطالة المتفاقمة.

تحدّ آخر هو الميدان الرياضي، والذي يبدو في أسوإ حالاته، ولم يستطع إلى حد الآن الثبات في نفس المكان على الأقل، بل يواصل الانحدار بشكل سريع نحو قاع الترتيب في كل الأنواع والمسابقات والمهرجانات الرياضية، كما تشهد كرة القدم بالخصوص انهيارا رهيبا على مستوى الأداء والنجاعة والحرفية، إضافة إلى العنف الذي بات ظاهرة ملازمة لكل مقابلة كروية وحتى في ميادين التدريب والتحضير، إضافة إلى ما يخترق الساحة الكروية من تلاعب بالنتائج، وتحكيم هزيل، ورشاوى وتدخلات ووساطات.

أما التحدّي الأهم، والذي أردنا أن نتركه إلى آخر الترتيب، فهو بلا شك تحديّ التنمية، وخصوصا تلك المصنّفة تحت بند في الدستور يتحدّث عن التمييز الايجابي والتنمية الجهوية، والتي على ما يبدو لم تعد تعني شيئا، أمام حكومات متلاحقة لا تقدر على توفير ميزانية لأجور الموظفين، فكيف ستفكّر وتخطط لتنمية وتمييز ايجابي للجهات والمناطق والفئات.

وهو تحدّ، تكذب الحكومة ان قالت أنها تفكّر فيه بجدية، وتكذب أيضا ان قالت أنها تضع له الخطط والبرامج، هي فقط تفكّر الان بعد ان استقامت لها السلم الاجتماعية، أن توفّر أجور الموظفين، وان تعدّ نفسها للانتخابات القادمة، وأن توزّع غنائم 2019 على الموالين والمقرّبين، فهي أمام اختبار صعب، بعد ان اختارت تغيير الرهان، ووضعت كل بيضها في سلّة «غير مضمونة».